موقع الصراط ... الموضوع : إثارات حول الفن الإسلامي<br> القصة أنموذجاً
 
الأربعاء - 4 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  إثارات حول الفن الإسلامي
القصة أنموذجاً
 
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 14 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  بقلم: كمال السيد
jameel المقدمة:
إننا نرتكب خطأ فادحاً، في نظرتنا إلى الفن، باعتباره نشاطاً غايته الإمتاع أو ملء أوقات الفراغ فقط، فيما هو مظهر حياتي من مظاهر الثقافة في المجتمع.
وتصحيح هذه النظرة مسالة أساسية قبل أي تعامل مع الفنون بشكل عام.
فإذا كان من وظيفة الفيلسوف والمفكر إنتاج المعرفة والأفكار من خلال الكلمات ـ مكتوبة أو منطوقة ـ فان دور الفنان وواجبه هما استخدام الجميل من الخط والشكل واللون وحتى الصوت في ترجمة الأفكار المنتجة والتعبير عنها.
لقد أنتجت ثقافات الأمم تراثاً فنياً يرتبط جوهرياً بمعتقداتها الدينية، فكانت فنونها ترجمة لثقافاتها، فما هي تجليات رسالة التوحيد؟ وهل يمكن مشاهدة الإسلام في ما أنتج من فنون في البلاد الإسلامية؟ مع التأكيد بأن الفن الإسلامي ينبغي أن يكون الأكثر تكاملاً من فنون سائر الحضارات والثقافات الأخرى، على أساس ترسيخ فكرة التوحيد في جميع مجالات الحياة،إن هناك تلاحماً حقيقياً بين الديني والدنيوي، حيث الاستلام رسالة تنفذ في جميع زوايا الحياة الإنسانية؛ وبخاصة أن القرآن الكريم، المحور والثقل الأساس في العقيدة، ينهض متألقاً كمثال فني في التعبير الأجمل والإيقاع الأرقى، في جمال الشكل وثراء المضمون.
وأمامنا أنموذج قائم في ما حصل بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، حيث بدأت أولى خطوات أسلمة الحياة، إذ واجهت الحياة الإيرانية الفنية بعد انتصار الثورة حشداً من الأسئلة الأساسية، وقد ظهرت الأزمة بوضوح في السينما والإنتاج السينمائي. فبعد عقود طويلة من تأسيس السينما الإيرانية (1900م) سيطر اتجاهان: الأول اتجاه العنف الأميركي والحر يمثل تقليداً للسينما الهندية.
وقد ظهرت مخاوف حقيقية من انهيار السينما الإيرانية إذا ما فاضت القيود الإسلامية في ما يتعلق بالمرأة والحجاب ومشاهد التقبيل والإغراء، وهذه المخاوف لم تنحصر في السينما فحسب، بل كان لها أصداء في القصة والمسرح.
وقد ظهرت أعمال سينمائية بعيد اندلاع الحرب، شكلت محاولات ساذجة لا تعدو أن تكون امتداداً تقليدياً للسينما الهندية والأميركية.
غير أن ظهور جيل من الشباب، كان في طليعتهم الكاتب والمخرج محسن مخملباف، بعث قدراً من الأمل بتجاوز هذه الأزمة الفنية، فظهرت مسرحيات وأفلام تحمل بشائر بظهور سينما تحمل هوية أصيلة.
ومن المدهش حقاً أن السينما الإيرانية، قبل الثورة، لم تحصد سوى جائزة واحدة فقط في مهرجان برلين عن فيلم بعنوان: (حياة ساكنة)، لكنها وبعد انتصار الثورة حصدت عشرات الجوائز في مختلف المهرجانات العالمية، وتألقت أسماء مجموعة من المخرجين اجتازت في إبداعها النموذج مخملباف.
ولم يكن هذا الاسترسال، في الحديث عن السينما الإيرانية، إلا انطلاقا من تجربة فنية تأثرت بالتجربة الثورية التي يشكل الإسلام محورها الأساس.
ومن المفيد أن ننقل جانباً من الأسئلة التي ظلت تدور في الأروقة الفنية والأدبية قبيل ظهور البدايات والإرهاصات الأولى لمختلف مجالات الفنون وتكونها. كانت معظم الأسئلة وأكثرها أهمية والمتعلقة بعلاقة الفن بالجمال تتلخص في ما يأتي:
ما هو الفن؟ ما هو الفن الإسلامي؟ وما هي علاقته بالجمال؟ هل الفن في خدمة الجمال؟ ما هي معايير الجمال؟ هل يكمن الجمال في الشكل أو في المضمون؟ ما هو التعريف الفلسفي للجمال، وهل له وجود خارجي؟ هل يدرك الجمال عقلياً أو قلبياً؟ وما هي علاقة الحب بالجمال؟ وهل توجد مقاييس مطلقة أوانها جميعاً نسبية؟
ولننتقل إلى طائفة أخرى من الأسئلة عن الفن الإسلامي، ومنها: هل توجد خصائص للفن الإسلامي؟ وما هي حدوده المشروعة؟ ما هو الغناء، وما هي المقاييس في تحديده وتحديد الموقف إزاءه؟ هل يعد الرقص فنا؟ ما هي حدود الدور المشروع للمرأة في الفن؟ هل بإمكان المرأة أن تؤدي الأناشيد بصوت عالٍ، (فردي أو جماعي)؟ هل بإمكانها تلاوة القرآن في الإذاعة والتلفزيون؟ كيف يمكن للفن أن يصور عالم الغيب؟ الجنة، النار، الملائكة، الجن والشياطين؟ وهل يمكن تصوير عالم البرزخ وعالم الذر؟ هل يمكن تصوير بعض المشاهد القرآنية الحساسة من خلال الرسم مثلا؟ وبالتحديد، هل يمكن رسم المشكاة والكوكب الدري و...؟ ما هو الإطار المشروع للموسيقى؟ من هو الفنان؟ ومن هو الفنان المسلم؟ وهل هناك فرق في قولنا: الفنان المسلم والفنان الإسلامي؟
هذه الأسئلة وغيرها احتدمت في السنوات الأخيرة، والواقع الفني اليوم يشكل تعبيراً عن نوع الاستجابة والتلقي، ولا يزال التفاعل مستمراً والجدل محتدماً، وسيستمران هكذا، ليعكسا شكلاً من أشكال التعددية في نوع الفهم والتصورات التي تسهم في تحديد الخطوط الأساسية للفن الإسلامي.
وبدءً يمكن تعميم تعريف الشهيد سيد قطب للأدب على سائر الفنون، وهو: (التعبير عن تجربة شعورية في صورة موحية).
ومن السابق لأوانه - وقبل أن نقدم مسوغات سيد قطب لهذا التعريف - أن نثير هاجساً تثيره أزمة الفصل بين الأديب المسلم والأديب الإسلامي، وبالتالي الفنان المسلم والفنان الإسلامي؛ ذلك أن أحد أركان التعريف يتمثل بالتجربة الشعورية.
يقول المفكر الراحل: إن كلمة (تعبير) تصور لنا طبيعة العمل ونوعه، والتجربة الشعورية تكشف عن مادته وموضوعه، أما الصورة الموحية فتحدد الشروط والغاية. فالتجربة الشعورية هي العنصر الذي يدفع إلى عملية التعبير، والتعبير يشمل كل صورة لفظية ذات دلالة تحدث الانفعال الوجداني المطلوب في النفس الإنسانية.
ومن الممكن أن نتوسع في مفهوم التعبير ومعانيه لتشمل أدوات أخرى غير اللفظ، فريشة الرسام وأوتار العود وغيرها تشكل أجزاء من عملية التعبير.

الغزو الغربي في مجال الفنون:
لا نبالغ إذا قلنا: أن الغرب يمجد الفن بطريقة ترفعه إلى مستوى الدين، بل أنه يحاول أن يجعل من الفن بديلاً للدين، وهذا ليس عجيباً في حضارة تمجد الجمال، وتنظر إلى الأشياء من خلال ذوق جمالي بحت.
وقد مهد لعملية الغزو الفراغ الهائل الذي ساد المجتمع الإسلامي في كل مظاهر الحضارة،وكان هذا واضحا في مجال الفن أكثر من غيره، حيث إن الخطر الذي كان يتهدد المجتمع المسلم ليس في مضمار الأعمال الفنية الجمالية التي أفرزها الغرب فحسب، بل أيضاً، بما كان يترافق مع تلك الأعمال من أفكار راحت تتغلغل هي الأخرى في قلب المجتمع وذهنيته من دون أن يقوم بفعل يعكس حالة من رفض الجسم الغريب وعدم قبوله.
فإن قبولنا فكرة (الفنون الجميلة) مثلاً يعبر عن رضا المجتمع المسلم بمسالة الجمال والذوق الجمالي من دون أدنى اكتراث للذوق الأخلاقي، مع التأكيد على هذه النقطة، وهي أن الفنون الإسلامية تستمد وجودها دائماً من قيامها بدور مفيد في حياة المجتمعات المسلمة إلى جانب قيامها بوظيفة جمالية.
ومن مظاهر الغزو أيضاً أن وظيفة الإنتاج الفني تنحصر في الإمتاع الجمالي فقط، وهذا يعني حذف أية قيمة اجتماعية أو أخلاقية، فالحكم على العمل الفني يخضع لاعتبارات جمالية بحتة، بالرغم من انحسار مقولة الفن حتى في الغرب، فإن هناك من ينادي بها في الشرق المسلم، ونجد لها أمثلة واضحة في كثير من الأعمال الفنية المنفصلة تماماً عن أية فكرة دينية.
وبالرغم من دور الاستعمار في التخطيط والتنفيذ لعملية الغزو، في مجال الفنون، فان المقتل الحقيقي يكمن في عقدة النقص الثقافي التي يعاني منها المسلم والتي مهدت الطريق للغزو.
فالأفريقي الأسمر ما كان ليمنح قيادته للرجل الأبيض إلا بعد إيمانه بمقولة التفوق الذاتي للرجل الأوروبي واستسلامه لها، لذا فالتململ من سيطرة الرجل الأوروبي بدأ من هذه المنطقة بالضبط، أي من زعزعة هذه الفكرة المدمرة وإعادة روح الثقة إلى نفس الأفريقي وروحه.
ومع أن الحكومات التي نشأت في ظل التأثيرات الغربية قد أخفقت في تذوق القيم الجمالية في الثقافة الإسلامية، فمعظم المشاريع التي نهضت في أرضنا الإسلامية أشرف عليها أوروبيون تم استقدامهم إلى بلادنا من أجل العمل والتخطيط والتنفيذ، من الموسيقى إلى البناء والإعمار.
وقد تضافر هذا الجهد مع جهد آخر تمثل في الحط من قيمة الحضارة الإسلامية، من خلال بعث الحضارات القديمة الفرعونية والساسانية والفينيقية وحضارات بلاد الرافدين.
وقد استخدم الفن، في مجالات عديدة، من اجل تدمير الهوية الإسلامية للمجتمعات المسلمة، وأهدرت الأموال العظيمة من ثروات الشعوب الإسلامية في سبيل ذلك.

فن القصة:
سنختار هذا المجال من الفنون لأنه يمثل، أيضاً، المادة الرئيسية للسينما والمسرح.
يمكن أن نتفق على أن القصة هي محاولة لتقديم تفسير للحياة، أو هي التعبير عن الحياة، ممثلة في الحوادث الخارجية والمشاعر الداخلية. فقد غطت قصص الغرام هذا المجال الحيوي من الفنون، وكانت تجد قراء ومخاطبين، وبخاصة في الأوساط الشبابية، بل أن الكثير من كتاب القصة كانوا يعوضون نقصهم في المهارة من خلال تحريك الغريزة الجنسية، لضمان شد القارئ إلى نهاية القصة، ومن المؤسف أن نجد مسألة الجنس تشكل مجموع مهارة بعض كتاب القصة.
ولذا، نلاحظ أن القاص يبدأ قصته بتعرية شخصية أنثوية أمام قارئ شاب قلق لكي يشده إلى متابعة فصول قصته حتى النهاية.
وللأسف، أننا نلاحظ ازدهاراً، في هذا المجال، كلما أمعن المجتمع في حرمان شبابه من الجنس، أو أبدى تشدداً في مسالة الزواج من خلال التشدد في مسألة المهور.
ولكي نكون منصفين في الطرح نشير أيضاً إلى القصص ذات الأفكار السياسية، ونحن لا نقصد الأعمال القصصية ذات القيمة السياسية التي تعبر عن أفكار عميقة، حيث نجد الامتزاج الرائع بين الأفكار الثقافية والمعتقدات الدينية والفكر السياسي.. ولذا نستثني هذه الأعمال لنؤكد على بعض القصص التي يمكن القول: إنها تكتسب قيمتها بوصفها بياناً سياسياً في أجواء يسودها القمع والبطش والإرهاب، ولذا نراها تفقد قيمتها الفنية، بل وقيمتها بشكل عام، بعد أول انفتاح سياسي أو حدوث حالة تغيير جذري.
ولذا، فمن المؤكد أنه لا الجنس ولا السياسة يشكلان عنصراً فنياً في تكوين القصة.
بل حتى القصة المؤدلجة، فإنها تفقد أيضاً قيمتها الفنية، وبالتالي قيمتها الأدبية ودورها الثقافي؛ لأنها لا تستطيع أن تؤثر تأثيراً جذرياً وعميقاً في مشاعر المتلقي والمخاطب أو القارئ.
إن غاية العمل الأدبي لا تكمن في تقديم حقائق عقلية أو قضايا فلسفية، كما أنه في الوقت نفسه لا يقف منها موقفاً متشنجاً، بل يتوجب عليه أن يقدمها بوصفها حقائق شعورية؛ أي استخراجها من دائرة العقل بوصفه مركزاً للمحاسبات المنطقية وتحويلها إلى أشعة تشرق على القلب، باعتباره الجزء النابض الذي يتلقى الإشراق والوعي.
إن أول خطوة مهمة وحياتية ومصيرية في إرساء قواعد صلبة وقوية في جميع مجالات الفنون، هي التأسيس الجاد لعلم نفس إسلامي، يأخذ بنظر الاعتبار المكونات الرئيسية للإنسان وفاقاً للنظرة الإسلامية التي تعترف رسمياً بركنيه: الجسم، الروح. فهناك العقل بوصفه مركزاً للتفكير المنطقي ودائرة المحاسبات والبديهيات والمسلمات.. والفطرة التي هي مستودع السر الإلهي المجسدة لدمية الإنسان وضميره الذي يمثل القانون الأخلاقي في الذات البشرية؛ والإرادة التي تعبر عن حرية الإنسان واستقلاله وقدرته على الاختيار والانتخاب.
وهناك الأهواء النفسية التي تجسد المحتوى والمضمون ومخزون الطاقة، والتي يمكن تشبيهها بالطاقة الذرية المستخدمة في صنع مفاعل لإنتاج الكهرباء، أو في تصنيع قنبلة بوصفها سلاحاً للتدمير الشامل.
فالأهواء النفسية طاقة خاضعة في ترشيدها ايجابياً، أو توجيهها سلبياً، لمعادلة أخلاقية؛ لأن الإنسان مخلوق قابل للتسامي، كما أنه مستعد في الوقت نفسه للانحطاط.
كما يتوجب التوقف عن الاستمرار العملي في الحذف لعالم الغيب، والاعتراف رسمياً بعوالم ما بعد الموت كعالم البرزخ، وتحديد نظرة موضوعية عن مفاهيم كثيرة؛ من قبيل الفقر، الحب، الظلم،الموت.. الخ، وكذا الاعتراف أيضاً بخوارق الإنسان الإلهي (الأنبياء)، ولا ننسى أيضاً الإشارة إلى ضرورة إحداث تغيير في موقفنا من الأحلام بنظرة تتحرر تماماً من القيود والأغلال الفرويدية ومدارس علم النفس الخاضعة للتفسير المادي ومشكلات الحضارة الغربية.

القصة الإسلامية.. هاجس البحث عن هوية:
عندما نروم البحث في فن كتابة القصة، بشكل عام، فإن مثلثاً يتألف من الكاتب، والقارئ، والأثر الفني، سوف يتبلور في أذهاننا، وربما سيكون هذا المثلث متساوي الأضلاع.
وقد ينسحب هذا المثلث على سائر الفنون الأدبية الأخرى، لكن القصة سوف تنفرد بالوضوح التام؛ لشغف خاص يحتله هذا الفن ويتفرد به عن سائر الفنون الأخرى، ونستطيع أن نتحدث عن الأضلاع الثلاثة كما يأتي:
فالكاتب يمثل العملية الإبداعية، والقارئ يمثل العملية الذوقية، فيما تمثل القصة (الأثر الفني) المنطقة التي تلتقي فيها العمليتان.
ولو أمعنا النظر كثيراً، في هذا الشكل الهندسي، فإنه من الصعوبة بمكان تحديد أضلاعه بشكل واضح ومنفصل؛ لأننا في حالة التحدث عن ضلع ما فيه، سنجد أنفسنا وقد خضنا في الثاني والثالث، وسوف يستحيل هذا المثلث الخيالي إلى دائرة تذوب فيها الأضلاع تماماً.. على أننا سوف نسعى إلى تفكيك الحديث قدر الإمكان، معتمدين منهج التركيز على خصاص كل محور من هذه المحاور الثلاثة.
وسيكون الحديث عن القصة، وربما القصة القصيرة، مدخلاً مناسباً يمهد للحديث عن هذا الفن الحياتي في عالم الأدب ودنيا الفنون الإنسانية.
ما زلنا نتذكر التعريف الشامل للأدب الذي ينسحب على القصة، أيضاً، بوصفها عملاً أدبياً، وهو: (التعبير عن تجربة شعورية في صورة موحية).
ففي هذا التعريف الجامع المانع: كلمة (تعبير) تصور لنا طبيعة العمل ونوعه، و(تجربة شعورية) تبين لنا مادته وموضوعه... و(صورة موحية) تحدد لنا شرطه وغايته.
فالتجربة الشعورية هي العنصر الذي يدفع إلى التعبير، ولكنها بذاتها ليست هي العمل الأدبي؛ لأنها ما دامت مضمرة في النفس فلا تظهر في صورة لفظة معينة، فهي إحساس وانفعال لا يتحقق به العمل الأدبي.
و(التعبير)، في اللغة، يشمل كل صورة لفظية ذات دلالة، ولكنه لا يصبح عملاً أدبياً إلا حين يتناول (تجربة شعورية) معينة.
ولكن التعبير عن التجربة الشعورية يجب أن يكون بصورة أخاذة موحية ومؤثرة، تثير الانفعال الوجداني لدى القارئ، وهذا الشرط الأساس في العمل الأدبي.
أما التعريف الأكثر وضوحاً للقصة، على ضوء التعريف السابق، فهو: (التعبير عن الحياة) بجميع تفاصيلها، وفي إطار الحوادث الخارجية ومشاعر الإنسان، فيما نجد بعض الكتاب ينظر إلى القصة بوصفها تفسيراً للحياة.
فالمصدر الوحيد للقصة هو الحوادث.. حوادث الحياة ومواقف الإنسان، أما التاريخ فإنه وإن كان يهتم بنقل الحوادث سيكون نقلاً تسجيلياً ينحصر بالوقائع.. فيما تجتاز القصة حاجز الوقائع إلى استكشاف ما وراء الواقع.
فالتأريخ عبارة عن نقل تسجيلي والقصة عبارة عن نقل تحليلي.
ولكن هذا لا ينفي وجود مؤرخ يحاول تحليل التاريخ وفاقا لأدواته، ليصل إلى نتيجة ما، كما هي الحال في (دراسة في التاريخ)، فقد حاول توينبي من دراسته للتأريخ تأكيد إمكانية إنقاذ الحضارة الغربية من السقوط، فيما نجد رواية (الساعة الخامسة والعشرون) تؤكد أفول هذه الحضارة وظهور النور من آسيا، وسنجد بطل الرواية وهو شاعر، يقول: (إن انهيار المجتمع التقني هذا، سيعقبه اعتراف بالمواهب الإنسانية والعقلية.. وسيشرق هذا النور العظيم من الشرق ولا شك.. من آسيا؛ ولكن ليس روسيا.. إن الروس قد انحنوا خاضعين أمام نور الغرب الكهربائي.. لذلك لن يعيشوا ليروا الإشراق.. سيكتسح الإنسان الشرقي المجتمع التقني، وسيستعمل النور الكهربائي لإنارة الشوارع والبيوت.. لكنه لن يصير له عبداً أبداً.. ولن يقيم الهياكل كما هي الحال اليوم في بربرية المجتمع التقني الغربي...
إنه لن يضيء بنور النيون خطوط الفكر والقلب.. إن إنسان الشرق سيجعل من نفسه سيداً لللات وللمجتمع التقني، مستعينا بعقله كما يستعين رئيس الفرقة الموسيقية بعبقريته المستمدة من الجرس الموسيقي...).
ولك أن تكتشف أيهما أصدق في التعبير والتفسير عن مصير الحضارة الغربية المادية.
ولا نريد هنا سوى التأكيد على الاختلاف الشاسع بين الحقيقة والواقع، ونعني بالواقع مظاهر الحياة وحوادثها التسجيلية، فالقصة، وان كان ميدانها الواقع، فإنها يجب أن تخترق هذا الجدار إلى ما وراءه.
ويمكننا أن نسوق على ذلك مثالاً من الفيزياء، وهو ظاهرة الانكسار، حيث يبدو القلم مكسورا إذا ما وضع في إناء فيه ماء، فإن أدوات الرؤية للواقع ستكون عبر الحواس، وسنقع في أخطاء الرؤية الحسية كما يحصل في ظاهرة الانكسار، أما الرؤية التحليلية فهي الوحيدة التي يمكنها سبر مكنون الوقائع واكتشاف الحقيقة، وستكون الوقائع الحياتية مجرد زبد، فيما الحقيقة مستقرة في الأعماق.
هناك ظاهرة ما، وهناك تفسير.. والمشكلة تكمن في القدرة على التفسير.. وإن كانت القصة، بوصفها عملاً فنياً، لا تهتم باقتراب التحليل من الصوابية بقدر ما تعد أي تفسير، مهما كان، شرطاً فنياً، فإن القصة الإسلامية ستكون حساسة إزاء هذا النوع من الرؤية، ولأننا أضفنا صفة الإسلامية إلى القصة فسيكون الحديث عن هذا الجانب أساسياً. وسيكون الحديث، حينئذ، عن خصائص القصة الإسلامية حديثا عن طبيعة الرؤية ومعالجة الحوادث والشخصيات.
فإذا كانت القصة وعياً للحوادث وحركة الشخصيات، وهي التفسير العميق للحياة، فستكون القصة الناجحة هي تلك التي تتمتع برؤية عميقة؛ لان سرد الوقائع بصورة تسجيلية لا يعد وعياً للحياة الإنسانية حتى لو كانت العملية التسجيلية غاية في الدقة، فإذا كانت الحياة عبارة عن بحر متلاطم الأمواج، فالمطلوب سبر الأعماق المغمورة بالسكينة، وهناك تكمن لآلئ الحقيقة.
ولو نظرنا إلى نسيج القصة لوجدنا عنصرين هما: الفكرة والأسلوب، و(بصورة عامة يمكن القول: أنه ليست هناك أية قيود لانتخاب موضوع للقصة الإسلامية، حيث إن انتخاب أي موضوع يستطيع أن يكون إسلامياً، شريطة التعرف إلى الزاوية التي ينظر من خلالها).
لذا، فإن القصة سوف تكتسب صفتها الإسلامية من خلال انسجامها أو انسجام موضوعها مع الرؤية الإسلامية للوجود، إضافة إلى منح الأصالة لفطرة الإنسان لا لذاته.
وقد تتوضح هذه النقطة أكثر إذا تحدثنا عن الرؤية الغربية التي تجعل من الإنسان محوراً، فتمنح الأصالة لذات الإنسان، وضمن هذه الرؤية يأتي الإبداع الغربي الأدبي في القصة منطلقاً من فكرة الدفاع عن حق الإنسان ومظلوميته أمام قسوة الطبيعة وظلمها.
واعتبار الإنسان محوراً، بشكل عام، لا يلغي الرؤية الإسلامية، فالرؤية الإسلامية تعده أيضاً محوراً وتعده القوة المحركة للتاريخ، لكنها تؤكد حقيقة كبرى، وهي اعتباره خليفة الله في الأرض وليس إلهاً، فمنحه الأصالة أمر تتفق فيه الرؤية الإسلامية والغربية، ولكن تحدث القطيعة النهائية بين الرؤيتين عند تجاوز الفطرة إلى الذات.
وهذا يعني أن الرؤية الإسلامية تتطلع إلى تجربة الإنسان لتقييمه أخلاقياً، فيما الرؤية الغربية تتطلع إلى تلك التجربة فنياً فقط.
فالوجدان الغربي، مثلاً، يتأثر بشدة، ويبكي لمشهد إقدام البطل على قتل حبيبته ومن ثم الانتحار؛ لأن (الطبيعة) حالت دون عيشهما حياتهما معاً، إنه ينظر إلى نهاية مفجعة لمخلوقين جميلين يربط بينهما الحب.
أما الرؤية الإسلامية فإنها، وإن كانت تتأثر بهذا المشهد، تدين في النهاية البطل أخلاقياً. ذلك أن النظرة الإسلامية إلى الحياة تتمثل في عد الحياة مزرعة الآخرة وطريق اختبار وامتحان، وإن الدار الآخرة هي الحياة الحقيقية، وأن مستقبل الإنسان الحقيقي إنما هو في عالم الغد.. عالم الآخرة والمعاد.
ومنح الأصالة لذات الإنسان يعني منح قيمة لنفس متمردة معتدية، ومن ثم منحه الحرية المطلقة.
لقد نجم عن هذه الرؤية ظهور أدب عبثي وضياع إنساني، ولعل في كتابات سارتر الأدبية أنموذج واضح لهذا الضياع، كما أن انتشارها بعد الحرب العالمية الثانية يعبر عن اهتزاز وسقوط للقيم الأخلاقية بشكل مريع..
ومن يقرأ رواية (الغريب) لـ(البير كامو) يلمس بنفسه ضياع الإنسان الغربي وانسحاقه بالرغم من منحه درجة الإلوهية.
إن هذه النظرة البائسة هي التي جرت الويلات على المجتمعات الغربية، وحولت بعضها إلى غابة مخيفة.
وقد صورت الرواية الخالدة: (الساعة الخامسة والعشرون) مشهد العالم الغربي إبان الحرب العالمية وبعد انتهائها، وتحول الإنسان إلى (عبد) لله، فيما كان المفترض أن يكون سيداً لها.
فقد أدت مضاعفات هذه الرؤية إلى حالة مخيفة وسوداوية إزاء مستقبل البشرية، ومن ثم إلى حالة الخواء التي عبرت عنها مسرحية (بانتظار غودو)، هذه السلبية في انتظار شيء لا وجود له... وإذا كانت المسرحية مجموعة في مشهد واحد حيث تظهر في خلفيته شجرة ميتة، وإذا كان غودو تحريفاً لـ(غود)، (حرا) الله، فإنها تعني إلحاداً في الرؤية وعبثية في انتظار شيء لا وجود له.
أما الرؤية الإسلامية، إزاء المستقبل، فهي مفعمة بالأمل، ليس في عالم الآخرة فحسب، بل وحتى في عالم الدنيا أيضاً. وهذه الرؤية تتوج بفكرة ظهور (الإمام المهدي) ووصول الإنسانية إلى غاية تزخر بالعدالة والخصب والنمو وسيادة الإنسان الذي تتحد ذاته بفطرته، ومن ثم تحقق فكرة الخلافة الإلهية في الأرض.

فكرة الظلم:
الرؤية الغربية تختصر مسالة الظلم إلى ظلم الطبيعة للإنسان، والطبيعة هنا تعني حتى المجتمع نفسه: (الجحيم هو الآخرون).
ولأن الرؤية الغربية سقطت في اسر المادية، فقد حذفت كل ما يتعلق بما وراء المادة والطبيعة، وبالتالي منحت الحياة الدنيا قيمة نهائية بذاتها، وجعلتها هدفاً للإنسان لا (مزرعة للآخرة).
كيف تعالج القصة الإسلامية مسالة الظلم؟ وكيف تتعامل معها؟ وهل يؤدي وجود الظلم إلى اندلاع ثورة مثلاً؟
هناك الظلم، وهناك الإحساس بالظلم ومستويات هذا الإحساس، ثم تأتي الإرادة في المقاومة التي قد تبرز بعد تحطم حاجز الخوف، هذا الحاجز الذي قد لا يتحطم إلا بعد صياغة معان سامية للحياة والنصر وبلورتها:
أود لو غرفت في دمي إلى القرار
وأحمل العبء مع البشر
وأبعث الحياة
إن موتي انتصار
ومن المؤكد جداً أن القصة الإسلامية سوف يكتب لها النجاح الباهر؛ لأن الرؤية الإسلامية ستضيف عوالم كثيرة ومساحات شاسعة، من الغيب، إلى جمال القصة بما يوفر لها الإبداع.
نضيف إلى ذلك أن الإنسان وفقاً للرؤية الإسلامية يتمتع بتوازن كبير، قياساً بالرؤية الغربية، فالغرب ألغى الجانب الروحي من الإنسان، وجعل من غرائزه، وحتى من أحلامه، مجرد إفرازات مادية، كما أن النسبية في كل شيء - حتى في الأخلاق - انحدرت بالإنسان في ضوء الرؤية الغربية إلى مستوى مخيف من الانحطاط.
ولنتصور هذا المشهد لنوضح مسالة الاختلاف بين الرؤيتين:
أحدهم يقود سيارته بسرعة فائقة، وفي احد المنعطفات الجبلية يرتطم بحاجز حديدي على جانب الطريق.
لنتصور الآن حالته، وهو خلف المقود، أنه يشعر بالأسى والحزن ويلعن في نفسه الحاجز الحديدي الذي أدى إلى إلحاق الضرر بسيارته.
وعندما يترجل ليرى حجم الخسائر التي لحقت بسيارته، فإذا بعينيه تقعان على ما وراء الحاجز؛ حيث الوادي السحيق والهاوية.
في هذه اللحظة، يحدث تغير بل انقلاب في حالته، وستغمره الفرحة، وربما ينظر إلى السماء شاكراً العناية الإلهية من أعماق قلبه.

أنموذج للنقد:
(كانت ليلة طويلة) لاحسان صادق سعيد، فنياً تعد القصة موفقة؛ وذلك إذا كان فيها ما يشد القارئ ويجذبه، لكننا نتطرق إلى ما يهمنا الآن، وهو الانطباع العام.
المقطع الآتي: (عيناها تائهتان في أفق الغرفة الخرافي.. لبها غريق في بحار الضياع.. لا ميناء ترسو فيه سفنها.. لا قرار لطفلتها، لا غاية لا مصير.. إنها الصخرة التي حكم عليها بأن تعود لرفعها إلى أعلى الجبل كلما تدحرجت إلى بطن الوادي.. يداها لا تكفان عن العبث بكل شيء في الغرفة.. قدماها لا تتوقفان.. كيانها حركة مجنونة وأفكار محمومة وعويل طفلة).
(وهنا تعثرت بشيء ما.. لم يكن هذا الشيء سوى عباءتها المرمية بإهمال على طرف سريرها).
نحن أمام مشهد نفسي ممزق لفتاة تعاني من عقدة قديمة، افرزها فقدان الأم وإهمال الأب.. وهذه الفتاة محجبة، ولكن الحجاب مفروض عليها، الأسرة التي تعيش فيها - يعني خالتها - لم تفرض عليها الحجاب..نحن أمام مأزق، هل هناك ضغط من التقاليد مثلاً؟ ثم من الذي فرض عليها الحجاب؟!
الحجاب هو المشكلة إذاً؛ لأنه غطى على جمالها وأنوثتها وحرمها من الزواج وقد ناهزت العقد الثالث.
وبالرغم من أن المشهد الأخير ينتهي بزواجها، ولكن القصة بسياقها العام تؤكد سلبية البطلة.
فهناك ربط تعسفي بين طاعة فاطمة الله وبين حرمانها من الزواج بسبب الحجاب او غيره.
ونركز هنا فقط على هذه النقطة، ما هي الضرورة بين وجود فتاة تعاني من بعض العقد وبين حجابها وتدينها؟ في الحقيقة هناك نظرة متخلفة وازدواجية، ولنكن صريحين في التعبير حتى لا نقع في أسر التصورات الخاطئة، هذه التصورات التي تشوه الأصل الجذاب والجميل، كما هي الحال في صورة زينب بنت علي (ع) شقيقة سيدنا الحسين(ع).
فبالرغم من أن التاريخ يسجل لها بطولتها النادرة في كربلاء، وبلاغتها التي ذكرت سكان الكوفة بمؤسس البلاغة في دنيا العرب الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وبالرغم من موقفها الخالد أمام يزيد سلطان الشرق الأوسط آنذاك فإنها تخاطبه قائلة: (ولئن جرت علي الدواهي، يا يزيد، مخاطبتك، إني لاستصغر قدرك).
هذه المرأة العظيمة جعلت منها التصورات والموروث الشعبي رمزاً للشؤم والمصائب والأسر والذل، بحيث نرى بعض المجتمعات الإسلامية التي تنوح كل عام، وتذرف الدموع من أجلها، تتردد في تسمية بناتها بهذا الاسم الكريم، فنجد تخوفا وتوجسا على بناتهن من ذلك المصير المؤسف.
لذا ينبغي تحرير الرؤية الإسلامية من الموروث الشعبي المتخلف، كما يجب التعبير بصراحة ووضوح.
إنه من التعسف أن تختار فاطمة، في القصة، الحجاب ثم تلعنه، أو يفرض عليها ثم لا تقاومه بشجاعة وصراحة.

الفقر:
إن فكرة مثل الفقر، أيضاً، يمكن توظيفها في الكتابة والإنتاج القصصي، ولعل أحد أسرار نجاح الكاتب الانجليزي تشارلز ديكنز هو أنه كتب قصصه في أجواء ثقافية كانت تنظر إلى الفقر والفقراء بوصفهما مصدراً ربيئة للرذيلة والجريمة. ولكن ديكنز حطم هذه التصورات التعسفية، لينقل من عالم الفقراء والبؤساء باقة من العواطف والنبل الإنساني لا توجد لدى سكان القصور وأبناء المجتمع المخملي.
فالفقر، في الكتابة الإسلامية، ينبغي أن يكون ميزة في حياة الإنسان المسلم، والفقر المعنوي أسوأ بكثير من الفقر المادي، بل أن مصداق الفقر الحقيقي هو الفقر الروحي.
الفقر مؤشر على اللاعدالة في المجتمع، الفقر يفتح نوافذه على الكفر. لكنه في المقابل ليس دليلاً كافياً على ارتكاب الجريمة، كما أنه لا يعد مسوغاً كافياً أيضاً لحركة الجهاد والنضال. مع التأكيد على (أسلمة) المعالجة لأي موضوع كان. فعلى سبيل المثال، موضوع التوبة، وهو من المواضيع الإسلامية التي يجب ألا تطرح بطريقة لا إسلامية تجعلها على غرار الاعتراف أمام القس، أو حتى بطريقة الانتقاد الذاتي أمام الآخر.

الحب...
وهكذا مسالة الحب والإنسان والدين، فقد رويت عن أئمة أهل البيت (ع) أحاديث تفيد بأن الدين هو الحب: (هل الدين إلا الحب).
فالحب جوهر الإنسان الذي يواكبه ويتطور معه منذ الطفولة. الطفل يحب أمه وأباه، وبعدهما أخته وأخاه، وبعدهما أصدقاءه، وفجأة يحدث تحول في مشاعره تجاه أترابه من الجنس الآخر في محاولة للتكامل.
الحب، في القصة الإسلامية، ليس شهوانياً وليس إفلاطونياً في الوقت نفسه، يجب التعبير عن الحب في إطار أوسع من الحب الإلهي بحيث يعترف بإنسانية الإنسان وبشريته.. بغرائزه ونوازعه الروحية، بحيث لا يحدث انفصالاً بين القلب والغريزة، بين القانون الأخلاقي والقانون الطبيعي، مع تحقق كامل لإرادة الإنسان.
ومسألة الحب تتسع بشكل مدهش لتستوعب الوجود بأسره، فالحكمة الإسلامية تفسر خلق الكون بالحب؛ لأن الله لم يخلق الوجود ليستعين به كما يصنع النجار سلماً يرتقيه أو كرسياً يجلس عليه، ولم يكن خارجاً عن إرادته وظلاً له كما يصنع أحدنا الظل بمجرد وقوفه قبالة الشمس.
من هنا يمكن أن نتحدث عن خصائص القصة الإسلامية، فبشكل عام يمكن القول: إنه لا توجد خصائص تنفرد بها القصة الإسلامية فنياً، فالقصة الإسلامية تتألف من: فكرة وأسلوب، والفكرة هي الأخرى لا توجد قيود تحددها، إن أسلمتها تكمن فقط في الزاوية التي ينظر من خلالها، وقد يبدو هذا الكلام تكراراً، ولكنه مفيد في تعديل مسار البحث في خصائص القصة الإسلامية واكتشاف ملامح الفن الإسلامي،وبخاصة في الحديث عن الأسلوب.
وسنواجه، في هذا الصدد، أبعادا رئيسية ثلاثة هي:
ـ الزمكان.
ـ الحوادث (الواقعة + الحوار)
ـ القالب
وفي ما يخص البعد الزمكاني، فإنه لا يشكل في القصة الإسلامية ظرفاً فقط، بل أنه جزء لا ينفك من القصة، وهو أمر ينسجم مع الفيزياء الحديثة لـ (أنشتاين) من خلال الاعتراف رسمياً بالبعد الرابع، أو (بعد الزمن)، وقد اكتشفت الفلسفة الإسلامية هذا البعد في وقت مبكر على يد الفيلسوف المسلم صدر الدين الشيرازي الذي أعلن من خلال نظريته في (الحركة الجوهرية)، أن الزمن بعد كمي للأجسام.
والبعد الرابع: (هو مقدار الطبيعة المتجددة بذاتها من جهة تقدمها أو تأخرها الذاتيين، وهو أمر ممتد وكمي؛ ذلك أن جميع الموجودات التي في العالم واقعة لذاتها في الزمان والتغير، مندرجة تحت مقولة (متى)، كما أنها واقعة في المكان مندرجة تحت مقولة (أين)، فالزمن بعد أصيل، وهو ليس علة للحركة كما أن الحركة ليست علة له..).
ومن هنا تنفتح، أمام القصة الإسلامية، آفاق واسعة جداً، تأخذ الإنسان بعيداً في أعماق الماضي السحيق، منذ بداية الخلق إلى المستقبل البعيد، إلى عالم الخلود وذرى التكامل البشري.
وبعبارة أخرى: إن القصة الإسلامية توفر للمرء فرصة رائعة لأن يحقق سيادته على الدنيا بوصفه خليفة الله، لا أن يكون عبداً لها محكوماً بقوانينها خاضعاً لإطارها الزمكاني المحدود.
وفي ما يخص البعد الآخر وهو الحادثة فإن الرؤية الإسلامية تنظر إلى الحوادث باعتبارها نتائج منطقية لعلاقات متشابكة بين عناصر عديدة، ومن هنا ينبغي تصحيح رؤيتنا إلى ما ورد في القصص القرآنية من أعمال خارقة يقوم بها الأنبياء لإثبات رسالاتهم. وهذا لا يعني أن ننظر إلى القصة الإسلامية بوصفها قصة غير واقعية، بل المطلوب إجراء تعديل حيوي عن مفهوم الواقعية، فقصة مثل قصة أصحاب الكهف التي تؤيدها شواهد تاريخية وأثرية، لا يمكن أن تحذف منها عوامل غيبية قد تبدو غير منسجمة مع المنطق المادي الذي هو إفراز لحضارة ورؤية وثقافة ليست إسلامية.
فالواقعية، في النظرية الإسلامية، تعني الاعتراف الكامل بوقائع الوجود بأسره، وعدم شطب أي من مجالاته بحجة عدم توافر أدوات استكشافه؛ لأنه من التعسف أن ينكر الأعمى مثلاً وجود الشمس بحجة عدم رؤيته إياها.
وهناك ملاحظات فنية يتوجب على الكاتب الالتزام بها، وهي أنه ليس من اللائق أن تلاحق عدسته شخوص القصة إلى مشاهد تعد تجاوزاً على الكرامة الذاتية والحرية الشخصية، كما لا يجوز أيضاً أن ينقل كلمات بذيئة تخدش الذوق الأخلاقي بحجة وجود شخصية تافهة تتفوه بهذه الكلمات.
إن الحديث عن القالب الذي ينبغي أن تستخدمه القصة الإسلامية يتطلب دراسة عميقة جداً لسورة يوسف في القرآن الكريم، ومقارنتها بقصة يوسف التي وردت في التوراة. وهذا ما لا يمكن بحثه في هذه الإثارات السريعة، ولكن يمكن الإشارة إلى بدايتها، أي برؤية الكواكب والشمس والقمر، وكيف أن يوسف كان يشعر بأن لتلك الكواكب شعوراً وإدراكاً من خلال قوله، كما ورد في القرآن: ((إني رأيت أحد عشر كوكباً والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين))، وفعل ((رأيتهم)) معروفة دلالته في اللغة العربية.
وكيف تنتهي القصة بتفسير الرؤية العجيبة التي ظلت محفورة في ذاكرة يوسف أكثر من عشرين سنة، إضافة إلى دراسة التطور المهم في الحوادث بعد رؤيا الملك والتوزيع الرائع في النور والظلال والإيقاع في التعبير.. هذا كله سوف يعيننا في اكتشاف قالب القصة الإسلامية.

من هو المخاطب في القصة الإسلامية؟
وهناك نقطة يمكن أن تكون ختاماً لهذه الإثارات، وهي هاجس الخطاب، فمن هو المخاطب في القصة الإسلامية؟ ربما يبدو للوهلة الأولى أن المسلمين هم المعنيون فقط بالخطاب القصصي، ولكن الحقيقة هي أن خطاب القصة الإسلامية يمتد ليشمل مساحات واسعة من العالم، بل يمكن أن يشمل العالم بأسره؛ لأن الإسلام هو التفسير الأرقى للإنسانية، مع التأكيد على نقطة أساسية، وهي ضرورة الأخذ بنظر الاعتبار النسيج الثقافي للمجتمع، المتأثر بطبيعة الحال بعوامل تأريخية وجغرافية وعوامل بيئية أخرى لا على أساس منح محورية كاملة، وإنما في إجراء ما يمكن التعبير عنه بعض (الرتوش) الحيوية في تكوين القصة ونسيجها.

المصدر: مجلة المنهاج، العدد 32
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com