موقع الصراط ... الموضوع : معالم دور المرأة في التصور الإسلامي-5
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  معالم دور المرأة في التصور الإسلامي-5  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 13 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  الكاتب: عبد الرحمن العلوي
الأُسرة والأُمومة:
الأُسرة من المنظار الإسلامي الخلية الأُولى والأهم في البناء الاجتماعي، والأساس الذي يصلح بصلاحه المجتمع ويفسد بفساده.. فهي أول مدرسة يضع الطفل فيها أقدامه، مدرسة الأمن والهدوء والقيم.. المدرسة التي ينمو فيها جسم الطفل وروحه أيضاً.. تلك الروح التي تحتاج في نموها إلى جو الأسرة.. ويعجز أي جو آخر عن توفير فرصة نمو سالم صحيح للطفل.. فالأُسرة أول محيط تنمو فيه قابلياته واستعداده، وتتبلور فيه كفاءاته وإبداعاته.
الأسرة إذا كانت صالحة وسليمة عكست صلاحها وسلامتها على أفرادها، ووفرت لهم المحيط المناسب لترعرع السجايا الخلقية الفاضلة والخصال الحميدة، وخلقت منهم رجالاً للغد، قادرين على العطاء وأداء الدور الإنساني على أحسن وجه.
ولا ننس دور الأم في الأسرة، فهي نواة الأسرة، والعنصر الذي يتحكم في صلاح الأسرة وفسادها.. فلو فسدت الأم فسدت الأسرة ولو صلحت صلحت الأسرة أيضاً. وهنا يتجلى دور المرأة كأم.. ذلك الدور المشرف الرائد الذي يعتمد عليه صلاح المجتمع والإنسانيّة بأسرها. ولهذا حظيت الأم في الإسلام بمكانة رفيعة جداً ومنزلة عظيمة لا ترقى إليها منزلة (وحظيت الأم بالاهتمام على اعتبار الدور الذي تؤدّيه في الأسرة والمتمثّل في إعداد الأطفال وتربيته. والأم بدون أداء واجبات الأم لا يمكن أن تستحق أي اهتمام بل وتؤاخذ على تقصيرها في وظيفتها التربوية)(1).
وليس الدور التربوي الذي تؤدّيه الأم بالشيء السهل أو بالأمر العادي، بل في غاية الصعوبة. والأم بحاجة إلى كيان الأسرة أولاً، وإلى الأخلاق الحسنة والسلوك القويم، والعاطفة والحنان، فضلاً عن الوقت الكافي كي تتمكن من أداء هذا الدور على أحسن وجه وأجمل صورة.. لهذا لا يمكن لأي جهة أخرى - مهما تفرغت - أن تقوم بمهمة الأم، لأن الأم معدة إعداداً خاصاً جسمياً ونفسياً لهذه المهمة، وتمتلك من المواهب الطبيعية والإمكانات الذاتية القادرة على بناء الإنسان وتخريجه إنساناً نافعاً لمجتمعه. بل تعجز حتى الأم أحياناً عن أداء تلك المهمة عندما لا تكون بمستوى تحمل المسؤولية ولا تتفاعل مع هذا الدور تفاعلاً حقيقياً. (وتشير الدراسات والمطالعات بين النوابغ والعلماء والمفكرين في العالم أن هؤلاء إنما وصلوا إلى ما وصلوا إليه بفضل التربية الصحيحة والجهود المثابرة التي بذلتها أمهاتهم)(2).
ومن هنا تتجلى قيمة الأسرة وقيمة الأم باعتبارها مركز الحركة في الأسرة (في هذا الجو الذي تتيحه للطفل في الارتواء العاطفي الذي يوحي له بالمحبة والحنان ويجعله موضع الاهتمام والرعاية المباشرة من الأبوين مما لا تتيحه له المحاضن الكبيرة التي تتحول الحاضنات فيها إلى موظفات يمارس المهمة بعقلية المهنة، لا بروحية الرسالة مما يفسح المجال للمزيد من الجفاف الرومي والإهمال التربوي)(3)
وما من شك أن دور الأسرة ودور الأم فيها أمر لا يمكن في يوم من الأيام أن يضمحل أو تقل أهميته طالما أن المجتمع بحاجة إلى أفراد صلحاء وإلى أناس سالمين.. ولا يمكن أن يتوفر مثل هؤلاء الأفراد إلاّ وفي أحضان الأم.. الأم الصالحة.
لكننا وللأسف نشاهد في الغرب بشكل خاص هشاشة هذا النظام المقدس وعدم والالتزام به، ذلك الالتزام الذي يحفظ له استقلاليته وشرعيته وكرامته.. بل ونشاهد حالات تمرد عنيف عليه.. ونسمع الصيحات هنا وهناك المطالبة بإلغائه نهائياً ودفنه إلى الأبد لأنه من وجهة نظر هؤلاء لم تعد هناك حاجة ماسة إليه، بل يراه البعض سبباً من أسباب تخلف المرأة وعاملاً يحول دون تمتعها بحريتها إلى أقصى ما يمكن! (ويحاول هؤلاء أن يضعوا البديل لنظام الأسرة في المحاضن الكبيرة التي تحول الأعداد الكبيرة من الأطفال إلى أسرة كبيرة واحدة تشرف عليها مربيات متخصصات بأحدث وسائل التربية والرعاية، حيث تتوفر لهم الحياة الجماعية الواسعة، والتربية الموحدة في الوقت الذي تتوفر للآباء والأمهات الحرية الكاملة في ممارسة حياتهم على حسب ما يشتهون، وتفجير طاقاتهم المتنوعة كما يريدون بعيداً عن ضغوط المسؤوليات المترتبة على الأبوة، والأمومة من خلال نظام الأسرة... قد يضيف بعضهم إلى ذلك إننا لا نحتاج إلى إعطاء العلاقات الجنسية صفة الشرعية في إطار الزواج، لأن مهمة الزواج هي المحافظة على النوع البشري إلى جانب الاستجابة للحاجة الغريزية، ونحن لا نشعر بالضرورة إلى إخضاع ذلك للقوانين التي تجعل للعلاقة حدودها الشرعية القانونية... وقد يطرح بعضهم موضوع (أنابيب الاختبار) كموضوع يلغي متاعب الحمل والولادة ويجعل قضية امتداد البشرية في الوجود خاضعة للمزارع المستقبلية للإنسان تماماً كمزارع الدجاج وغيره. ولكن هذا التفكير لا يعطي لعلاقة الرجل والمرأة أي بعد روحي، بل يعتبرها قضية مادية ككل القضايا المادية الجامدة الجافة الخاضعة لنظام الآلات والأرقام... إننا نشاهد الإنسان وهو يعيش الجفاف والقسوة ويتحول إلى إنسان جائع، لا للمال، ولا للشهوات بل للحنان والعاطفة... ولهذا فإننا نعيش الآن في زمن الأطفال الكبار الذين يبحثون في طفولتهم الجديدة عن الروح التي تجعل من طفولتهم شيئاً حياً يبني لهم روحهم كما يبني لهم ماديتهم)(4).
وطبيعي أن هشاشة صرح الأسرة في الغرب وتعالي دعوات الانتفاض عليه بهذه الذريعة أو تلك، إنما هو ناجم في الحقيقة عن مردود الفعل التي حدثت - كما اشرنا - تجاه العادات والقوانين الجائرة بحق المرأة التي كانت سائدة في أوربا في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. كما أن أولئك الذين فكروا في إلغاء تلك الحالة المتعسفة كانوا على نمطين: نمط حاول انتهاز ذلك الوضع المأساوي لجر المرأة إلى منحدر يصب آخر المطاف في مجرى مصالحه الخاصة، وآخر اخطأ في تقديراته فسلك سلوكاً خاطئاً آخر ظناً منه انّه سينتشلها به من هوة السقوط، فكان أن نجم عن سلوك هذين تمرد المرأة على الرجل وبالتالي على الأسرة ووقوع الأطفال وبالتالي المجتمع ضحية ذلك التمرد القائم على رؤية مشوهة وتقديرات خاطئة.
غير أن الخطوة التي خطاها الإسلام على طريق حقوق المرأة تختلف اختلافاً أساسياً عما تم في الغرب (ففي عين الوقت الذي فتح الإسلام عين المرأة على حقوقها ومنحها الشخصية والحرية والاستقلال، إلاّ انّه لم يدعُها إلى التمرد على الرجل، ولم يحرضها على عصيانه، ولم يخلق لديها نظرة تشاؤمية حياله. فحركة المرأة المسلمة حركة بيضاء ـ لا سوداء ولا حمراء، لا زرقاء ولا بنفسجية ـ أكدت على احترام المرأة للأب والزوج وعلى حفظ الصرح الأسري»(5). طبعاً في مقابل احترام الرجل للمرأة والاعتراف بحقوقها كاملة غير منقوصة.
إن هشاشة كيان الأسرة وانهياره هنا وهناك قد ألقى بالبشرية على أعتاب فاجعة إنسانية واجتماعية رهيبة. وهذا ما أكد عليه العديد من الخبراء والمتخصصين في علمي النفس والاجتماع وحذروا من مغبة الاستمرار في النهج الرامي إلى تهميش الأسـرة وتقويضها لما ينتظر الإنسانية جراء ذلك من أخطار مرعبـة(6).
فتظهر الأرقام في الدول الغربية عن عدم وجود رغبة لدى الشباب بالزواج وتزايد نسبة غير المتزوجين بشكل مفزع. وقد درس علماء الاجتماع هذه الظاهرة فوجدوا أن الجزء الأعظم منها يعود إلى انهيار نظام الأسرة وما تلاه من تحلل وتفسخ وزنى وفجور يمارس تحت ستار الحرية. وقد انتشرت الجرائم بشكل عنيف ومروع بين الأطفال والصبية ـ فضلاً عن الكبار، (وقد أظهرت أرقام محاكم الأطفال أن 80% من سباب انحراف الأطفال ولجوئهم إلى السرقة والفساد يعود إلى عدم اهتمام الآباء بالأطفال والى مشاكل تتعلق بكيان الأسرة والأم»(7)
الهوامش:
(1) حقوق الأسرة في الإسلام، حسين الحقاني، ص255.
(2) نفس المصدر، ص255.
(3) على طريق الأسرة المسلمة، ص13.
(4) نفس المصدر، ص14 ـ 16.
(5) نظام حقوق المرأة، ص70.
(6) حقوق الأسرة في الإسلام، ص15.
(7) نفس المصدر، ص18.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com