موقع الصراط ... الموضوع : الاتجاه التربوي في القرآن الكريم
 
الخميس - 7 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الاتجاه التربوي في القرآن الكريم  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 11 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  بقلم: آية الله العلامة السيد محمد حسين فضل الله
fazolollah للقرآن -في المفهوم الإسلامي- الدور الأساس الذي يمثل قاعدة المعرفة فهو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والنور الذي يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور وفي ضوء ذلك لابد لنا من أن نقرأه ونتدبره ونستغرق في فهم معانيه ونستنطقه في كل قضايانا، على مستوى حركة المفاهيم القلقة التي تبحث عن الاستقرار الفكري أو حركة المشاكل الباحثة عن الحل العلمي الواقعي لأنه يؤكد الخطوط العامة للنظرية ويحرك الخطوط التفصيلية للتطبيق ويوحي للإنسان بالحكمة التي تحوّله إلى وعي الحياة في كل مواقعها ومجالاتها ويحقق للفكرة الكثير من الوضوح في المبدأ والتفاصيل.
وإذا كان للقرآن هذا الدور في حركة الإنسان المؤمن الرسالي فقد يفرض علينا أن نعمل على صياغة ذهنيته على الطريقة القرآنية في الصورة التي تتمثل فيها ملامح الفكر والمنهج والشريعة والحركة بحيث يتحول إلى حالة قرآنية متجسدة على هدى الصورة التي رسمتها بعض زوجات النبي «ص» للرسول الأعظم محمد «ص» عندما قالت: «كان خلقه القرآن» وفي بعض الكلمات المأثورة «انّه القرآن الناطق» لان القرآن امتد إلى عقله وقلبه وإحساسه وحركته الفاعلة في الحياة، فلا تستطيع الفصل بين المضمون القرآني في الفكرة وبين السلوك النبوي في المعنى والحركة. الأمر الذي يجعل للتربية الإسلامية أثرها الكبير في التخطيط الدقيق للشخصية الإسلامية في مضمونها الفكري والعاطفي والعملي في التوازن المنفتح على الدراسة المقارنة بين المفاهيم المتعددة، حتى لا يطغي أحدها على حساب الآخر، فيهمله ويحوله إلى مفهوم ضائع في الفراغ. مثلاً، قد نواجه مفهوم الزهد في القرآن في مضمونه النفسي والحركي وعلاقته بالتخطيط المتوازن للنظام الكوني في الحياة وفي الإنسان.. وذلك في قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلاّ في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلاً تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) «الحديد 22 - 23».
فنحن نلاحظ أن الزهد المعبر عنه بترك الحزن على ما فات والفرح بما هو حاصل، كحالة وجدانية داخلية، ترفض السقوط أمام الخسارة والطغيان أمام الربح، قد انطلق من وعي النظام الكوني الذي يخضع له الإنسان في علاقة المسببات بأسبابها مما يجعل السلب خاضعاً لفقد الأسباب والإيجاب تابعاً لوجودها، ليكون الموقف طبيعياً في هذا الجانب أو ذاك.
ونقارن ذلك بالآية الكريمة (قل من حرّم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) «الاعراف 32».
فنلاحظ أن الآية تدعو الإنسان إلى النظرة الإيجابية لحاجاته الطبيعية في الانفتاح على زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق ليمارسه بشكل متوازن على أساس إنها هبة من الله للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة من دون حساب.
فلا نرى هناك تنافراً بينها وبين الآية الأخرى، لان الممارسة الطبيعية للزينة وللطيبات لا يترك تأثيره السلبي على الزهد في مضمونه الأخير بالابتعاد عن التعلق بالأشياء بالدرجة التي لا تستطيع الانفكاك عنها فلا يدفع فقدانها إلى الحزن ولا يبعث للحصول عليها على الفرح الكبير وبذلك يمكن للإنسان المنفتح على الحياة كلها في خلالها أن يكون الإنسان الزاهد فيها بشكل متوازن.
وإذا استقرأنا بعض الآيات الأخرى فإننا نرى فيها عملية مقارنة بين الدنيا والآخرة كقوله تعالى: (فمن الناس من يقول ربّنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا) «البقرة 200 - 202».
فهناك الفريق الذي يستغرق في الدنيا بكل فكره وشعوره حتى انّه يغفل عن الآخرة في حالة العبادة لتكون الدنيا حاجته الوحيدة التي يطلبها من ربه في دعائه له عند المشعر الحرام. وهذا هو الإنسان البعيد عن رحمة الله في الآخرة لأنه لا يفكر فيها في العمق، ولا يستعد لها في الممارسة، ولا يؤكدها في العلاقات، وهناك الفريق الآخر الذي يقف في خط التوازن بين الدنيا في حاجاتها وبين الآخرة في حاجاتها، ويضيف إلى ذلك الرغبة في الوقاية من عذاب النار، وهذا الإنسان هو الذي يمنحه الله نصيبه من خلال كسبه في الدارين معاً، على أساس النتائج التي يحصل عليها مما ترتبط فيها النتائج بالمقدمات المتمثلة بالإرادة الصحيحة القوية في الاتجاه السليم.
وكقوله تعالى في قصة قارون في حديث قومه معه: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إنّ الله لا يحبّ المفسدين) «القصص 77».
ففي هذه الآية حديث عن الآخرة -في مضمونها المنفتح على رضوان الله- لتكون هدفاً فيما آتاه الله في الدنيا من المال ونحوه، من دون إغفال الحاجات الضرورية أو الطبيعية أو المهمات المادية في حياته الدنيا باعتباره كياناً جسدياً، ووجوداً إنسانياً مسؤولاً عن حركته في الواقع الذي يعيش فيه ربما كانت كلمة -نصيبه من الدنيا- تتناول كل الأوضاع المحيطة به في أموره المتصلة بوجوده الإنساني، كما يطل عنوان الدار الآخرة على تفاصيلها ليتداخل مع المفردات الحركية للإنسان باعتبار أن ذلك يعني القيم الروحية الإنسانية المتحركة في كل نصيبه في الدنيا، لان الإنسان يتكامل في العناصر الحية لأقواله وأفعاله وعلاقاته ومواقعه ومواقفه، فلا فصل بين هذا وذاك في الممارسات العملية.. ثم تضع الآية الخط العريض للعنوان الكبير للنشاط الإنساني في الإحسان إلى الناس والى الحياة، من خلال معنى الإحسان الإلهي الذي يفرض على الإنسان مسؤولية تحريكه في الإحسان إلى الناس، لان الله لا يمنح العطاء الإحساني للناس ليقتصروا به على حياتهم الذاتية، بل ليقدموه إلى الناس الآخرين، باعتبار أن الله يرزق عباده من خلال عباده على أساس الارتباط في الوجود الإنساني بين مفرداته، وهكذا يبتعد عن خط الفساد في الأرض الذي يعطل الأهداف الكبرى في الحياة بما يسيء إلى النظام العام للإنسان وللحياة.
وفي ضوء ذلك كله، نفهم أن القرآن الكريم يخطط لبناء الذهنية الإسلامية للإنسان المسلم على أساس التنوّع في اهتماماته ونشاطاته من خلال التنوع في مواقعه، فإذا كانت هناك دنيا وآخرة، فلابد للدنيا من شروط للامتداد، ولابدّ للآخرة من شروط التوازن مما يفرض الكثير من المفاهيم المتحركة والأحكام المتنوعة والعلاقات المنفتحة، وهذا هو الذي يساعد على بناء الشخصية الإسلامية المتوازنة التي تتحرك في الحياة بشكل طبيعي بحيث تنطلق اهتماماتها الفكرية وأساليبها الحركية في خط الخلافة الإنسانية الكونية على الأرض، فلا مجال للانعزاليين الذين لا يمارسون آية مسؤولية متحركة في الحياة العامة ولا مجال للمنفتحين على الحياة اللاهية العابثة بعيداً عن المسؤوليات الجادة في الواقع الإنساني.
وفي هدى هذا الجو نستطيع اكتشاف الشخصية الإسلامية في حركة الواقع السياسي على أساس الذهنية الملتزمة بالمبادئ العامة المتصلة بالواقع الإنساني كله، وذلك من خلال مفهوم العدل الشامل للواقع الفردي والجماعي باعتبار انّه لا ينفصل عن الحركية السياسية في مستوى الفصل أو رد الفعل، في أسلوب اللين أو أسلوب العنف في قضايا الحكم والحاكم والقانون والحركة والإدارة، مما يختزنه الواقع من مفردات متنوعة على صعيد الواقع المنفتح على قضايا التغيير في خط الممارسة الذاتية والعلاقات العامة وهذا هو ما نستوحيه من الآية الكريمة في قوله تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط) «الحديد 25».
فقد جعلت القيام بالقسط -وهو العدل الشامل- هدفاً حيوياً للرسل في حركة الرسالات في الخطوط الفكرية القائمة على إدارة الصراع الفكري الإنساني على أساس البينات المرتكزة على النظرة الموضوعية للخلاف الفكري أو في الخطوط العملية الواقعية في انفتاح الكتاب على مفاهيم الإنسان والحياة والكون من جهة وعلى حركة التطبيق في الحركية الواقعية في دائرة التطبيق وهذا هو الذي يحتوي في داخله مفاهيم الصورة والتغيير والحركة في مواجهة الأمر الواقع الضاغط على الحياة لمصلحة الاتجاه المنحرف من أجل الوصول إلى الأهداف العليا على خط المستقبل الجديد الذي ينفتح على الرسالات.
وقد حاولت التربية الإسلامية أن تؤكد على بناء الشخصية الإسلامية العادلة في علاقة الإنسان بالله وبنفسه وبالحياة وبالناس، فلا تكون المسألة السلوكية لديه مسألة ذاتية منطلقة من حاجة المزاج للتنفيس عن نزواته الذاتية، فيما تريد وفيما لا تريد، بل تكون مسألة موضوعية منهجية في نطاق العقيدة والشريعة والمنهج والخط الفكري المستقيم في خط العمل فلا مجال لأي تحرك إلاّ من خلال الحكم الشرعي الذي يخطط للإنسان حركته في عباداته ومعاملاته في حياته الفردية والاجتماعية لان لله في كل واقعة حكماً شرعياً، مما لا يترك مجالاً لأي انفعال ذاتي، أو لأية عقدة نفسية، بحيث يوحي للإنسان بحريته الحركية الخاصة والعامة، وهذا هو الذي يثيره القرآن الكريم في التأكيد على خطين، خط الشريعة الإلهية المتكفلة بالضوابط الفكرية والسلوكية في الجانب الفكري والعملي للإنسان وخط الأهواء الضائعة في أجواء النزوات الذاتية والانفعالات النفسية التي يختلف فيها الإنسان في وعيه وحركته بين حالة وأخرى، وينطلق التوجيه القرآني في الالتزام بخط الشريعة التي تنظم للإنسان كل حياته لينسجم مع النظام الكوني المحيط به، وهذا هو قوله تعالى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) «الجاثية 18».
وفي صلابة الالتزام بالخط جاء قوله تعالى: (فلا وربكّ لا يؤمنون حتّى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) «النساء 65».
وقوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) وهكذا نجذ ان الشخصية المؤمنة تعني الشخصية الملتزمة بالإسلام عقيدة وشريعة، فلا قيمة للإيمان بدون الالتزام والخضوع لحكم الله في كل القضايا التفصيلية المتعلقة بحياة الإنسان المؤمن.
وهذا هو الذي يجعل من هذا الإنسان الثابت على الخط السياسي المستقيم المنسجم مع النهج الإسلامي في الحرية والعدالة، بالرغم من كل الانفعالات النفسية السلبية، أو الصعوبات الواقعية، أو السلبيات العملية المترتبة عليه الأمر الذي يجعله أميناً على الناس من حوله فيما يتحمله من المسؤولية عن قضايا الحياة المتصلة بحياته، فلا تأخذه في الله لومة لائم من الداخل أو الخارج، ولا تهزه الهزاهز من الضغوط الضاغطة على المواقف، ولا تنحرف به المتغيرات السياسية عن الخط مهما كانت طبيعتها في موازين القوى، إلاّ في الحالات التي تمنحه فيها الشريعة تعديل بعض المواقف على أساس المستجدات المعقدة التي قد تقضي على الموقع كله كما في حالات التقية التي تسمح للإنسان الانحناء للعاصفة ريثما تمرّ، لئلا تقصف الموقف كله وذلك في ضمن الضوابط الشرعية التي تتلخص في الابتعاد عما يفسد الدين وينحرف بالواقع انحرافاً كبيراً، فلا يأخذ الإنسان بالرخصة بحرية مطلقة بل يبقى مراقباً لله في كل أوضاعه وذلك هو قوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلاّ أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والى الله المصير) «آل عمران 28».
وفي ضوء ذلك لابد لحركة التقية عند توفر شروطها أن تكون منسجمة مع العناصر الحية لسلامة الموقف واستقامة الخط، بحيث لا يسيء للهدف الكبير ولا يسقط روحية العاملين ولا يحولهم إلى هامش من هوامش الواقع المنحرف، بل يبقى الرفض لكل أوضاعه حياً في التصور وفي الإحساس والموقف عند زوال الحالة الطارئة، ولعل من الطبيعي أن المسألة خاضعة للدراسة الدقيقة الواقعية من قبل أهل الخبرة الذين يحددون الموقف على أساس تحديد الظروف المحيطة بالوضع الذي يعيشه الناس في هذه المرحلة أو تلك للتعرف على طبيعة الخط الشرعي الذي ينبغي لهم أن يسيروا عليه.
وقد لا يكون العدل الذي يريد الإسلام للناس أن يلتزموا وان يكون موضع اهتماماتهم هو العدل بين المسلمين، بل هو العدل الشامل الذي يشمل الجميع حتى الكافرين لان الله لا يريد للظلم أن ينال أحدا باعتبار أن الكفر لا يمنع من وجود حق للكافر في النظام الاجتماعي الذي يكفل لكل أفراده العدل في الحكم على أساس الشريعة العادلة التي تعطي لكل ذي حق حقه وهذا هو ما نستوحيه من الآية الكريمة في قوله تعالى: (ولا يجرمنكم شنأن قوم على أن لا تعدلوا * اعدلوا هو أقرب للتقوى) «المائدة 8».
وفي ضوء ذلك لابد من التحرك الإسلامي في العالم كله على أساس مواجهة الظلم كله بالموقف القوي المتحدي لمصلحة المستضعفين المظلومين، أياً كان انتماؤهم المذهبي أو الديني، انطلاقاً من رسالة العدل الشامل التي يتحمل المسلمون تأكيدها في الحياة من جهة، ومن الارتباط العضوي بين مواقع العدل والظلم في الواقع الإنساني، لان أي موقع للظلم يحقق القوة للموقع الآخر له كما أن أي موقع للعدل يمنح الثبات للموقع الآخر منه، وهذا هو الذي يحدد للمسلمين التحالفات السياسية مع القوى الأخرى التي تختلف معهم في الدين والانتماء الفكري أو السياسي، في مجالات الصراع بين المستكبرين والمستضعفين لنكون مع المستضعفين في قضاياهم العادلة ضد المستكبرين في سلوكهم الظالم، فما قد يفرض علينا -في بعض الحالات- أن نقف ضد بعض المسلمين الذين يفرضون الظلم على شعوبهم أو شعوب إسلامية مع غير المسلمين أو غير إسلامية أخرى لإسقاط الحكم الظالم أو القوة الظالمة، وذلك بالتعاون مع غير المسلمين الذين نتفق معهم في هذا الهدف من دون أن يؤثر ذلك تأثيراً سلبياً على الموقف الإسلامي كله وهذا هو ما نستوحيه من قوله تعالى: (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى) «الانعام 152».
(يا أيّها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين وان يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا) «النساء 135».
فقد نلاحظ أن الآية الكريمة تؤكد على أن الخصوصيات الحميمة للأقربين لا تمنع من الموقف المضاد الذي يؤكد العدل ضدها لمصلحة الأبعدين، كما أن الفقر والغنى لا يمثل شيئاً في حسابات العدل، مما يوحي بأن الفكرة الإسلامية عن العدل تنطلق من أبعاد الحواجز النفسية والمادية عن الوقوف أمام حركته، سواء على مستوى بناء الشخصية العادلة للإنسان، أو على مستوى حركتها في صعيد الواقع، وذلك من أجل تأكيد الحيوية والشمول للعدالة الإنسانية على مستوى الكون كله، ومن هنا كانت الآية الكريمة في قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) «النمل 90».
تؤكد على اعتبار العدل كما الإحسان الخط العريض في القضايا الكبرى التي يريد للحياة أن تخضع لها في نظامها الواسع الشامل.
كما نلاحظ أن الله ينهى المؤمنين عن الركون إلى الظالمين باعتبار أن ذلك يترك تأثيره المباشر على حركة العدل مما يعرض الإنسان الذي يفعل ذلك للدخول في النار كأية معصية كبيرة من المعاصي التي يستحق عليها دخول النار.
وإذا كان العدل هو أساس الرسالة الإسلامية تماماً كما هي كذلك في الرسالات الإلهية الأخرى، فلابد من تحريك الحياة في دائرة الالتزام الإسلامي في أفعال الإنسان وأقواله وعلاقاته، كفريضة دينية مهمة من اجل تحقيق الأهداف الكبرى في الحياة فلا يمكن أن يكون حيادياً أمام الواقع الإسلامي أو منعزلاً عن حركة العدل في الصراع الدائر بين الظالمين والمظلومين في ساحة الصراع بين المستكبرين والمستضعفين، بل لابدّ من أن يأخذ دوره في كل الخطوط العامة أو في الخطوط التفصيلية كمسؤولية حيوية مهمة في الواقع الإنساني باعتباره مظهراً من مظاهر طاعة الله في سبيل الحصول على رضاه.
وفي ضوء ذلك لابدّ من دراسة المواقف السياسية في حركة الإنسان في الواقع من المفاهيم الإسلامية القرآنية حتى لا تكون خاضعة للأهواء الذاتية وللعناوين الطارئة التي تفرضها التطورات التي تحركها التيارات المنحرفة في الساحة الفكرية والسياسية لان الإنسان المسلم لا بدّ أن يفكر سياساً بالطريقة الإسلامية في المفردات التشريعية التي يرتكز عليها الخط الإسلامي الحركي في النشاط الإنساني المسلم، وهذا هو الذي ينبغي أن تنطلق فيه التربية الإسلامية في وعي الإنسان المسلم، فلا مجال للحرية الذاتية في اتخاذ المواقف بعيداً عن الخطوط الشرعية تماماً كما هو الحال في المواقف العبادية أو الأخلاقية العامة التي لا يملك الإنسان الخيار فيها أمام قضاء الله ورسوله في ذلك كله.
وقد يكون من الضروري أن ندرس مسألة الانفتاح والانغلاق، أو المقاطعة والمواصلة، وحركة العلاقة مع الكافرين والمستكبرين في الدائرة الإسلامية لهل يفرض علينا الإسلام أن نغلق عنهم ونقاطعهم، ونفرض إقامة العلاقات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية والثقافية والتربوية والأمنية معهم على أساس أن ذلك يمثل لوناً من ألوان الموادة والموالاة للذين يحادّون الله ورسوله، وهو مرفوض قرآنياً على هدى الآية الكريمة في قوله تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيديهم بروح منه يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا أن حزب الله هم المفلحون) «المجادلة 22».
أو إن هناك فرقاً بين مفهوم الموادة والموالاة وبين مفهوم الانفتاح والتواصل وإقامة العلاقات، مما يدخل في حركة التعامل الواقعي المنطلق من دراسة المصلحة الإسلامية في حاجة المسلمين إلى الكثير مما لدى هؤلاء الذين يملكون المواقع المتقدمة في القضايا الاقتصادية والسياسية والثقافية وغيرها من الشؤون المتعلقة بالحياة العامة، الأمر الذي يجعل من الانعزال مشكلة مستعصية للمسلمين في العالم، بحيث تترك تأثيراتها السلبية الكبيرة على مجمل قضاياهم العامة لأنهم لا يملكون الاكتفاء الذاتي في حاجاتهم الحيوية بل يحتاجون إلى الأخذ من غيرهم من جهة والى تصريف منتجاتهم وثرواتهم الطبيعية في أسواق الآخرين مما يؤدي إلى إقامة علاقات اقتصادية متنوعة. كما أن التعقيدات السياسية والأمنية تفرض عليهم دراسة العلاقات المتصلة بهذه الجوانب في دائرة المصلحة الإسلامية العليا التي قد تفرض بعض المعاهدات والتحالفات بين المسلمين وبعض الكافرين في مواجهة الخطر الداهم المشترك الذي قد يحتاج إلى التعاون في سبيل دفعه، وهكذا تتمثل المشكلة في المسألة العلمية والثقافية والتربوية في الحاجات المرتبطة بهذه الأمور في الواقع العلمي والثقافي والتربوي للمسلمين.
قد نلاحظ أن هناك خلطاً بين مفهوم الموادة وبين مفهوم التعامل الخارجي، فإن المفهوم الأول يرتكز على الانفتاح الروحي والفكري والعملي على واقع الكفر والكافرين بحيث تزول كل الحواجز النفسية لتتحول المسألة إلى نوع من العاطفة الإنسانية المتصلة بالجانب الشعوري المتحرك في اتجاه العلاقات الواقعية العملية، مما يتنافى مع الروحية الرافضة للكفر كله فكرياً وشعورياً بحيث ينعكس على الموقف من الكافرين روحياً.
أما المفهوم الثاني، فانه يرتبط بحركة المسلم في الواقع من خلال مصالحه العامة المتفتحة على حاجاته المتصلة بالواقع الآخر للناس الآخرين، لارتباط الواقع الاقتصادي والسياسي والعملي والأمني في مواقعه المتقدمة في الكون بحيث يصعب العزلة الخانقة التي تسيء إلى الواقع الإسلامي العام أكثر مما تسيء إلى واقع الآخرين.
وربما يكون من البديهي أن تعالج مثل هذه الأمور بطريقة مدروسة على أساس الحسابات الدقيقة للمفردات الكثيرة في نطاق التعرف على المصالح والمفاسد العامة في ذلك كله، ليكون التحديد للمواقف في دائرة العلاقات السلبية والإيجابية منطلقاً من دراسة عميقة شاملة، لان الاندفاع السلبي في موقع والإيجابي في موقع آخر قد يسيء إلى الواقع كله.
إننا نؤكد على البعد عن مواقف الانفصال والارتجال والنظرة السطحية في اتخاذ المواقف أو الحكم عليها، أولها، لان ذلك قد يلحق الهزيمة بالمعركة الدائرة بين الإسلام والكفر أو الاستكبار والاستضعاف وقد يخذل القيادات المخلصة التي قد تتخذ بعض المواقف الحكيمة في مصلحة الإسلام والمسلمين، مما لا شعبية له أو لا تفسير له في النظرة السطحية السريعة.. إننا لا ندعو إلى الابتعاد عن نقد القيادة والخط والنهج والواقع كله، ولكننا ندعو إلى الدقة في تحريك النقد ليكون الموقف خاضعاً للتقويم الموضوعي المنطلق من الوعي والإيمان بحيث تتحرك القضية في العلاقة بين القيادة والقاعدة في اتجاه التفاهم والتعاون على حماية الأوضاع الإسلامية من الاهتزاز والانحراف من اجل تركيزها على أساس ثابت.
وقد تفرض علينا المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها العالم الإسلامي الآن أن نثير المسألة اليهودية في نطاق الموقف من اليهود من جهة ومن إسرائيل من جهة أخرى، لان هناك أصواتاً كثيرة تتحدث عن ضرورة الحوار بين الأديان في العالم لا سيما الأديان الكتابية -إن صح التعبير- وهي اليهودية والنصرانية والإسلام، وذلك من اجل إيجاد قاعدة فكرية روحية للتعايش بين أتباعها، أو للوقوف على الكلمة السواء على هدى قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فان تولوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون) «آل عمران 64».
حيث نلاحظ أنها أكدت على المواقع المشتركة بين أهل الكتاب وفهم اليهود والمسلمين، مما يعني أن الإسلام يستهدف الوصول إلى الكلمة السواء معهم كما هو الحال مع النصارى.
ويحاول هؤلاء الذين يثيرون هذه المسألة الحوارية أن يصلوا إلى الواقع السياسي الذي ينفتح على الواقع اليهودي الإسرائيلي في فلسطين المتمثلة بالدولة الإسرائيلية القائمة على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه وسيادته.
ولكننا نلاحظ على ذلك هو التركيز على الفرق بين المسألتين، فهناك الجانب الفكري الذي يتصل بالحوار الإسلامي-الكتابي في الحديث عن وحدة الله في العقيدة، ووحدة الإنسانية في الممارسة وهناك الجانب السياسي المتصل بسيطرة اليهود على فلسطين من دون حق، ولابد لنا من الفصل بينهما بشكل دقيق حتى لا تضيع الملامح الحقيقية للصورة ولا نقع تحت تأثير الكلمات العامة التي تجتذب الإحساس، فنحن نؤمن بالتوراة وبموسى عليه السلام كما نؤمن بالنبيين ورسالاتهم مما يجعل علاقتنا باليهود كمتدينين في المضمون الديني لليهودية علاقة بالعنوان الكبير الذي وضعه القرآن الكريم في علاقة المسلمين بأهل الكتاب، ليكون الكتاب الذي نؤمن به كله هو القاعدة التي ينطلق منها الحوار، ويمتد ـ من خلالها ـ الدرب الطويل المشترك. وإذا كانت هناك خلافات بين الإسلام واليهودية في التفاصيل المتصلة بالعقيدة والشريعة والامتداد، فان الحوار الموضوعي الذي يطلق فيها القرآن التحدي لقوله (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) لتكون الكلمة للحجة لا للسباب وللكلمات غير المسؤولة. أما اليهود كشعب يتحرك بعقلية عنصرية وعلى أساس إنهم أولياء الله وأحباؤه وإنهم «الأولياء لله من دون الناس» و«شعب الله المختار» مما جعلهم يتحولون إلى قومية منغلقة على نفسها بعيدة عن المعنى الإنساني، فهم يرون انّه (ليس عليهم في الأميين سبيل) فيستجيبون لأنفسهم أن يفعلوا ما يشاءون بغير اليهود مهما كانت درجة الوحشية في ذلك.
أما هؤلاء في حركتهم القائمة على العصبية، المتمثلة بالصهيونية التي أقامت دولة إسرائيل في فلسطين على أساس تشريد الشعب الفلسطيني من أرضه، أما هؤلاء الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقتلون النبيين بغير حق، ويسعون في الأرض فساداً ويكيدون لله ورسوله، أما هؤلاء فهم اشد الناس عداوة للذين آمنوا.. حتى انهم كانوا يقولون عن المشركين في مقارنتهم بالمؤمنين (هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً) «النساء 51» في الوقت الذي لا يلتقون فيه مع المشركين -من خلال دينهم التوحيدي- بشيء إلاّ الحقد على الإسلام والمسلمين.
ولذلك فإن المسألة بيننا وبين اليهود الذين يتبنون دولة إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني، هي مسألة العدوان علينا واغتصاب أرضنا وتهديد أمننا واقتصادنا ومقدراتنا الحيوية مما يجعل القضية تتصل بالطبيعة العدوانية التي يختزنونها في داخل كيانهم القومي، ولا ترتبط بالمسألة الدينية وهذا ما أوحى به الله في قوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن إلاّ الذين ظلموا منهم) «العنكبوت 46»، فاعتبروا الظالمين منهم بعيدين عن الحوار، لان الموقف الذي يفرضه ذلك هو رد العدوان والتمرد على الظلم.
وهذا هو الذي يجعل الموقف من إسرائيل، ومن كل الذين يدعمونها في ظلمها، حاسماً بالرفض لشرعية وجود الدولة، ولكل النتائج المترتبة عليها، لان الحرام لا يمكن أن يكون حلالاً ولان الظلم لا يمكن أن يكون عدلاً، وهذا هو الذي يجعلنا نرى في مؤتمر السلام، مؤتمراً يقوم على إعطاء الشرعية للعدوان بالاعتراف به في أكثر من مواقعه، وإفساح المجال للتفاوض في المقدار الأقل، وقد لا يؤدي ذلك إلى نتيجة انّه الموقف الإسلامي الذي لا يمكن أن يتغير أو يتبدل ما دامت القاعدة الشرعية التي تفرضه، من القواعد الثابتة على مستوى المفاهيم والأحكام الإسلامية.
هذا هو بعض الحديث عن الاتجاه الإسلامي التربوي في بناء الشخصية الإنسانية الإسلامية على أساس المفاهيم القرآنية، بحيث يتحول كل مسلم أو مسلمة إلى حالة تجسيدية للمضمون الفكري والروحي والعملي المتمثل في آيات القرآن الكريم، وذلك من خلال التدبر فيها والانفتاح على مفاهيمها والعمل على تحويل كل مفرداتها وإيحاءاتها إلى حالة ذاتية في عمق الشخصية الإسلامية.

المصدر: موقع دانشنامه موضوعي قرآن
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com