موقع الصراط ... الموضوع : الأصول الأخلاقية في التعامل الاجتماعي
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الأصول الأخلاقية في التعامل الاجتماعي  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 13 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
الشيخ جميل الربيعي ((خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين * وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم * إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون * وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون)) (الأعراف: 199-202)
تجمع هذه الآيات الكريمة أهم الأصول الأخلاقية في التعامل الاجتماعي بمختلف اتجاهاته، ولا سيما في أسلوب الدعوة إلى الله، وما يكتنف الداعية من تحديات عسيرة في كدحه إلى الله لهداية خلقه، وتعبيدهم لله تعالى، فنرى ثلاثة أوامر متوالية جاءت بصيغة الوجوب: خذْ، أْمُرْ، أعرضْ، ولا سبيل للتهاون فيها، أو التوقف عندها , بل أخذ, وقبول، وعطاء، وبذل جهد حكيم، وإعراض، وتجاهل، وتنزه؛ليتحقق الالتزام بقوة, والتمسك بوعي والتنفيذ بحكمة واختيار ؛ ولذا قيل: (هذه الآية من ثلاث كلمات، تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات. فقوله: ((خذ العفو)) دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين، ودخل في قوله: ((وأمر بالعرف)) صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار، وفي قوله: ((وأعرض عن الجاهلين)) الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء)(1)
ثم يستشهد القرطبي لشمولية هذه الآية وجامعيتها برواية عن الإمام الصادق (ع) بقوله: (أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق في هذه الآية، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية)(2)
أما معنى العفو: (قد يأتي بمعنى الزيادة في الشيء أحياناً، كما قد يأتي بمعنى الحد الوسط، كما يأتي بمعنى قبول العذر، والصفح عن المخطئين والمسيئين، وتأتي أحياناً بمعنى استسهال الأمور)(3)
والعفو في هذه الآية الكريمة يعني الاستسهال في التعاطي الأخلاقي مع من يوجه إليهم الداعية خطابه؛ ليجذبهم إلى الإسلام. أي على داعية الإسلام أن يكون مرن التعامل يرضى من الناس بالقليل اليسير من قبولهم ليُمَرْحِل هدايتهم، فلا يطلب منهم ما يرهقهم، وما يصعب عليهم في تحمله؛ لئلا ينفروا من الإسلام، والمعنى الجامع لذلك في قوله تعالى: ((فبما رحمةٍ من الله لنتَ لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين))(4)
وهكذا الآية الكريمة تجمع كل أصول ومكارم الأخلاق، وإلى ذلك أشارت الروايات الشريفة عن أهل بيت العصمة والطهارة، فقد روي: (إنَّ جبريل نزل على النبي (ص)، فقال له النبي (ص): ما هذا يا جبريل؟ فقال: لا أدري حتى أسأل العالم، في رواية: لا أدري حتى أسأل ربي، فذهب، فمكث ساعة، ثم رجع، فقال: إنَّ الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك, وتصل من قطعك)، فنظمه بعض الشعراء، فقال:
مكارم الأخلاق في ثلاثة * من كملت فيه فذاك الفتى
إعطاء من تحرمه ووصل من * تقطعه والعفو عمن اعتدى
وقال شاعر آخر:
كل الأمور تزول عنك وتنقضي * إلا الثناء فإنَّه لك باقي
ولو أنني خيرت كل فضيلة * ما اخترت غير مكارم الأخلاق(5)
وعلى كل حال، فالآية الكريمة بيان لأسلوب التعامل الأفضل مع المدعوين في الإسلام لقبوله، وحمله، والعمل به، وهذا أصل أخلاقي دعوي يخطط لكسب القلب؛ لتغيير العقول، عن جابر بن سليم أبو جري: (ركبت قعودي، ثم أتيت إلى مكة، فطلبت رسول الله (ص)، فأنخت قعودي بباب المسجد، فدلوني على رسول الله (ص)، فإذا هو جالس على برد من صوف فيه طرائق حمر، فقلت: السلام عليك يا رسول الله, فقال: وعليك السلام، فقلت: إنَّا معشر أهل البادية، قوم فينا الجفاء، فعلمني كلمات ينفعني الله بها. قال: ادنُ، ثلاثاً، فدنوت، فقال: أعد عليَّ، فأعدت عليه، فقال: اتقِّ الله، ولا تحقرنَّ من المعروف شيئاً، وأن تلقى أخاك بوجه منبسط، وأن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وإن امرؤ سبك بما لا يعلم منك فلا تسبه بما تعلم فيه، فإنَّ الله جاعل لك أجراً، وعليه وزراً، ولا تسبنَّ شيئاً مما خولك الله تعالى، قال أبو جري: فوالذي نفسي بيده، ما سببت بعده شاةً ولا بعيراً)(6)
ثم جاء الأمر الثاني: ((وأمر بالعرف)) العرف لغة: (ضد النكر، ومثله المعروف والعارفة: وهو كل خصلة حميدة تعرف صوابها العقول، وتطمئن إليها النفوس)(7)
وفي الاصطلاح: العرف: (هو كل ما حسن في العقل فعله، أو في الشرع، ولم يكن منكراً، ولا قبيحاً عند العقلاء)(8)
ثم تشير الآية الكريمة إلى الأصل الثالث ((وأعرض عن الجاهلين)) والجاهلين هنا هم الذين ضعف إدراكهم، وصعب تقبلهم، وتعالى تعنتهم، وتحديهم لمن يدعوهم إلى الهدى والحق، فهؤلاء لا ينبغي للدعاة أن يدخلوا معهم في نقاش وبحث؛ لأنَّهم جاهلون لا يدركون قيم الأشياء، والأشخاص، والكلمات، فيما يبدو منهم من أنواع السفاهة، والإيذاء، والبحث، والأخذ، والرد على هؤلاء لا يجدي نفعاً؛ ولذا فإن علاجهم الوحيد هو الإعراض عنهم؛ لأنَّ الكلام معهم لا يجدي نفعاً، إذن ينبغي عدم إجابتهم، والسكوت عنهم، احتراماً للنفس، وصوناً للعقل من الابتذال، فالبحث معهم لغو، ولا ينبغي للعاقل أن يلغو؛ ولذا قال رسول الله (ص): (أحكم الناس من فر من جهال الناس)(9)
وقال الإمام علي (ع): (قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل)(10)
ويقول (ص) في صفة الجاهل: (وصفة الجاهل: أن يظلم من خالطه، ويتعدى على من هو دونه، ويتطاول على من هو فوقه، كلامه بغير تدبر، إن تكلم أثم، وإن سكت سها، وإن عرضت له فتنة سارع إليها فأردته، وإن رأى فضيلة أعرض وأبطأ عنها، لا يخاف ذنوبه القديمة، ولا يرتدع فيما بقي من عمره من الذنوب، يتوانى عن البر، ويبطئ عنه، غير مكترث لما فاته من ذلك أو ضيعه، فتلك عشر خصال من صفة الجاهل الذي حرم العقل)(11)
بعد بيان هذه الأصول الثلاثة، يأتي البيان لمواجهة تحديات إبليس في ضغطه على المؤمن داخلياً، فيقول تعالى: ((وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم))
النزغ، والنخس، والفرز بمعنى واحد، وهو أسلوب من أساليب الضغط كإدخال طرف العصا أو الإبرة في الجلد ؛ ليثير الغضب، ويبعث الحمية، وعلاج ذلك هو الاستعاذة، والتحصن بالله تعالى من هذا الضغط، أي أنَّ المؤمن عندما يتعرض إلى وسوسات إبليس وخداعه، فليس هناك حصن يحمي الإنسان منه إلا التحرز بالله تعالى، والآية ختامها: ((إنه سميع عليم)) أي أنَّك أيها المؤمن، إنك في عين الله، وفي علمه يسمع ما تقول , وينظر ما تفعل,ويكتب ما تكسب ؛ ولذا يجب عليك أن تتيقن بذلك، فإذا أيقنت بأنَّ الله هو الحامي لك، فلا سبيل لإبليس عليك؛ لأنَّك دخلت حصن الله تعالى.
ثم توضح الآية الأخرى صفة المؤمنين، ومواقفهم من استفزازات الشيطان، فيقول تعالى: ((إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون * وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون))، وهنا إشارات جميلة، وهي:
1- إنَّ ملكة التقوى هي القوة القاهرة لإبليس وجنده، فلا سبيل له على المتقي؛ لأنَّ التقوى حصن الله في قلب المؤمن لا يمكن لإبليس وجنده اختراقه، يقول أمير المؤمنين (ع): (اعلموا عباد الله، أنَّ التقوى دار حصن عزيز، والفجور دار حصن ذليل، لا يمنع أهله، ولا يحرز من لجأ إليه، ألا وبالتقوى تقطع حمة الخطايا)(12)
وفي نص آخر يقول (ع): (فاعتصموا بتقوى الله، فإنَّ لها حبلاً وثيقاً عروته، ومعقلاً منيعاً ذروته)(13)
2- إنَّ الشيطان لا يستطيع أن يغور إلى عمق النفس، وإنما يطوف ويدور حولها، لا سيما إذا تحصنت بحصن الله تعالى، فالشيطان إذن لا يستطيع أن يوغل في النفس، بل لا يستطيع أن يفتح بابها ما لم يفتح الإنسان نفسه للشيطان، فإذا أغلق الإنسان قلبه بوجه خواطر الشيطان، فسيرجع الشيطان مدحوراً، والعكس بالعكس.
3- إنَّ السلاح الأقوى في وجه الشيطان هو التذكر والتبصر، التذكر بأنَّه مؤمن بعين الله، والتبصر بدين الله تعالى؛ لهذا الآية الكريمة تصور هذه الحقيقة بأروع وأجمل بيان للمواجهة، تذكروا فعندما يستذكر الإنسان حضور الله في قلبه، فستنبعث في نفسه قوة، وثورة بوجه الخواطر الإبليسية، وعندما يبصر بدينه، فإنَّ تلك البصيرة وهي الرؤية الداخلية التي تعيد إلى نفسه عداوة الشيطان، ((إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً))(14) فستنحصر عداوته لإبليس، ويشهر بوجهه سلاح الإيمان والتقوى، وهو سلاح لا ينبو، ولا يقهر .
ورغم كل ذلك تبقى عداوة الشيطان ورصده للمؤمن قائمة، فجند الشيطان يمدون أوليائهم بالقوة، ويحركونهم، ويستفرغون كل طاقتهم للإضلال والانحراف, ومن هنا لا ينبغي أن يتصور المؤمن أنَّه أصبح في مأمَّنٍِ من كيد الشيطان، فهو جالس في صراط الله يتربص بالمؤمنين ((قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم * ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين))(15)
والتطبيق العملي لهذه الآية جاء مجسماً في موقف أئمة أهل البيت (ع) كما في موقف الإمام الحسين (ع) من الشامي الذي أراد استفزازه، يقول عصام بن المصطلق: (دخلت المدينة، فرأيت الحسين بن علي (ع) ، فأعجبني سمته ورواؤه، وأثار من الحسد ما كان يخفيه صدري لأبيه من البغض، فقلت له: أنت ابن أبي تراب؟ فقال: نعم. فبالغت في شتمه وشتم أبيه. فنظر إليَّ نظرة عاطف رؤوف، ثم قال:
((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم * بسم الله الرحمن الرحيم * خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين * وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم * إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون * وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون))
ثم قال لي: خفض عليك، استغفر الله لي ولك، إنَّك لو استعنتنا لأعنَّاك، ولو استرفدتنا لرفدناك، ولو استرشدتنا لرشدناك)
قال عصام: (فتوسم مني الندم على ما فرط مني. فقال: ((لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين)) أمن أهل الشام أنت؟ قلت: نعم. فقال: (شنشنة أعرفها من أخزم)(16) حيانا الله وإياك، انبسط إلينا في حوائجك، وما يعرض لك تجدني عند أفضل ظنك إن شاء الله تعالى). قال عصام: (فضاقت عليَّ الأرض بما رحبت وودت لو ساخت بي، ثم سللت منه لواذاً وما على الأرض أحب إليَّ منه ومن أبيه)(17)

الهوامش:
(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 7/344 .
(2) المصدر نفسه: 345 .
(3) الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 5/339 .
(4) سورة آل عمران: 159 .
(5) راجع: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 7/345-346 .
(6) راجع: المصدر نفسه.
(7) الشيخ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن: 4/787 .
(8) المصدر نفسه .
(9) الشيخ الصدوق، معاني الأخبار: 196 .
(10) نهج البلاغة: كتاب 31 .
(11) ابن شعبة الحراني، تحف العقول: 29 .
(12) نهج البلاغة: خطبة 157 .
(13) المصدر نفسه: خطبة 190 .
(14) سورة فاطر: 6 .
(15) سورة الأعراف: 16-17 .
(16) قال ابن الأثير في النهاية ج 2، ص 504: (الشنشنة: السجية والطبيعة. وقيل: القطعة المضغة من اللحم). وهو مثل، وأول من قاله أبو أخزم الطائي وذلك: إنَّ أخزم كان عاقاً لأبيه، فمات وترك بنين عقوا جدهم وضربوه وأدموه، فقال:
إن بني زملوني بالدم * شنشنة أعرفها من أخزم)
(17) الشيخ عباس القمي، منازل الآخرة والمطالب الفاخرة: 207-208 .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com