موقع الصراط ... الموضوع : طلب العلم فريضة على كل مسلم-3
 
الجمعة - 28 / جمادي الأول / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  طلب العلم فريضة على كل مسلم-3  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 11 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
طلب العلم وسيلة للتفقه:
طلب العلم لم يكن غاية لذاته، وإنما وسيلة للتفقه بالدين، والتفقه هو التبصر والوعي لرسالة الله أصولاً وفروعاً، عقيدةً ونظاماً، كما في قوله تعالى: ((فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون))(1)
وقد أوضح صاحب مجمع البحرين في تعليقه على الحديث الشريف: (من حفظ من أمتي أربعين حديثاً بعثه الله فقيهاً عالماً)، قال قدس سره: (قال بعض الشارحين: ليس المراد به الفقه بمعنى الفهم، فإنَّه لا يناسب المقام، ولا العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية فإنَّه مستحدث، بل المراد البصيرة في أمر الدين، والفقيه أكثر ما يأتي في الحديث بهذا المعنى، فالفقيه هو صاحب البصيرة، وإليها أشار (ص) بقوله: (لا يفقه العبد كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، وحتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة، ثم يقبل على نفسه فيكون لها أشد مقتاً)، ثم قال: هذه البصيرة إما موهبية وهي التي دعا بها النبي (ص) لأمير المؤمنين (ع) حين أرسله إلى اليمن حيث قال: (اللهم فقهه في الدين)، أو كسبية وهي التي أشار إليها أمير المؤمنين (ع) حيث قال لولده الحسن (ع): (وتفقه يا بني في الدين) )(2)
ولكنَّه أشكل على هؤلاء الشارحين بغموض هذا البيان، ثم قال: (وقد تكرر في الحديث (الأمر بالتفقه في دين الله)، والمراد به على ما قرره بعض الشارحين: هو أنَّ سائر الأفعال التي أوجبها الله تعالى كالوضوء، والغسل، والصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر يجب على الخلق طلب العلم بها. وأما الأحكام الشرعية الوضعية كحكم الشك في عدد الركعات، وحكم من زاد على سجدة سهواً، وأحكام البيع، والميراث، والديات، والحدود، والقصاص، والاقتضائية التي هي تحريم بعض الأفعال كحرمة الغيبة، وشرب الخمر، وغير ذلك فإنَّما يجب طلب العلم عند الحاجة إليها)(3)
إذن معنى التفقه هو التبصر في الدين، والبصيرة هي: المعرفة القلبية التي تنفذ إلى الوجدان، وتصبح قوة محركة في مواجهة الشبهات، والمشاكل، والمواقف الحرجة، وتحدد الموقف السليم، يقول العلامة شمس الدين قدس سره: (من المؤكد أنَّ هذا التعبير مصطلح ثقافي إسلامي يعني: الفئة الواعية للإسلام على الوجه الصحيح، والملتزمة به في حياتها بشكل دقيق، بحيث تتخذ مواقف مبدئية من المشكلات التي تواجهها في الحياة والمجتمع، ولا تقف على الحياد أمام هذه المشكلات وإنما تعبر عن التزامها النظري بالممارسة اليومية للنضال ضد الانحرافات)(4)
وقال الفيض الكاشاني: (والتفقه في الدين عبارة عن تحصيل البصيرة في المسائل الدينية علميةً كانت أو عمليةً، باطنيةً أو ظاهريةً، متعلقةً بالعبادات أو المعاملات، فرضاً معرفتها أو العمل بها، أو سنةً أو أدباً)(5)
وقد لخص الشهيد الثاني قدس سره معنى الفقه عن الله تعالى، فقال: (وليعلم من ذلك أيضاً أنَّ مجرد تعلم هذه المسائل المدونة ليس هو الفقه عند الله تعالى، وإنما الفقه عن الله تعالى بإدراك جلاله وعظمته، وهو العلم الذي يورث الخوف، والهيبة، والخشوع، ويحمل على التقوى، ومعرفة الصفات المخوفة فيجتنبها، والمحمودة فيرتكبها، ويستشعر الخوف، ويستثير الحزن، كما نبه الله تعالى عليه في كتابه بقوله: ((فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم)) )(6)
وهكذا يتضح أنَّ التفقه في الدين طريق الوصول إلى الكمال الإنساني كما ورد في الحديث الشريف عن أبي جعفر (ع) أنَّه قال: (الكمال كل الكمال التفقه في الدين، والصبر على النائبة، وتقدير المعيشة)(7)
ويؤكد العلماء أنَّ التفقه هذا يعني التبصر لا يحصل إلا بعناية إلهية خاصة كما ورد في الحديث الشريف: (إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين)(8)
وفي نص آخر: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)(9)
ومن هنا جاء الحث المتواصل على وجوب التفقه في الدين في روايات أهل البيت (ع) حد الاستفاضة، نذكر منها:
عن أبي عبد الله (ع) يقول: (تفقهوا في الدين، فإنَّه من لم يتفقه منكم في الدين فهو أعرابي، إنَّ الله يقول [في كتابه]: ((ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)) )
وعنه (ع): (عليكم بالتفقه في دين الله، ولا تكونوا أعراباً، فإنَّه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة، ولم يزكِّ له عملاً)
وعنه (ع): (لوددت أنَّ أصحابي ضربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا)
وسأله (ع) رجل: (جعلت فداك، رجل عرف هذا الأمر، لزم بيته، ولم يتعرف إلى أحد من إخوانه؟) ، فقال (ع): (كيف يتفقه هذا في دينه!؟)(10)
والسر في هذا التأكيد على التفقه في الدين أنَّ التفقه هو وسيلة الكمال النفسي والعقلي، فهو (مسلك العبودية، وأساس تنظيم شؤون الحياة الإنسانية في جميع أبعادها الفردية والاجتماعية، بل ما دام يتعاقب الجديدان تشتد عليه حاجة الإنسان بما هو إنسان)(11)

الهوامش:
(1) سورة التوبة: 122 .
(2) الشيخ الطريحي، مجمع البحرين: 6/356 .
(3) المصدر نفسه.
(4) الشيخ محمد مهدي شمس الدين، أنصار الحسين (ع) : 186، الهامش.
(5) الفيض الكاشاني، الحق المبين: 2 .
(6) الشهيد الثاني، منية المريد: 157 .
(7) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 1/32 .
(8) المصدر نفسه .
(9) الشهيد الثاني، منية المريد: 99 .
(10) ينظر الأصول من الكافي لثقة الإسلام الكليني: 1/31 .
(11) الشيخ مرتضى الحائري، الخلل في الصلاة وأحكامها: 3 .

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com