موقع الصراط ... الموضوع : أخلاقية التعامل مع الله سبحانه
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أخلاقية التعامل مع الله سبحانه  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 17 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  بقلم: السيد زهير الأعرجي
jameel مقدمة:
تنطلق فلسفة العلاقة بين الإنسان والخالق سبحانه وتعالى، من فكرة تتعلق بالوجود والحياة، وتتلخص بقاعدة بسيطة هي ضعف المخلوق وضآلته وقوة الخالق وجبروته.. ولهذا صرّح الخالق عزّ وجلّ في كتابه الحكيم، برجوع كل أمر إليه، وحاجة كل شيء في الكون إليه، لأنه هو المدبّر لهذا الكون، المتصرّف فيه، الفعّال لما يريد، وهو الخالق البارئ المصور.. يقول تعالى: {... وإليه يُرجع الأمر كله، فاعبده وتوكل عليه...} (هود: 123).. فالتوكل إذن؛ ظاهرة كونية طبيعية بين مخلوق متناهي الضعف، مسلوب القدرة، خالق عزيز مقتدر.. وبعبارة مختصرة، فإن التوكل هو تفويض الإنسان المؤمن جميع أموره إلى الله سبحانه وتعالى، مع ملاحظة أن هذا التفويض لا يتعارض مع مفهوم السعي في الأرض الذي تؤكده الآيات القرآنية المتعددة.. بل إن التوكل على الله سبحانه وتعالى يسدد عمل الإنسان، ويدفع سعيه الجاد الحثيث من أجل كسب لقمة العيش وبناء الأرض.. فالإنسان المتوكل إنما يطلب من الله سبحانه أن يسدد خطاه، وأن يرسم له الطريق المستقيم في الحياة، وكأنّ الله عز وجل هو الذي يتدخل بمشيئته الربانية في حياة ذلك الإنسان.. {... وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى...} (الأنفال: 17).
ويرسم الإسلام صورة دقيقة لمعنى التوكل، عندما يربط إرادة الإنسان الخلاقة وتفويض الأمور الحياتية إلى الله سبحانه.. فيؤكد القرآن الكريم ضرورة التأكيد على عزم الإنسان وتصميمه, وإلى ضرورة ربط المسببات بالأسباب.. ولذلك عندما أهمل الأعرابي ناقته، وقال: توكّلت على الله. قال له النبي (ص): "اعقلها وتوكل". أي أن التوكل لا يعني أن يفرط الإنسان في أعمال، فيجعلها تصل درجة الانفلات.. أعقل وتوكل، أي إسْعَ وأجهد باليد والفكر، ثم توكل على الله فهو مسددك.. ويؤكد القرآن الكريم مفهوم (أعقل)، مخاطباً المؤمنين: {... خذوا حذركم...} (النساء: 71)، ويقول تعالى أيضاً في كيفية صلاة الخوف: {... وليأخذوا حِذرَهم وأسلحتهم...} (النساء: 102). {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل...} (الأنفال: 61). وهكذا يصوّر لنا القرآن الكريم: إن التوكل على الله سبحانه لا ينفي بذل الإنسان كل ما يستطيع من جهد ومشقة لتحصيل ما يرمي الحصول عليه، بل إن التوكل هو الوسيلة التي يتوسل بها الإنسان ليضمن استقامة الطريق الذي يسير عليه، فهو يوكل أمره إلى الله ليهديه إلى طريق واضح، ينكشف فيه نور الحقيقة والحياة المشرقة.. ولذلك حبّب القرآن الكريم عملية توكل الإنسان على الله في أعماله، فيقول تعالى: {... وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} (المائدة: 23). {... وعلى الله فليتوكل المؤمنون} (آل عمران: 160). {... إن الله يحب المتوكلين} (آل عمران: 159). {... ومن يتوكل على الله فهو حسبه...} (الطلاق: 3). {... ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم} (الأنفال: 49). {إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئاً إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} (المجادلة: 10). {والله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون} (التغابن: 13). {فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون}(الشورى: 36). {... إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب} (هود: 88).

أصول التوكل:
يلخص التاريخ معنى التوكل على الله سبحانه في واقعة فريدة من نوعها في التاريخ الإسلامي، وهي واقعة "أحد" التي فتحت في المسلمين جرحاً عميقاً، وذلك بعد أن عصى بعض المسلمين الله سبحانه وتعالى، فانهزموا وولوا الأدبار، وعصوا الرسول (ص) عندما أمرهم بالوقوف والثبات في موضع مهم، فلم يطيعوه، وشاع في تلك الفترة بين الناس أن الرسول محمداً (ص) قد قُتِل، فقال بعض المتخاذلين: ليت لنا رسولاً إلى (عبد الله بن أبي) وهو رئيس المنافقين، فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان. يا قوم إنّ محمداً قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم. قال أنس بن النضر: يا قوم؛ إن كان محمد قد قُتِل، فإن رب محمد لم يُقتَل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد، أللّهم؛ إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، فشدّ بسيفه، فقاتل حتى قُتِلَ.
في تلك الفترة العصيبة من تاريخ الرسالة، روّج المنافقون الكثير من الإشاعات المحبطة للعزيمة، في محاولة لبث روح اليأس بين المؤمنين، فقالت الإشاعات إن المشركين قد جمعوا وأعدوا، وإن مصير المؤمنين القتل والفناء وهتك الأعراض.. في تلك الفترة الحرجة قدّم الإسلام أول درس في معنى الارتباط الروحي بالله سبحانه، فثبت قاعدة التوكل على الله سبحانه والاستعانة به والاعتماد عليه، خاصة في ظروف الشدة والمحنة، لأن ما يتعلمه الإنسان في المحنة يسهِّل عليه ممارسته في اليسر والرخاء.. فيصف القرآن الكريم هذه الحالة وذلك الظرف وصفاً رائعاً.. يقول تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} (آل عمران: 173). والناس في الحال الأولى، غير الناس في الحال الثانية.. فالمراد بالناس في الحال الثانية، هم المشركون الذين أرادوا إبادة المسلمين، وفي الحال الأولى، هم المتخاذلون المثبطون، الذين كانوا يستخدمون مختلف الأساليب لتثبيط المؤمنين المقاتلين، وإخماد عزيمتهم لقتال المشركين.. إن التوكل على الله سبحانه، إنما يرسخ الإيمان، ويثبت الطمأنينة في قلب الإنسان المؤمن.. ولذلك يقول القرآن: {فزادهم إيماناً}..
والحقيقة إن السعي في الحياة يتطلب أسباباً طبيعية وأخرى روحية غيبية، أو نفسية كما يصطلح عليها الغربيون.. فالخوف والتهيب لا ينتج إلا عن شيء لا يفسر إلا تفسيراً واحداً ألا وهو اختلل الحال النفسية والشعورية للإنسان.. وكذلك الحزن وسوء الظن وفساد النية والطيش وغيرها من الأمور... ولا شيء يصحح هذا الاختلال النفسي، والاضطراب الروحي غير التوكل على الله سبحانه وتعالى.. ولذلك يقول الباري عزّ وجلّ: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره...} (الطلاق: 3).
ويثبت القرآن الكريم خمس صفات أساسية في شخصية الإنسان المؤمن، الواعي لحقيقة الإيمان، ومن هذه الصفات التوكل على الله سبحانه وتعالى.. يقول عزّ وجل: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تُليت عليهم آياتُهُ زادتهم إيماناً وعلى ربِّهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم} (الأنفال: 2 ـ 4). والصفات التي يتناولها القرآن الكريم هي: وجل القلب عند ذكر الله، زيادة الإيمان عند استماع آيات الله، التوكل على الله، إقامة الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله سبحانه.. وقد روعي في ذكر هذه الصفات، الترتيب الذي بينها بحسب الطبع، فإن نور الإيمان إنما يشرق على القلب تدريجاً، فلا يزال يشتد يتضاعف حتى يتم ويكمل بحقيقته، فأول ما يشرق يتأثر القلب بالوجل والخشية إذا تذكر بالله عند ذكره، وهو قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}.
ثم لا يزال ينبسط الإيمان ويتعرق وينمو ويتفرع بالسير في الآيات الدالة عليه تعالى، والهادية إلى المعارف الحقة، فكلما تأمّل المؤمن في شيء منها زاده إيماناً، فيقوى الإيمان ويشتد حتى يستقر في مرحلة اليقين، وهو قوله تعالى: {وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيماناً}.
وإذا زاد الإيمان وكَمُلَ كمالاً، عرف عندئذ مقام ربه وموقع نفسه، معرفة تطابق واقع الأمر، وهو أنّ الأمر كله إلى الله سبحانه، فإنه تعالى وحده هو الرب الذي إليه يرجع كل شيء، فالواجب الحق على الإنسان أن يتوكل عليه ويتبع ما يريده منه بأخذه وكيلاً في جميع ما يهمه في حياته، فيرضى بما يقدر له في مسيرة الحياة، ويجري على ما يحكم عليه من الأحكام ويشرعه من الشرائع، فيأتمر بأوامره، وينتهي عن نواهيه، وهو قوله تعالى: {وعلى ربهم يتوكلون}.
ثم إذا استقر الإيمان على كماله في القلب، استوجب ذلك أن ينعطف العبد بالعبودية إلى ربه، وينصب نفسه في مقام العبودية وإخلاص الخضوع وهو الصلاة، وهي أمر بينه وبين ربه، وأن يقوم بحاجة المجتمع في نواقص مساعيهم بالإنفاق على الفقراء مما رزقه الله من مال أو علم أو غير ذلك، وهو أمر بينه وبين سائر أفراد مجتمعه، وهو قوله تعالى: {الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}.(1)
وراعى الإسلام في مفهوم التوكل، إرادة الإنسان أيضاً، فوافق بين عزيمة الإنسان وتصميمه على عمل شيء، والتوكل على الله في تسديد ذلك العمل.. وهذا ما ذكَّر الله به المؤمنين بعد غزوة "أحد"، مخاطباً رسول الله (ص): {فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} (آل عمران: 159). فالإرادة والتصميم الحازم هما الأساس في التوجه نحو العمل، وإنما يتوكل الإنسان على الله سبحانه، بطلب تسديد العمل، وطلب النصرة، والتوفيق.. فـ "التوكل هو أن ينكشف للعبد بنور الحق أن لا فاعل إلا الله، وأن كل موجود، من خلق ورزق وعطاء ومنع وغنى وفقر، وصحة ومرض، وحياة وموت... إلى غير ذلك، متفرد بإبداعه وختراعه هو الله تعالى لا شريك له فيه، وإذا انكشف له هذا لم ينظر إلى غيره، بل كان منه خوفه وإليه رجاؤه، وبه ثقته وعليه اتكاله".(2) والتوكل موقوف على أن يعتقد الإنسان اعتقاداً جازماً بأن لا موجود ولا محرك إلا الله، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن له تمام العلم والقدرة على كفاية العباد، ثم شمول العطف والرحمة والعناية بالناس، وأنه ليس وراء منتهى قدرته قدرة، ولا وراء منتهى علمه علم، ولا وراء منتهى عنايته عناية، فمن اعتقد ذلك اتكل قلبه على الله، واطمأنت سريرته بذلك، كما قال سبحانه وتعالى: {... أولم تؤمن؟ قال: بلى! ولكن ليطمئن قلبي...} (البقرة: 260).
ويقول الإمام الصادق (ع) في هذا الصدد: من أُعطي ثلاثاً لم يُمنع ثلاثاً: من أعطي الدعاء أعطي الإجابة، ومن أعطي الشكر أعطي الزيادة، ومن أعطي التوكل، أعطي الكفاية. أما تلوت كتاب الله عز وجل: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه}، و{لئن شكرتم لأزيدنكم}، {ادعوني استجب لكم}.
ويخاطب القرآن الكريم أولئك الذين يعتمدون على عباد أمثالهم، وينسون التوكل على الله سبحانه، فيذكرهم بأن الرزق والحياة والمصير والأقدار كلها بيد الله سبحانه، فيقول تعالى: {إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم..} (الأعراف: 194). {... إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه...} (العنكبوت: 17). {... ولله خزائن السماوات والأرض ولكنّ المنافقين لا يفقهون} (المنافقون: 7). {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولنّ الله قل افرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هنّ كاشفات ضرِّه أو أرادني برحمة هل هنّ ممسكات رحمته، قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} (الزمر: 38). والآيات الكريمة المذكورة آنفاً تهاجم بشكل عام، الذين يجعلون لله أنداداً يقدمون لهم الولاء والطاعة، ويحسبون أنهم بولاء هؤلاء الأنداد إنما يستطيعون دفع السيئات والابتلاءات ومصاعب الحياة.. وينسون أن الأمر الأول والأخير بيد الله سبحانه، وأن تقدير الأمور وتقسيم الأرزاق بيده عزّ وجلّ، فَلِمَ الاعتماد على غيره، وهو القادر الحكيم، المقتدر الرازق، جبار السماوات والأرض؟.. إن الذين لا يتوكلون على الله في أعمالهم هم بلاشك من الأخسرين أعمالاً، الذين خسروا الدنيا والآخرة، وليس لهم في الآخرة إلا الحسرة والندم والعذاب..
ويذكر لنا القرآن الكريم قصة بني إسرائيل، وكيف أمرهم الله سبحانه وتعالى بالتوكل عند المواجهة، فنكلوا بموسى (ع)، وقالوا له اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هنا قاعدون. وفي أمالي المفيد، بإسناده عن أبي حمزة عن أبي جعفر (ع) قال: لما انتهى بهم موسى إلى الأرض المقدسة، قال لهم: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين}(المائدة: 21)، وقد كتبها الله لهم: {قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبّارين وإنّا لن ندخلها ماداموا فيها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون * قال رجلان من الذين يخافون(3) أنعم الله عليهما(4) ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين * قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ماداموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون * قال ربّ إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين} (المائدة: 22 ـ 25). فلما أبوا أن يدخلوها، حرمها الله عليهم، فتاهوا في أربعة فراسخ في الأرض، مدة أربعين سنة. والمعنى المستفاد في هذا الموضع ان التوكل على الله سبحانه، أمر ضروري في ساعات الشدة والمواجهة، لأنه يعطي الإنسان المفهوم الحقيقي للحياة وهي أن أمور العالم والناس راجعة إلى خالق قدير، حكيم، بيده مقدرات كل الأمور.. وهذا هو معنى التوكل على الله.. فهو الاعتماد على تلك القدرة الغيبية الجبارة، تلك القوة المهيمنة على السماوات والأرض.. حيث تعجز قدرة الإنسان المحدودة عن الوصول إلى آفاق أوسع في المحيط الذي يعيش فيه..
ويشير القرآن الكريم إلى أن التوكل على الله سبحانه هو جزء من طاعته عزّ وجلّ، فالتوكيل هو "إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في إدارة أموره، ولازم ذلك قيام إرادته مقام إرادة موكله، وفعله مقام فعله، فينطبق بوجه عام على الإطاعة، فإن المطيع يجعل إرادته وعمله تبعاً لإرادة المطاع، فتقوم إرادة المطاع مقام إرادته، ويعود عمله متعلقاً لإرادة المطاع، صادراً منها اعتباراً، فترجع الإطاعة توكيلاً بوجه عام، كما أن التوكيل إطاعة بوجه عام.
فإطاعة العبد لربه، إتباع إرادته لإرادة ربه، والإتيان بالفعل على هذا النمط، وبعبارة أخرى إيثار إرادته وما يتعلق بها من العمل على إرادة نفسه وما يتعلق بها من العمل. فطاعته تعالى فيما شرّع لعباده وما يتعلق بها نوع من التوكل عليه، وطاعته واجبة لمن عرفه وآمن به، فعلى الله فليتوكل المؤمنون، وإياه فليطيعوا، وأما من لم يعرفه ولم يؤمن به فلا تتحقق منه طاعته".(5) ولذلك جاءت الآية القرآنية لتؤكد هذا المعنى.. يقول تعالى: {الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون} (التغابن: 13).
ويذكر القرآن الكريم أن التوكل على الله إنما هو إرجاع أمر تدبير الأمور والحياة إليه، وانه هو مسبب الأسباب، وينتهي إليه كل سبب.. أما الإنابة فهي الرجوع إلى حكم الله تشريعاً في كل واقعة يستقبلها الإنسان في مسيرة حياته.. وقد جاء التوكل والإنابة في موضع واحد، حيث يقول سبحانه وتعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله، ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب} (الشورى: 10)، والمعنى: وهو كلام محكي للنبي (ص): "إني أرجع في جميع أموري إلى الله سبحانه تكويناً وتشريعاً".. وكذلك يحدث الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم (ص) على التوكل عليه، فيقول تعالى: {وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً} (الأحزاب: 3).
إذن؛ فالتوكل هو أحد الأسباب المتعلقة بالله سبحانه وتعالى، المكملة للأسباب الطبيعية المألوفة، فالإنسان يسعى لإنجاز العمل بكل طاقته، وتسديد ذلك العمل يبقى على الله سبحانه، ولذلك فإن التوكل على الله أمر ضروري في حركة الإنسان في الحياة، لأنَّه يرسّخ العلاقة الحميمة بين المخلوق الضعيف والخالق الجبّار..

مفهوم التوكل والخوف من المستقبل:
يخاف الإنسان في أحيان كثيرة مما يخبئ له القدر، فتراه يخاف المستقبل ويخشاه، لأنه يراه لغزاً، وعنصراً لا يضمن له حياته الرغيدة الهانئة.. هذا الخوف من المستقبل ينبع من مفهوم عدم الثقة بتلك القدرة الغيبية التي تستطيع أن تغير الأحداث، وتمحو المستقبل، لتستبدله بواقع جديد.. تلك هي قدرة الله سبحانه وتعالى..
إن المفهوم القرآني لطبيعة الحياة الإنسانية، يستند إلى حقيقة في غاية الوضوح، وهي أن الله سبحانه وتعالى بيده مقدرات كل شيء، وان الذي يتقي الله سبحانه، ويدين له بالعبودية والطاعة، فإن الخالق عز وجل سوف يفتح له آفاقاً رائعة في مستقبل حياته، ويجعل له أبواباً من الرزق لم يكن ليحسبها يوماً في حياته، ومن يتوكل على الله سبحانه، فإن الله سيكفيه مؤونة الحياة، ويرزقه ما يجعل حياته نعيماً وهدوءً وسكينة.. وفي هذا المعنى يقول القرآن الكريم: {... وأقيموا الشهادة لله، ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه(6) ، إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً} (الطلاق: 2 ـ 3). والمعنى ان الله سبحانه وتعالى سوف يكفي من يتوكل عليه، لا على غيره، وأنّ الله بالغ أمره، يبلغ حيث أراد، وهو القائل: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} (يس: 82). {... قد جعل الله لكل شيء قدراً} (الطلاق: 3)، فما من شيء إلا له قدر مقدور، وحد محدود، والله سبحانه لا يحده حد ولا يحيط به شيء، وهو المحيط بكل شيء.. فالحاضر والمستقبل بيد الله سبحانه، ومن يخش الله ويخافه ويتوكل عليه، فإن المستقبل المشرق للإنسان المؤمن مضمون عند الله سبحانه...
ويؤكد القرآن الكريم أنّ الخالق عزّ وجلّ يملك غيب السماوات والأرض، وأن ما من شيء في السماوات والأرض إلا راجع إليه، وأن ما من أمر في أرجاء الكون الواسع إلا راد إليه، ولذلك فهو جدير بالعبادة، وجدير بالاعتماد والتوكل عليه.. يقول تعالى: {ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون} (هود: 123).
ويبلور القرآن الكريم مفهوماً رائعاً، في وقت يتلوى المسلمون فيه من آثار المعاناة والتشريد والهجرة والحروب مع المشركين.. هذا المفهوم الرائع هو أن الإساءة التي تصيب العدو يجب أن لا تسر الإنسان المؤمن، وكذلك الحسنة التي تصيب العدو يجب أن لا تسوء الإنسان المؤمن.. لأن الولاية والأمر بيد الله سبحانه، وليس للإنسان من الأمر شيء. ولذل يقول تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم...} (الحديد: 23). {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهدِ قلبه} (التغابن: 11).
وكان شعور المنافقين أن غنيمة المسلمين وظفرهم تسوؤهم، وأن القتل والجرح الذي يصيب المسلمين يفرحهم، فيقولون: لقد احترزنا عن الشر، وأمنّا القتل والأذى.. يقول القرآن الكريم في هذا المعنى: {إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون * قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون} (التوبة: 50 ـ 51). والمعنى أن حقيقة الأمر لله وحده، فهو الذي كتب حتمية ما يصيبنا من خير أو شر، وإذا كان الأمر كذلك فعلينا امتثال أمره.. وإذا كان الأمر لله وحده فعلينا أن نتوكل عليه ونرجع الأمر إليه.. فهو القادر على تثبيت الأمور، وهو الناصر وهو الولي، وعليه فليتوكل المؤمنون..

إن القلق النفسي والاضطراب الروحي الذي تعيشه البشرية "المتحضرة" اليوم، إنما مرده ضعف العامل الإيماني في نفس الإنسان، فالإنسان المؤمن يتوكل على الله سبحانه في أعماله، وفي حركاته، فتطمئن روحه، وتتثبت سرائره، ويترسخ الاستقرار في شخصيته ونفسه، لأنه يؤمن أن عليه أن يسعى ويجدّ، وما وراء ذلك فهو على الله سبحانه {وإليه يرجع الأمر كله}.. فالتوكل على الله سبحانه أفضل وسيلة لمعالجة الأمراض النفسية التي تفتك بالبشرية اليوم، فإذا ما علمنا أن الموت بيد الله سبحانه وتعالى: {نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين} (الواقعة: 60)، وأن الرزق بيده عزّ وجلّ: {الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم..} (الروم: 40)، وأن النفع والضر بيد الله سبحانه: {قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً...} (الأعراف: 188)، فَلِمَ لا يتوكل الإنسان على الله سبحانه، والله بيده كل هذه الأمور، وما الذي بقي أيدي الآخرين، إذا كان الموت والحياة والرزق والنفع والضر بيده سبحانه؟.. إذن فالتوكل على الله سبحانه ضمان أكيد لسكينة النفس واطمئنانها لخطوط المستقبل الآتية بلا ريب...

التوكل والطريق الشائك:
في حياة الإنسان أيام صعبة شاقة، فيها الكثير من الأشواك.. أيام يضطهد فيها الإنسان لدينه أو عقيدته أو إيمانه.. أيام تكون فيها عقيدة الإنسان على المحك، فيختبر ويمحص، وهذه هي سنّة الحياة.. إختبارات، فاختبارات، فاختبارات..
وليس أمام الإنسان المبتلى في دينه إلا اختياران: إما البقاء وتحمل مصاعب العمل، والاكتواء بنار التعذيب والفتنة.. وإمّا الهجرة إلى ديار أخرى، حيث الأمن والطمأنينة، حيث ينطلق الإنسان من جديد ليتحرك على نطاق الدعوة إلى الله سبحانه، والعمل الجاد لتثبيت أسس الدين وعقيدة التوحيد.. وهذا ما اختاره المسلمون الأوائل في هجرتهم إلى الحبشة، وهجرتهم الثانية إلى المدينة.. يقول تعالى: {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم(7) في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون * الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} (النحل: 41 ـ 42). فالتوكل والصبر والهجرة في سبيل الله، أمور على الإنسان أن يضعها في حسابه عند الدخول في دائرة الإيمان والإسلام، لأن عقيدة التوحيد تربي الإنسان دائمأً على المعاناة والشدة، فتصوغه صياغة جديدة، فيها الكثير من صفاء السريرة، ونقاء الضمير..
ويذكر لنا القرآن الكريم أن النعمة التي أنعم الله بها علينا، وهي نعمة الإيمان والهداية، تستوجب منا نحن البشر أن نتوكل عليه سبحانه، وأن نصبر على أذى المشركين، في سبيل الدعوة إليه.. يقول سبحانه وتعالى في حديث عن قوم موسى (ع): {قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكنّ الله يمنُّ على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون * وما لنا ألاّ نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا، ولنصبرنّ على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون} (إبراهيم: 11 ـ 12). والمعنى: انه إذا كان من الواجب أن نتوكل عليه ونحن مؤمنون به وقد هدانا سبلنا فلنصبرن على إيذائكم لنا في سبيل الدعوة إليه متوكلين عليه حتى يحكم بما يريد ويفعل ما يشاء من غير أن نأوي في ذلك إلى ما عندنا من ظاهر الحول والقوة.
وفي موضع آخر يصف القرآن الكريم، الحال المجتمع خلال نزول الرسالة الإسلامية ويجمعها.. إنها كانت أمة كافرة بالرحمن، أمة جاحدة لنعمة الله.. وما على الرسول إلاّ أن يتوكل على الله ويبلغ رسالة السماء، فلعل الله هادي تلك الأمة الكافرة.. يقول تعالى: {كذلك أرسلناك في أمةٍ قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب} (الرعد: 30)، فالتوكل على الله سبحانه قرينة لكل المصاعب والمشاق التي يتحملها الرسول في تبليغ رسالته إلى الناس.. فذكر الله والاعتماد عليه سبحانه، بلسم يشفي النفوس المتعبة من أذى الناس، وجحودهم، وجهلهم..
وفي معركة بدر، والموقف الصعب الهائل، حيث الفئة القليلة المؤمنة تجابه الفئة المشركة، القوية العدة، الكثيرة العدد.. كانت هناك فئة من قريش أسلموا بمكة واحتبسهم آباؤهم، واضطروا إلى الخروج مع المشركين إلى بدر حتى إذا حضروها وشاهدوا ما عليه المسلمون من القلة قالوا: مساكين هؤلاء غرهم دينهم، فأجابهم القرآن ان التوكل على الله سبحانه، هو الذي يمنح الإنسان المؤمن القوة والعزيمة، وإن قوة المؤمن وثباته، إنما هما امتداد لإيمانه الراسخ بالله سبحانه وتوكله عليه.. يقول تعالى في هذا الصدد: {إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غرّ هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم} (الأنفال: 49).
وهكذا يعلمنا القرآن الكريم أن التوكل على الله سبحانه في وسط الطريق حيث الأشواك والمعاناة والطريق الدامي، هو العنصر الأساس في استمرار الدعوة لعقيدة التوحيد.. وان الصلة التي تصل الإنسان بالله سبحانه لابدّ وأن تكون في أوثق ما تكون العلاقة به أيام المحن والشدائد.. وأنّ المدّ الإلهي للإنسان المؤمن هو أعظم عدّة يتسلح بها الإنسان في مواجهة الشرك والكفر والإلحاد.. {قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلالٍ مبين} (الملك: 29).

مفهوم التوكل والسعي في الأرض:
حبّب الإسلام بشكل عام السعي في الأرض، وحبّب الجد والاجتهاد من أجل كسب لقمة العيش، وجعل العمل شكلاً من أشكال العبادة، وهذا ينسجم ويتلاءم مع السنة الكونية في الحياة، فالحيوانات تسعى وتكدح من أجل لقمة عيشها، والطيور تسعى منطلقة من أعشاشها في سبيل حبّات الطعام، وهكذا بقية الكائنات.. يقول تعالى: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها، وكلوا من رزقه، وإليه النشور} (الملك: 15). {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله، واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون * وإذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً، قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة، والله خير الرازقين} (الجمعة: 10 ـ 11). فكأن السنّة الإلهية جعلت الأرض موضعاً مذلّلاً للإنسان، أنّى يسعى فإنه يجد مجالاً للرزق وكسب لقمة العيش..
ولذلك فإن الإسلام، لم يجعل مفهوم التوكل على الله، وسيلةً لانقطاع العمل، وعدم السعي باعتبار أن الرزق آت، فلم العمل؟ بل إن الله سبحانه وتعالى ربط بين العمل والتوكل على الله سبحانه.. لأن السعي في الأرض يحتاج إلى تسديد؛ وتوفيق، وليس من يقوم بهذا التسديد غير الله سبحانه وتعالى..
ويؤكد الرسول الكريم محمد (ص)، في مفاهيمه الإسلامية الرائعة، أن الرزق، وثمرات الأعمال، لا تأتي عبر التمني، والتصور، ورسم الأحلام، بل تأتي بالعمل الجاد المخلص.. يقول رسول الله (ص): "ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب، وصدقه العمل، وإن قوماً غرتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا، ولا حسنة لهم، وقالوا: نحسن الظن بالله، وكذبوا، لو أحسنوا الظنّ لأحسنوا العمل". فالتوكل إذن لابدّ وأن يقرن بالعمل.. {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون، وستردون إلى عَالِمِ الغيب والشهادة فينبِّكُم بما كنتم تعملون} (التوبة: 105)
ويقول العلامة النراقي في جامع السعادات: "إن الشارع المقدس كلف الإنسان بطلب الرزق بالأساليب التي هداه الله إليها، من زراعة، أو تجارة، أو صناعة، أو غير ذلك مما أحلّه الله، وبإبقاء النسل بالتزويج، وكلّفه بأن يدفع عن نفسه الأشياء المؤذية بالتوسل إلى الأسباب المعينة لدفعها، وكما ان العبادات أمور، أمر الله تعالى عباده بالسعي فيها، ليحصل لهم بها التقرب إليه والسعادات في دار الآخرة، فكذلك طلب الحلال، ودفع الضرر والألم عن النفس والأهل والعيال أمور أمرهم الله تعالى، ليحصل لهم بها التوسل إلى العبادات وما يؤدي إلى التقرب والسعادة. ولكنه سبحانه كلفهم أيضاً بألا يثقوا إلاّ به، ولا يعتمدوا على الأسباب. كما انه سبحانه كلّفهم بألاّ يتكلوا على أعمالهم الحسنة، بل على فضله ورحمته. فمعنى التوكل المأمور به في الشريعة: اعتماد القلب على الله في الأمور كلها، وانقطاعه عما سواه، ولا ينافي تحصيل الأسباب إذا لم يسكن إليها".
فالتكسب وطلب الرزق إذن، لا ينافي عملية التوكل على الله سبحانه.. بل إنّ طلب الرزق والسعي والتوكل على الله سبحانه من العبادات التي أمرنا القرآن الكريم بممارستها، خاصة وان الأرض قد ذللها الله سبحانه للبشرية، وما على الإنسان إلا أن يجدّ ويتوكل على الله، ليرى أن الأرض قد امتلأت بالأنهار، وان المروج قد امتلأت بالأشجار والأثمار، وان الأرض قد سادها العمران.. تظلّلها كلها عناية رب غفور رحيم..

أجر المتوكلين:
يتوجه الباري عزّ وجلّ في خطاب حنون لعباده المؤمنين، مذكراً إياهم بأن الأرض إذا ضاقت يوماً عن عبادته، فإن فيها متسعاً في مكان آخر، فليهاجروا إلى حيث يعبد الله بحرية لأن أرض الله واسعة.. وان الجنان والجزاء العادل يوم القيامة للمؤمنين الصابرين المتوكلين على الله، الذين لا يرجون من هذه الدنيا غير رضا الله سبحانه.. يقول تعالى: {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون * كل نفسٍ ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون * والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم(8) من الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين * الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} (العنكبوت: 56 ـ 59).
ويذكر الله سبحانه وتعالى أن النعم المادية في الحياة منقطعة وغير دائمة، يتمتع بها الإنسان أياماً ثم تزول، وهذه غير نعم الآخرة التي تبقى مع الإنسان بقاءً خالداً.. وليس هناك أجدر من الإنسان المؤمن المتوكل على الله سبحانه باكتساب هذه النعم التي لا يمكن أن يتصورها إنسان يعيش على هذه الأرض.. يقول تعالى: {فما اوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} (الشورى: 36). {فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضلٍ ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً} (النساء: 175).
إن الحياة الإنسانية بكل أفراحها ومآسيها، لا يمكن أن تعطي الإنسان بُعداً ثابتاً قادراً على خلق المعجزات، لأن الإنسان تكوين هش ضعيف، لا يستطيع التحرك في أركان الحياة من غير الاعتماد والتوكل على ذلك الخالق، القادر، الجبار.. إن توكل الإنسان المؤمن على الله سبحانه، إنما هو باب من أبواب الفهم الحقيقي لقيمة الحياة.. وهو جسر يوصل الإنسان المؤمن بخالقه الكريم ليعينه على مصاعب الحياة الكبيرة وامتحاناتها المتواصلة..

الهوامش:
(1) "الميزان في تفسير القرآن" للعلامة المرحوم السيد محمد حسين الطباطبائي.
(2) "جامع السعادات" للنراقي.
(3) ظاهر السياق أن المراد بالمخافة مخافة الله سبحانه.
(4) إن النعمة إذا اطلقت في عرف القرآن يراد بها الولاية الإلهية.
(5) "الميزان في تفسير القرآن" للمرحوم السيد الطباطبائي.
(6) فهو حسبه: أي كافيه فيما يريده من طيب العيش ويتمناه من السعادة.
(7) لنبوئنهم: من بوّأت له مكانا، أي سويت وأقررته فيه.
(8) التبوئة: الإنزال على وجه الإقامة
المصدر: شبكة أهل البيت للأخلاق الإسلامية
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com