موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب خليل الرحمن إبراهيم-13
 
الخميس - 5 / ربيع الأول / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب خليل الرحمن إبراهيم-13  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 16 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
معبودات قوم إبراهيم (ع) وموقفه منها:
لقد ولد إبراهيم (ع) ونشأ في مجتمع مرتكس إلى أذنيه بالوثنية والشرك فقد تعددت الآلهة فيهم كعبادة الأصنام، والشمس، والقمر، والكواكب ولكل ظاهرة من الظواهر الكونية إله يعبد من دون الله تعالى...
والمهم هنا أن نتأمل في موقف إبراهيم (ع) من هذه المعبودات وكيف استطاع صلوات الله عليه بما وهبه الله من حكمه في الدعوة إليه تعالى. أن يثبت بطلان تلك العبادات؟
فلأجل إبطال عبادة الأصنام قال لقومه مستنكراً ومستنطقاً لهم ((مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ)) (الأنبياء:52) فأجابوه بأنهم مقلدون لآبائهم في عبادتها قائلين: ((وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ)) (الأنبياء:53) فأوضح لهم إن هذا التقليد هو الضلال التام فقال: ((لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) (الأنبياء:54) ثم تحداهم، وأقسم ليتحداهم، ويحطم أصنامهم قائلاً: ((وَتَاللَّهِ لأكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ)) (الأنبياء:57) وفعلاً هجم عليها، وحطمها تحطيماً كاملاً، وترك كبير الأصنام، وعلق الفأس في عنقه؛ لعلهم يتفكرون، ويرجعون عن غفلتهم، وحينما سألوه: ((أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إبراهيم؟)) (الأنبياء:62) أجابهم قائلاً: ((بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ)) (الأنبياء:63) قال السيد المرتضى قدس سره: (إن الخبر مشروط غير مطلق؛ لأنه قال: ((إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ)) ومعلوم أن الأصنام لا تنطق، وأن النطق مستحيل عليها، فما علق بهذا المستحيل من الفعل أيضا مستحيل، وإنما أراد إبراهيم (ع) بهذا القول تنبيه القوم وتوبيخهم وتعنيفهم بعبادة من لا يسمع، ولا يبصر، ولا ينطق، ولا يقدر أن يخبر عن نفسه بشيء، فقال: إن كانت هذه الأصنام تنطق فهي الفاعلة للتكسير؛ لان من يجوز أن ينطق يجوز أن يفعل، وإذا علم استحالة النطق عليها علم استحالة الفعل، وعلم باستحالة الأمرين أنه لا يجوز أن تكون آلهة معبودة وأن من عبدها ضال مضل)
وهكذا أثبت لهم بطلان عبادة الأصنام،لأنها جماد لا روح فيها ولا نطق لها. فهي بالنتيجة لا تضر، ولا تنفع ولعله قال ذلك؛ليحرك عقولهم ويوقظ فطرتهم، وينفض عنها غبار الغفلة، ويجعلهم يتوصلون إلى الحق بأنفسهم لا أن يفرضه عليهم فإن الدين لا يترسخ في سريرة الإنسان بالإكراه، بل بالاقتناع والمعرفة... وهذا هو الأسلوب الحكيم في الدعوة إلى الله فإن العقيدة لا تفرض فرضا وإنما تدخل القلب إذا اقتنع العقل والوجدان.
وأما عبادة الكواكب والقمر والشمس فقد أبطلها (ع) بطريق فني دقيق استطاع أن يوقف القوم على بطلان تلك العبادة بأسلوب حكيم (فإنه (ع) أراد أن يستدرج قومه بهذا القول، ويعرفهم جهلهم في تعظيم النجوم وعبادتها؛ لأنهم كانوا يرون الأمر كله إليها لا إلى الله خالقهم، فأراهم إبراهيم تعظيمه ما يعظمون فلما أفل الكوكب وأفل القمر، وأفلت الشمس أراهم البعض الداخل على النجوم بسبب الغيبوبة والأفول ليثبت خطأ ما كانوا يعتقدون فيها من الألوهية)
ورغم وضوح موقف إبراهيم (ع) من عبادة الكواكب وغيرها فقد اختلف المفسرون في قوله: ((هَذَا رَبِّي)) عندما شاهد الكواكب والقمر والشمس. وقد صور بعض المفسرين ذلك بأنه (ع) لأول مرة يشاهد الشمس والقمر والكواكب؛ لأنه كان يعيش في نفق تحت الأرض، وعندما شاهدها تعجب وعدها بأنها هي الإله المعبود وهذا التصور واضح البطلان؛ لأن الله أراه ملكوت السماوات والأرض، وآتاه رشده أمن المعقول أو المقبول إنه لم يشاهد لا الشمس ولا القمر طيلة حياته؟ إن ذلك لا يقبله الذوق ولا العقل قطعاً.
والاختلاف وقع بينهم هل إنه قال: ((هَذَا رَبِّي)) على نحو الحقيقة وإنه كان يعتقد بربوبيتها وخالقيتها والعياذ بالله؟ أم أنه قال ذلك ليبين لهم على خطأ عبادتهم لتلك المخلوقات؟
والجواب واضح جدا لمن عرف بأن الأنبياء (ع) معصومون قبل البعثة وبعدها ولا يمكن أن تنقدح في أنفسهم لوثة شرك أبداً...
ثم إن الله تعالى قبل ذكر قضية عبادة الشمس والقمر والكوكب ذكر حاور إبراهيم (ع) مع آزر وبأسلوب الاستنكار قائلاً: ((أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)) (الأنعام:74) ألا يدل ذلك أن إبراهيم (ع) قبل حواره مع قومه في عيادة الكواكب كان موحدا مبعوثا من قبل الله. وحواره مع قومه كان دعوة لهم إلى عبادة الله وإبطال عبادتهم للشمس والقمر والكواكب...
ثم إن الله تعالى أكد بأن قد بَصّر إبراهيم في خلقه أراه ((مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)) وبذلك ملك القدرة الكاملة للدلالات على توحيد الله تعالى. ألا يدل هذا أن إبراهيم (ع) إنما قال ذلك ليستدرج القوم في إبطال ربوبية الكواكب وخطأ عبادتها. قال المحدث المجلسي قدس سره: (أنه (ع) أراد أن يبطل قولهم بربوبية الكواكب إلا أنه كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طبائعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة إلى الله لم يقبلوه ولم يلتفتوا إليه، فمال إلى طريق به يتسدرجهم إلى استماع الحجة، وذلك بأنه ذكر كلاما يوهم كونه مساعدا لهم على مذهبهم، مع أن قلبه كان مطمئنا بالإيمان فكأنه بمنزلة المكره على إجراء كلمة الكفر على اللسان على وجه المصلحة لإحياء الخلق بالإيمان)
وقال الزمخشري في كشافه: (فأرد (إبراهيم) أن ينبههم على الخطأ في دينهم وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤد إلى أن شيئا منها لا يصح أن يكون إلها، لقيام دليل الحدوث فيها، وأن ورائها محدثا أحدثها وصانعا صنعها، ومدبرا دبّر طلوعها وأفولها وانتقالها، ومسيرها وسائر أحولها ((هَذَا رَبِّي)) قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل، فيحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه، لأن ذلك أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب، ثم يكر عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة ((لا أُحِبُّ الآفِلِينَ)) (الأنعام:76) لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين عن حال إلى حال، المتنقلين من مكان إلى مكان، المحتجبين بستر، فإن ذلك من صفات الأجرام)
وذهب العلامة الطباطبائي قدس سره في الميزان إلى أن إبراهيم (ع) قال: (((هَذَا رَبِّي)) جار مجرى التسليم والمجاراة بعد نفسه كأحدهم ومجاراتهم وتسليم ما سلموه ثم بيان ما يظهر به فساد رأيهم وبطلان قولهم، وهذا الطريق من الاحتجاج أجلب لإنصاف الخصم، وأمنع لثوران عصبيته وحميته، وأصلح لإسماع الحجة)
وهكذا يبدو واضحاً من هذه المناظرة التي دارت بين إبراهيم وقومه إن الأنبياء قد عمدوا إلى طرق خاصة في الإقناع، وأن أبا الأنبياء (ع) قد عمد إلى طريقة تدل إلى صفاء ذهنه وسرعة إظهار فساد تلك المعبودات، والتظاهر بالتصديق؛ ليصل إلى غايته، وهي إظهار فساد تلك العبادات وكاشفة لعابديها بأن آلهتهم غير جديرة بالعبادة أو التقديس بأنها آلهة زائفة يقوم دليل الحدوث فيها؛ ذلك بأن لها محدثا أحدثها ومدبرا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها.
ويدل على ذلك حوار الإمام الرضا (ع) مع المأمون في حديث طويل نذكر منه. قال المأمون: (فأخبرني عن قول الله عز وجلّ في إبراهيم (ع): ((فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي)) (الأنعام:76) فقال الرضا (ع): إن إبراهيم (ع) وقع إلى ثلاثة أصناف: صنف يعبد الزهرة، وصنف يعبد القمر، وصنف يعبد الشمس، وذلك حين خرج من السرب الذي اخفي فيه، فلما جن عليه الليل فرأى الزهرة فقال: ((هَذَا رَبِّي)) على الإنكار والاستخبار ((فَلَمَّا أَفَلَ)) الكوكب ((قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِين)) (الأنعام: 76) لأن الأفول من صفات الحدث لا من صفات القدم ((فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي)) على الإنكار والاستخبار ((فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ)) يقول: لو لم يهدني ربي لكنت من القوم الضالين. ((فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ)) من الزهرة والقمر على الإنكار والاستخبار لا على الإخبار والإقرار ((فَلَمَّا أَفَلَتْ)) قال للأصناف الثلاثة من عبدة الزهرة والقمر و الشمس: ((يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) وإنما أراد إبراهيم بما قال أن يبين لهم بطلان دينهم، ويثبت عندهم أن العبادة لا تحق لما كان بصفة الزهرة والقمر والشمس، وإنما تحق العبادة لخالقها وخالق السماوات والأرض، وكان ما احتج به على قومه بما ألهمه الله عز وجل وآتاه، كما قال عز وجل: ((وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبراهيم عَلَى قَوْمِهِ)). فقال المأمون: لله درك يا ابن رسول الله...)

ماذا في صحف إبراهيم (ع): عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف إبراهيم؟، قال: كانت أمثالا كلهاً، أيها الملك المغرور المبتلى إني لم أبعثك؛ لتجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك؛ لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها، وإن كانت من كافر، وعلى العاقل ما لم يكن مغلوباً أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه تعالى، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر في صنع الله، وساعة يخلو فيها بحظ نفسه من الحلال، فإن هذه الساعة عون لتلك الساعات، واستجمام للقلوب، وتفريغ لها، وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه فإنه من حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه، وعلى العاقل أن يكون طالبا لثلاث: مرمة لمعاش وتزود للمعاد، ولذة في غير محرم)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com