موقع الصراط ... الموضوع : موقف الإسلام من الحكم والسيادة-5
 
الثلاثاء - 7 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  موقف الإسلام من الحكم والسيادة-5  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 10 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  الكاتب: الشيخ محمد علي التسخيري
الإسلام والعلمانية:
هذا الفصل يعمل على جعل العلاقة مجرد تقارن تاريخي لا غير ويعمل هذا الفصل أيضاً على مناقشة ما يطرحه [عادل ظاهر مؤلف كتاب الأسس الفلسفية للعلمانية] من قضايا من قبيل:
١- إن الله يأمر بتنظيم الحياة السياسية ولا يمكنه إلا أن يكون آمراً بذلك.
٢- إن الله يأمر بالنظام رغم اختلاف الظروف الزمانية والمكانية.
3- إن المسلم هو وحده المأمور بإقامة الدولة الإسلامية.
٤- إن الإنسان عاجز عن تنظيم حياته بمفرده.
وهي قضايا يطرحها نيابة عن القائلين بأطروحة الصحوة الإسلامية ثم يبدأ بالرد عليها بإيرادات من قبيل:
أ- إن الظروف هي التي جرّت الرسول إلى التقنين فلو لم يعاند أهل مكة ولم يهاجر النبي إلى المدينة لكان هناك احتمال آخر. (وهي قضية يرددها علمانيون آخرون من قبيل الدكتور سروش). ب- إن الإسلام صفة عامة لكل الأديان ولو كان يلازم الدولة لما وجدنا المسيحية مثلاً ترفض الفكرة.
ج- الإشارة إلى قاعدته أن الجائز لا ينتج من الضروري.
د- إن ثبات النظام مع تغير الظروف مستحيل ولا يأمر الله بالمستحيل وهنا يهاجم القائلين بمسألة خلود النظام هجوماً مراً(1).
كما يهاجم فكرة (لا اجتهاد مع النص) وفكرة (إن النصوص المطلقة يجب العمل بها وفق إطلاقها) ثم يعمل على التشكيك في النصوص القرآنية(2).
ويفرق بشكل غريب بين إطلاق النص وإطلاق مضمونه وهو القاعدة، ثم يطرح فكرة (واجبات الوهلة الأولى) ولعله يقصد بها فكرة الواجبات بالعنوان الأولي التي يمكن أن تتغير بطرح العنوان الثانوي.
ويحاول طرح فكرة (تحريم لحم الخنزير لضرره) فإذا زال الضرر حل ذلك. ويعتبر الإيمان بالمصالح المرسلة نقضاً لإطلاق الأحكام الإلهية.
ويعمل على التفريق الاعتباطي بين القواعد العامة كحرمة شهادة الزور وحرمة القتل والأخرى كجلد الزانية وإرث الأنثى، فيرى إمكان ثبات الأولى دون الثانية.
وأخيراً يطرح فكرة (الطبيعة الكونية للإسلام) مستبعداً كل ما يراه أنه يعارضها ويستفيد من كلام بعض الكتاب الإسلاميين أن الإسلام جاء بتوجيهات عامة وكليات، إن مرادهم هو الإيمان بالمبادئ المعيارية(٣)، إلا أنه يستدرك على ذلك أيضاً باعتبار:
1- إن هذه المبادئ ليست ذات مضمون سياسي ولا تبنى به المؤسسات الاجتماعية.
٢- إن العمل بها هو عمل بالعقل لا - بالوحي لأننا إذا أردنا أن نجعلها كونية كان علينا أن نجردها من خصوصياتها الإسلامية، فهي تتنافى مع مبدأ أن الإسلام هو وحده المكلف بإقامة الدولة الإسلامية، وإلا كان علينا أن نؤمن بالنسبية الأخلاقية.
وأخيراً يطرح فكرة أن استقلالية الإنسان في تعقله وفي كينونته الأخلاقية تتعارض مع فكرة الدولة الدينية لينتهي إلى غرضه الأصلي من الكتاب وهو الاعتماد على العقل المجرد من الدين في صياغة الحياة.

ملاحظات عامة:
وإذا كان لنا أن نلاحظ على الكاتب بشكل موجز قلنا:
أولاً: إن الكتاب رغم ما يبدو فيه من اتباع للمنهج العلمي العقلي المنطقي يفقد الكثير من المصداقية المنطقية وخصوصاً عند محاولته المغالطة.
فإن أهم ما يعتمد عليه هو قوله: أن القضية الضرورية لا تنتج القضية الجائزة، جاعلاً إياها قضية منطقية صدقت مقدماتها فلا بدّ أن تصدق نتائجها بنفس المستوى. وليس الأمر كذلك فإنه يريد من القضية الضرورية (القضية الدينية العقائدية) وهي قضية ضرورية قطعية حتماً أما القضية العملية الاجتماعية فلها حلول عديدة ولا إلزام بالحل الواحد، ونلاحظ هنا:
١- إن الإيمان بالله ووحدانيته وصفاته لا يستلزم مطلقاً الإيمان بوحدة النظام الاجتماعي بكل أبعاده، رغم اختلاف الظروف والمكان، فمن الجائز منطقياً أن الله تعالى يخير الإنسان بين حلول متعددة لمشكلته الاجتماعية، والفقهاء كلهم يطرحون فكرة الواجب التخييري، وفكرة القاعدة التي تتعدد مصاديقها التنفيذية، بل من الجائز أن يبيح الله للإنسان أن يعمل فكره وعقله في منطقة معينة ليملأها بتشريعاته المتغيرة، وهو ما عبر عنه المرحوم الشهيد الصدر بمنطقة الفراغ التشريعي أو ما يمكن أن يسمى بالمنطقة الولائية أو منطقة المباحات - كما اشرنا لذلك في بحث مستقل - ولا يتنافى كل ذلك مع ضرورية القضية الدينية وبهذا ينهار أساس استدلاله الفلسفي في مجمل الكتاب فليست القضية هي من الشكل الأول المنطقي ليقال أن ضرورية المقدمات تنتج ضرورية النتائج.
2- إن القضية الاجتماعية قد تكون ضرورية وذلك إذا كانت المشكلة مشكلة ثابتة لا تغير فيها وكان حلها ثابتاً لا تغير فيه، فليس أمامنا إلا الحل الثابت للمشكلة الثابتة وهو ما يمكن أن نطلق عليه بمنطق الكاتب اسم القضية الضرورية.
فالمشكلات الإنسانية التي تعود إلى الفطرة وهي ما نعتقد انه العنصر الثابت في حياة الإنسان هي مشكلات ثابتة وسبل علاجها قد تكون ثابتة لا تغير فيها، كما أن الحقائق الفيزيائية هي حقائق ثابتة فعلاجها إذن هو العلاج الثابت الذي لا يتغير بتغير الظروف والأماكن ويمكن أن نضرب لهذه أمثلة من قبيل:
أ- وجوب الصلاة وباقي أنماط العبادات لإشباع حاجة الإنسان الثابتة للتدين والارتباط بالمطلق.
ب- النهي عن قتل الإنسان.
ج- النهي عن كل أنماط الظلم.
د- النهي عن الخمرة لأنها مضرة دائماً بالإنسان من وجوه شتى.
هـ ـ النهي عن أكل لحم الخنزير لعلاقته السلبية بالحياة الإنسانية (ولا نعلم نحن أبعاد هذه العلاقة).
و ـ النهي عن الغرر والغش في المعاملة. وغير ذلك.
هذا وقد صادر الكاتب على المطلوب حين ادعى أن المعرفة العقلية الكاملة ممكنة فالمدعى أن المعرفة الاجتماعية الكاملة غير ممكنة لأنها تعني معرفته بكل الغايات الإنسانية بتفاصيلها ومعرفة كل الوسائل الموصلة إلى تلك الغايات وهي أيضاً غير ممكنة للعقل فكيف نفترض ابتداءً إمكان هذه المعرفة العملية؟
ثانياً: إن الهدف الذي يرمي إليه هو فصل الدين عن الحياة، من خلال افتراض أن العقل والمبادئ المعيارية تتقدم رتبة على الوحي فهي كافية لتنظيم شؤون الحياة.
ونحن نعلم أن العقل هو نبي الباطن ـ جاء في الحديث عن هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (ع): (...يا هشام إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة (ع) وأما الباطنة فالعقول...)(4) - وبه تتم المعرفة الدينية سواء كان عقلاً نظرياً أي المبادئ الأولية الضرورية كاستحالة التناقض ومبدأ العلية أم كان عقلاً عملياً كما في مسألة الطاعة الخالق تعالى.
ولكن المشكلة تكمن في أن العقل وحده لا يقدر على معرفة كل العلاقات الإنسانية فيما بينها أولاً، والعلاقات الإنسانية بالطبيعة، والعلاقات بين الماضي والحاضر والمستقبل والعدالة الدقيقة في الإشباع المتوازن للحاجات الإنسانية، وبالتالي كل السبل للوصول إلى الكمال الإنساني (الذي تعبر عنه النصوص الإسلامية بالتقرب من الله) ولذا يحتاج الإنسان إلى الدين وتعاليمه وذلك: أ- لكي ينمي العقل نفسه ويهديه إلى الأسلوب التكاملي الأفضل.
ب ـ لكي يوضح له ما أبهم عليه من علاقات وما ينبغي أن يصنعه لمواجهة كل المواقف، ومنها المواقف الأخلاقية التفصيلية التي قد يمكن أن يعلم أصولها إجمالاً، والحقيقة أن السير الطبيعي الذي يصوره الدين يتم على النحو التالي:
(الذات الإنسانية المنطوية تدرك ـ عبر العقل ـ الحقائق الدينية لتصل من خلالها الى الخطة الحياتية الكاملة التي تسير بها نحو التكامل).
فالعقل بمبادئه يقود الإنسان إلى الله، وضرورة طاعته. والله بفضله وكونه الخير المطلق بمقتضى علمه وقدرته ولطفه يرسم للإنسان كل معالم حياته الفردية والاجتماعية التشريعية وكل الحلول الأنجح لمشكلاته ليسير هذا نحو الغاية.
وبتعبير آخر: العقل نبي الباطن الذي يرشده إلى خالق الكون، ونبيه هو عقل الخارج الإنساني الذي يبلغه الخطة الإلهية للحياة.
فأين التناقض؟ ولماذا نعتبر أسبقية العقل أن العقل هو كل شيء في الحياة، وهل يمكن أن نعتبر السراج الكاشف عن المنظار كاشفاً عن كل العوالم التي يكشف عنها المنظار، فلا حاجة إذن للمنظار ونكتفي نحن بالسراج؟
وبهذا ينهار الأساس الثاني الذي سعى إليه الكاتب وأكده مئات المرات، وهو دلالة أسبقية العقل على الوحي والنبوة على استقلالية الإنسان في كل حياته.
إن الأوامر الإلهية قد تكون أوامر إرشادية لحكم العقل الذي قد يغفل عنه الإنسان نتيجة طغيان النوازع الحسية عليه، ولكنها لا تعني التكرر والمرجعية العقلية، بل تعني الانسجام بين الدين والفطرة الإنسانية، وتبيين مكنونات هذه الفطرة التي قد يعمى عنها الإنسان.
كما أننا قد نعبر أن الإرادة الإلهية بمقتضى عدلها ولطفها تنسجم مع الاعتبارات العقلانية، ولكن هذا لا يعني تقييد الإرادة المطلقة فهي مطلقة لا يحدها شيء ولكنها بمقتضى العدل واللطف لا تأمر الإنسان إلا بما يصلحه ويحقق له تكامله ولا يعني هذا المرجعية العقلية بقدر ما يعني الانسجام مع الفطرة والواقع الإنساني. بالإضافة إلى أن هذه الإرادة تتعلق بكثير مما يجهله الإنسان بعقله من المصالح والألطاف فلا يمكن الاستغناء عنها مطلقاً واعتبار الأوامر الدينية أمراً مكرراً. فالمغالطة تكمن في جعل العقل الإنساني مدركاً لكل الغايات والمبادئ والعلاقات الواقعية وأساليب العلاج وهي قضية معلومة البطلان وما أكثر المجهولات في الحياة.
إننا نؤمن كالكاتب بأن الحسن والقبح ذاتيان للأشياء ولا نوافق على مقولة أن الحسن آتٍ من تحسين الشارع لأن هذه المقولة كما قال الكاتب تواجه مشكلات عديدة طرحها بإسهاب ليسجل انتصاره دون أن يذكر الفكرة القائلة بالحسن الذاتي للأشياء، فهي تكون حسنة حتى لو لم يوجد المكلف نفسه... وإنما الذي ننعاه على الكاتب أن العقل العملي يدرك حسن بعض القضايا العامة من قبيل إدراكه لحسن العدالة مطلقاً، فهي معيار دائمي (لا يمكن خلطه مع بعض المعايير التي تمتلك حسناً أولياً للوهلة الأولى كالمنفعة والحرية) وكذلك إدراكه لحسن طاعة المولى الخالق الحاكم المالك، وهي مفاتيح تنقلنا إلى عالم العلم الإلهي والطاعة لله حيث تنكشف أمام العقل نفسه آفاق الحسن بتفاصيلها ليسجل عجزه أمام الله تعالى ويركع له ويسجد.
ثالثاً: بغض النظر عن العلاقة بين المعرفتين، لنفرض أن المعرفة العملية ممكنة إلا أن هناك مسألة الطاعة لله الآمر بالنظم الاجتماعية المختلفة التي لا نستطيع إنكارها، فنحن إذ نعرف الله تعالى بكل صفاته ونعرف الإسلام بأبعاده لا يمكننا أن نعصي الله تعالى بأوامره بعد أن كانت النصوص ثابتة والنبوة معصومة والله تعالى هو الآمر.
إن الكاتب هنا يطرح الكثير من القضايا لنفي هذه العلاقة:
1- يدعي أن بعض الكتّاب قد رفضوا وجود نظم إسلامية للحياة أو ذكروا أن هناك مبادئ عامة كلية لا غير.
2- يدعي أن الله أعطى الإنسان القدرة على المعرفة الكاملة بالمعايير الأخلاقية التي يعرف الله بها، وهذا لا ينسجم مع مسألة إقامة المجتمع على أساس من التعاليم الإسلامية، لأن ذلك لا يبقي مجالاً لإعمال العقل والعمل باستقلاليته.
3- يعمل بشتى الأساليب على التشكيك في ثبوت النصوص، وفي إطلاق النصوص وفي سلامة الوحي من الخداع والوهم، ثم يؤكد أنها لو تمت فإنها تعطينا واجباتنا (لأول وهلة) والذي نسعى إليه هو واجباتنا الفعلية.
4- يعمل على الإشكال في مسألة اقتضاء حاكمية الله وملكية الطاعة له.
ونلاحظ على هذا الأسلوب:
1- إن الأمر الثاني قد تمت الإجابة عنه وأكدنا أن قدرة العقل على معرفة اللهو لزوم إطاعته لا تستلزم مطلقاً قدرته على المعرفة العملية بكل الغايات الإنسانية والوسائل التي تحققها. على أن الشارع المقدس يبقي للعقل مجالات واسعة للإبداع والابتكار العلمي، بل مجالات للإبداع التشريعي في الجانب المتغير من حياة الإنسان، وكذلك في اختيار الأسلوب التطبيقي للحكم الشرعي. فلا يؤدي إذن القول بإقامة الحياة على أساس من شريعة الله إلى تعطيل العقل الإنساني وإنما لسد عجزه في المعلومات وتقوية نشاطه الفعال في المجالات الإنسانية من المعوقات التي ذكرها الكاتب في أطروحته الابستمولوجية الثانية حقيقة قائمة، ولكن يجب أن يضاف إليها جهل الإنسان بأكثر المعلومات والعلاقات الدخيلة في شكل النظام، بل هو يجهل ذاته نفسها، فكيف يمكنه التغلب على هذه النقائص؟ والغريب أنه يقول إذا كانت هذه معوقات عن المعرفة العملية، فلماذا لا تعيق المعرفة الدينية؟ متغافلاً عن أن المعرفة الدينية هي من مقتضيات الفطرة بميولها نحو التدين ونزوعها نحو الكمال وبإمكاناتها العقلية الكلية، فهي تكفي للوصول إلى الله. وهذا شيء يختلف عن معرفة كل أبعاد النظام الاجتماعي والتشريعي للإنسان.
٢ ـ النقاش في الأمر الأول صغروي فنحن ندعي أن النظم التي طرحها الإسلام هي نظم متكاملة وشاملة لمجمل المشكلات الحياتية وتمتلك كل مقومات (النظام) فهي أبعد من أن تكون مجرد تعليمات كلية ومبادئ عامة. وقد رأينا الكاتب نفسه لا يكتفي بهذه الحجة التي منحها هؤلاء له، وإنما يعمل على انتزاع الخصيصة الإسلامية لهذه المعايير وتجريدها من خصوصياتها لتنسجم مع ما يسميه بـ (الكونية الإسلامية) وكأن الكونية الإسلامية لا تنسجم حتى مع طرح المعايير الكلية بخصوصياتها الإسلامية.
إن التعامل المنطقي يقتضي أن نناقش القضية على المستوى الإنساني فنقول: هل تستطيع هذه المبادئ أن تطبق على المستوى الإنساني العام بغض النظر عن الاختلافات العرقية أو اللغوية أو المكانية أو الزمانية أم لا؟ بدلاً من أن نفترض ضرورة تطبيقها مع حذف صفتها الإسلامية؟
إنها معايير تنسجم مع الفطرة الإنسانية، وهي واحدة في الجميع لأن الفطرة هي الشاخص الإنساني الأول.
والغريب أنه يدعي أن رجوعنا إلى الاعتبارات العقلائية هي أسهل من الرجوع إلى النصوص. وقد اشرنا من قبل إلى أن الاعتبارات العقلائية مبتلاة بمعوقات كثيرة تجعل المعرفة العلمية الكاملة شبه مستحيلة بل مستحيلة فعلاً.
٣- أما مسألة الوسيلة إلى الله تعالى وأوامره فنلاحظ فيها:
أ- إن الكاتب أغفل الأمور المعلومة لدى المسلمين أو ما نسميه ببديهيات الفقه، وكذلك ما تجمع عليه الأمة الإسلامية، فلا يبقى أي مجال للتشكيك لأنها معلومة (والحجية ثابتة للعلم)، وكذلك أغفل النصوص المتواترة المعلومة أيضاً في طليعتها النصوص القرآنية. أما النصوص غير المتواترة فقد ركز عليها مشككاً وطارحاً فكرة التحريف، ومشككاً في الدلالة والظهور إلا أن علم أصول الفقه الإسلامي قد حل هذه المشكلات وفقاً لأسسه المتينة. فليس لنا أن نشكك في حجية خبر الواحد بعد أن كانت سيرة العقلاء الممضاة شرعاً على العمل به، وليس لنا أن نقيد ظهوراً مطلقاً بشكل اعتباطي إلا أن تقوم قرينة متصلة أو منفصلة على ذلك حسب القواعد المعروفة التي لا مجال للحديث عنها هنا.
كما أنه ليس لنا أن نخترع من أنفسنا ملاكات معينة للأحكام وإنما نتبع في ذلك ما يصرح به الشرع العظيم، فضلاً عن أن نقوم بانتخاب أحكام معينة لا تنسجم مع أذواقنا لإعطائها صفة مؤقتة وتفقد بذلك خلودها.
ب- إن ما يسميه بـ (واجبات الوهلة الأولى) أمر مبهم فقد يقصد أنها واجبات لأول وهلة أي واجبات بدوية سرعان ما تفقد وجوبها وهو أمر تافه لا محصل له، وقد يقصد بها ما نسميه نحن بالواجبات الأولية أي الواجبات التي تأتي في حد ذاتها على المكلفين (ما لم يعارضها عنوان ثانوي) كوجوب الصلاة، وحرمة الخمر، وإذا جاءت هناك عناوين ثانوية كالحرج والاضطرار والتزاحم مع الواجبات الأهم قدمت هذه العناوين الثانوية وصارت واجبات فعلية، فهذه أيضاً لها قواعدها الرصينة وهي تعبر عن مرونة الشريعة وكذلك يتقدم الأمر الصادر من ولي الأمر، وهو الأمر الحكومي على العناوين الأولية المباحة - في تفصيل يذكر في محله - فلا يشكل هذا الجانب أية مشكلة تشريعية.
ج ـ والأغرب من كل ذلك ما يصرح به من أن إطلاق النص لا يستلزم إطلاق القاعدة المتضمنة فيه، وما النص إلا كاشف عن مضمونه ومعرف له.
د- والإيمان بالمصالح المرسلة لا يعبر عن نقض لنظام الأحكام الإلهية وإنما يعبر عن مرونة تشريعية حيث يلجأ ولي الأمر إلى ما تقتضيه المصالح في إطار المقاصد الشرعية وفي إطار المؤشرات التي يمنحه الشارع إياها، يلجأ لعلاج الحالات المتغيرة بإصداره الأحكام المصلحية ونحن هنا لا نؤمن برجوع الفقيه إلى ذلك.
هـ - أما فكرة (الاجتهاد في قبال النص) فهي غريبة عن الإسلام ولا معنى لأن يعمل الإنسان رأيه في قبال النص الإلهي المعصوم، إنه بذلك ينقض إيمانه بالنص الديني وعصمته ويقع بالتالي في تناقض في ايمانه. و- أما التشكيك في عملية الوحي فهو أمر مرفوض تماماً وهي فكرة غريبة على الروح الإسلامية فالوحي حضور قطعي لدى النبي وهو بدوره يوصله إلى الأمة دونما أي تصرف (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ولقطعنا منه الوتين)(5)، أما فكرة التجربة الداخلية فقد انطلقت في الغرب، وتأثر بها المفكرون المسلمون وهي أمور لو شككنا فيها شككنا في كل النبوة، والمفروض إننا اطمأننا بعصمة الرسول (ص) إما مطلقاً أو على الأقل في مجال التبليغ (كما هو رأي بعض المسلمين).
ز- وقد ذكر أننا لا نستطيع التعامل مع النصوص إلا إذا تطابقت مع الاعتبارات العقلائية، فلا ندري ماذا يقصد بها. فإن قصد أن النص يخالف في ظهوره معلومة قطعية عقلية من قبيل قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى)(6) وحينئذ يجب تأويله فهو أمر صحيح، ولكنه لا علاقة له بالجانب التشريعي أولاً، وتقل موارده ثانياً، وليس في المجالات التشريعية ثالثاً.
وإن قصد أن النص قد يخالف ما تستحسنه ظنوننا وأذواقنا واعتباراتنا العرفية فلا قيمة لهذه الاستحسانات بعد أن كانت مبتلاة بالمعوقات التي ذكرها هو، وفي طليعتها الجهل الإنساني بالحقائق... نعم لو بلغت هذه الاعتبارات حداً واسعاً وامتدت امتداداً تاريخياً إلى عصر النص وشكلت قرينة عرفية عليه، ولم يكن هناك ردع شرعي لها أمكن القول بأنها قد تقيد ظهور النص وإطلاقه ولكن ذلك لا يؤدي إلى ما يريده الكاتب من جعل الاعتبارات العقلائية مرجعاً للنصوص.
وهكذا نجد أن هذه الشبهات تتساقط الواحدة بعد الأخرى، ويبقى السبيل إلى معرفة أوامر الله تعالى سليماً بوجه عام.
أما ادعاء أن الرجوع إلى الاعتبارات العقلائية أسهل من الرجوع إلى النصوص، فقد قلنا أنه غريب سخيف وأنّى لهذه الاعتبارات المبتلاة بضعفها أن توصلنا - عبر التجربة الاجتماعية - إلى المعرفة العلمية المطلوبة وقد أشرنا لهذا من قبل.
والحقيقة أن من يدرك الفرق بين التجربة الطبيعية والتجربة الاجتماعية يلاحظ عجز الإنسان عن الوصول إلى المعرفة الاجتماعية الشاملة الدقيقة(7). ح- مسألة الإلزام الإلهي.
يرى الكاتب أن صفة القدرة الإلهية لا تكفي للإلزام بطاعة أوامر الله حتى ولو كانت إرادته خيرة دائماً إلا أن تقود الإنسان إلى ذلك اعتباراته العقلائية.
ومن هنا فما الذي يقودنا للإلزام؟ يطرح هنا فكرة الحاكمية الإلهية للعالم، وفكرة الخالقية والمنعمية، وفكرة المالكية الإلهية للعالم ويناقشها بأنها جميعاً تتحرك في إطار الاعتبارات، فالتشكيك إذن ينصبّ على عنصر الإلزام الإلهي.
والحقيقة أن كل تلك الأفكار تعود إلى فكرة أعلى منها، هي فكرة المولوية الإلهية. فالله تعالى هو المولى الحقيقي للإنسان والإنسان بالتعبير الديني هو العبد المحض لهذا المولى الحقيقي ويكمن سيره التكاملي في عبوديته التكاملية، ولذا أطلق على الأعمال التي تنظم مظاهر هذه العلاقة اسم (العبادات).
وينطلق الإلزام في مقام المولوية من حكم العقل القطعي الإلزامي (وهو من أهم الاعتبارات العقلائية) بلزوم طاعة المولى الحقيقي والعمل بأوامره المعلومة واستحقاق الثواب والعقاب على أساس من هذه الطاعة، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن احتمال إرادة المولى الحقيقي - أيضاً - ملزم للطاعة لدى العقل، ولا يحتاج الأمر إلى التحقق قطعاً من صدور الأمر الإلهي؛ يقول الشهيد الصدر متحدثاً عن أن البحث عن الحجية هو بحث عن حدود المولوية:
(لأن المولوية عبارة عن حق الطاعة، وحق الطاعة يدركه العقل بملاك من الملاكات كملاك شكر المنعم أو ملاك الخالقية أو المالكية، ولكن حق الطاعة له مراتب وكلما كان الملاك أكثر تأكيداً كان حق الطاعة أوسع... وقد تكون مولوية المولى أوسع دائرة بأن كانت منعميته بدرجة عليها حق الطاعة حتى في المشكوكات والمحتملات من التكاليف ...ومظنوني أنه بعد الالتفات إلى ما بينّاه لا يبقى من لا يقول بسعة مولوية المولى الحقيقي بنحو تشمل حتى التكاليف الموهومة)(8).
رابعاً: مما يردده الكاتب كثيراً مسألة استحالة أن يكون هناك نظام خالد لأن الظروف الزمانية المكانية متغيرة، فحتى لو جاء الأمر الإلهي بذلك فهو مستحيل ومخالف للمعايير العقلائية فيجب رفضه أو تأويله.
وهذا الإشكال معروف وقديم، ويكفي أن نشير إلى أن الكتّاب الإسلاميين أجابوا عليه في بحوث مفصلة وخلاصة الرد عليه هو:
إن الجوانب الإنسانية ليست كلها متغيرة، وإنما بعضها ثابت والآخر متغير، أما الجانب الثابت فيشمل مثلاً الجوانب الفطرية الثابتة في الإنسان ومنها الثوابت الأخلاقية التي يؤكدها الكاتب ومنها الحقائق الفيزياوية الكونية الثابتة أيضاً.
وعلاج هذه الجوانب يبقى ثابتاً.
أما الجوانب المتغيرة فيجب مواجهتها بعناصر مرنة (هي بدورها الكلي تشكل قواعد ثابتة) وللإسلام تخطيطه الواسع في هذا المجال ويشمل:
أ ـ الإيمان بتقسيم الأحكام إلى أولية وثانوية وحكومية.
ب ـ تعيين المجالات المتطورة وتعيين دور الحاكم في ملئها مع ملاحظة اختلاف الظروف الزمانية والمكانية.
ج- إعطاء بعض القواعد الثابتة التي تتغير مصاديقها بتغير الظروف من قبيل قاعدة (منع الإسراف) و(إعداد القوة) و(ضرورة العمل على رفع المستوى المعاشي للأفراد للوصول بهم إلى حد الغنى) وأمثال ذلك.
د ـ فتح باب الاجتهاد لاستيعاب مختلف الظروف في أطر معينة ثابتة.
وبهذا نؤمن أن فكرة استحالة خلود النظام وهي من الأفكار الأساسية في الكتاب فكرة باطلة وللتفصيل هنا مجال.
خامساً: وهناك مجالات كثيرة للفقه نعرض عنها ولكن نشير إلى أنه يستند إلى هذه النصوص المسيحية المحرفة ليؤكد أنها لا تتدخل في الحياة الاجتماعية ويعتبر ذلك نقضاً على تدخل الإسلام في هذه الحياة باعتبار أن الإسلام يشمل كل الأديان التوحيدية فلماذا نقض هذا الأمر في المسيحية والحقيقة هي أن الأديان كلها تتدخل في الحياة الاجتماعية وتصوغها فطبيعة الدين ذلك وحتى المسيحية المحرفة نجدها تنظم الحياة وان لم تصلنا كل النصوص الدالة على ذلك إلا أن بعض نصوصها يؤكد ذلك.
وكذلك نشير إلى أن فكرة تأثير الظروف على دعوة الرسول (ص) وأنها دفعته للفكرة العالمية أو (الفكرة الاجتماعية) وأمثال ذلك، هذه الفكرة تتناقض مع ما آمنا به سلفاً من نبوة النبي (ص) وقدسية الوحي. والغريب أن نجد بعض المثقفين يستجيبون لمثل هذه التشكيكات من قبيل (الدكتور سروش في إيران) في مقاله المعروف (الصراطات المستقيمة). وكذلك نشير إلى فكرة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) والتي اعتبرها تحصيل حاصل، مؤكدين أن الفهم العام لها يختلف تماماً عما فهمه هو، فهذا النظام هو نظام الإشراف على عملية تطبيق الشريعة الإسلامية ومقاصدها على الصعيد الفردي والاجتماعي وليست الرقابة الاجتماعية مما يمكن أن يوصف بأنه تحصيل حاصل إلا أن يفسر المعروف بالمعايير الأخلاقية وتكون الجملة لديه (علينا الالتزام بما علينا الالتزام به) كلا، فالقاعدة هي إلزام الأفراد والجماعات بواجباتها الدينية وليست كما يتصور.

الهوامش:
(1) ظاهر، عادل، الأسس الفلسفية للعلمانية، بيروت، مكتبة الحياة، ص ٣٣٩.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه، ص ٣٥٠.
(4) الكليني، مصدر سابق، ج ١، ص 106 .
(5) سورة الحاقة، الآية ٤٤ ـ ٤٦.
(6) سورة طه، الآية ٥.
(7) الصدر ، محمد باقر، مقدمة كتاب فلسفتنا.
(8) الصدر ، محمد باقر، مباحث الحجج والأصول العملية ، تقريرات السيد الهاشمي، ج ٢ ، ص ٢٤.

المصدر: مجلة التوحيد، العدد 98
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com