موقع الصراط ... الموضوع : إقامة الدولة الإسلامية بين دعوات الإلغاء وسجال الوجوب والحرمة
 
الخميس - 7 / شوال / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  إقامة الدولة الإسلامية بين دعوات الإلغاء وسجال الوجوب والحرمة  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 18 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  بقلم: علي المؤمن
momen رغم أن الواقع تجاوز السجال حول ضرورة إقامة الدولة الإسلامية، وكشف عن كثير من الحقائق العملية التي ربما لا تتناول النظرية تفاصيلها، بعد أن حول الإمام الخميني نظريته في الحكومة الإسلامية إلى واقع قائم، إلاّ أن هناك اتجاهات عديدة تمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن أكثرها تطرفاً في علمانيته إلى أكثرها غلواً في الدين، لا تزال تمارس الجدل نفسه، وتحاول تحت مختلف الذرائع أن تلغي حاجة الإسلام إلى الدولة، أو تنفي أن يكون للإسلام دولة.
وفي الحقيقة أن عنواني الوجوب والحرمة يثيران - من جانبهما - العديد من علامات الاستفهام، فالحرمة - مثلاً - مفردة شرعية تدل على أن القائل بها يمثل اتجاهاً إسلامياً وليس علمانياً، وهذا يعني أن هناك تيارات فقهية أو كلامية إسلامية تحرم إقامة الدولة الإسلامية في ظرف زمني معين، الأمر الذي يدفع للتعرف على وجهات نظرهم إلى جانب دراسة أدلة القائلين بالوجوب والضرورة; لأن هذا التناقض يدل على وجود إجتهادين يختلفان في مبانيهما الفقهية والاجتهادية وفي النتائج التي يخلصان إليها، رغم أنهما ينتميان إلى مدرسة واحدة وينهلان من منبع واحد ويعتمدان الأساليب الاجتهادية ذاتها.

الموقف التاريخي للاتجاهات الإسلامية:
على المستوى التاريخي لم يكن هناك اتجاه كلامي أو فقهي إسلامي يحرم إقامة الدولة الإسلامية أو الخلافة أو الإمامة، عدا بعض الخوارج، وحتى هؤلاء عادوا ليقولوا بعدم ضرورتها وليس بحرمتها، كما هو رأي بعض المعتزلة. في حين أن المنعطف المصيري الذي تعرضت له مدرسة الإمامة بحدوث غيبة الإمام المهدي عليه السلام، والظروف السياسية التي صاحبت هذا المنعطف واستمرت لفترة أخرى، تسبب بمرور الزمن في ظهور اتجاه فقهي في مدرسة الإمامة يرتكز على معطيات كلامية وفقهية، طرح عنوان الحرمة حيال موضوع الحكم الإسلامي في عصر الغيبة، وليس الحرمة بالمطلق، وإلى جانب هذا الاتجاه هناك من يقول بالوجوب أو الضرورة والجواز المشروط. في حين لا تضم مدرسة أهل السنة اتجاهاً يقول بالحرمة، لعدم اشتراطها -أساساً- العصمة في الحاكم، في أي زمن كان، وبذلك تتشابه اتجاهاتها في النتائج مع اتجاهات مدرسة الإمامة، عدا الاتجاه القائل بالحرمة.
والحقيقة أن الاتجاهات والمذاهب الإسلامية التي سبق أن تناولت موضوع الحكم الإسلامي وكان لها آراء متعددة فيه خلال مراحل تاريخية مختلفة، إنما تناولته تحت عنوان (الإمامة) أو (الخلافة) وليس تحت عنوان (الدولة) أو (الحكومة)، ويمكن تلخيصها في ثلاثة اتجاهات رئيسة(١):
الأول: وجوب الإمامة على الأمة:
وتقول به معظم مذاهب مدرسة أهل السنة، سنة ومرجئة ومعتزلة - عدا جماعة منهم - ومعظم الخوارج. ويذهب هؤلاء إلى أن الإمامة لا بد منها، وهي أمر واجب وفرض محتم. ويقصدون بالإمامة هنا الخلافة أو رئيس الدولة الإسلامية أو الحاكم، وهي إمامة نوعية، وليست الإمامة كما يعتقد بها الشيعة. ثم ينقسم القائلون بوجوب الإمامة على الأمة إلى فرقتين، هما: مدرسة أهل السنة، التي ذهبت إلى وجوب الإمامة شرعاً; لأن الإمام يقوم بأمور شرعية.
والفرقة الثانية تضم بعض المعتزلة وبعض علماء مدرسة أهل السنة، وتقول بوجوب الإمامة عقلاً وشرعاً، وذكروا براهين شرعية وعقلية ووظيفية للدلالة على مذهبهم، فالإجماع هو البرهان الشرعي، وهو حجة قطعية يقينية على وجوب الإمامة (بمعنى الخلافة) بعد الرسول (ص) وفي كل عصر، ويؤكد هذا البرهان أدلة من القرآن والحديث(2). أما البرهان العقلي - الشرعي فيتمثل في ضرورات توفير النظام ودرء الفوضى والحفاظ على حقوق الناس. فيما يرتبط البرهان الوظيفي بأداء الإنسان لوظيفته باعتباره خليفة الله في الأرض وحامل الأمانة.
الثاني: وجوب الإمامة على الله:
وتذهب إليه مدرسة الإمامة، إذ تعتقد بوجوب الإمامة عقلاً على الله، باعتبار أن نصب الإمام لطف من الله تعالى، وكل لطف واجب عليه عقلاً. ويقصدون بالإمامة هنا الإمامة المعصومة المنصوص على مصاديقها، أي الأئمة الإثني عشر. وما عداهم - من أولياء الأمر في عصر الغيبة - فلهم حكم وعنوان مختلفان، إذ تتنوع آراء فقهاء مدرسة الإمامة حيال إقامة الدولة الإسلامية التي يترأسها ولي الأمر الشرعي في عصر الغيبة.
الثالث: جواز الإمامة: وهو اتجاه بعض المعتزلة وبعض الخوارج، إذ يقولون بجواز الإمامة لا بوجوبها ، فلو تكاف الناس عن النظام لاستغنوا عن الإمام. والجواز المشروط يقول به أيضاً بعض فقهاء مدرسة الإمامية فيما يرتبط بعصر الغيبة، إلاّ أن مباني هؤلاء تختلف عن مباني الخوارج والمعتزلة.

دعوات الإلغاء في دائرة الافتراضات:
ولكي لا ندخل في تفصيلات الجدل الفقهي والفكري والفلسفي الدائر حول موضوع وجوب أو حرمة أو جواز قيام الدولة الإسلامية، أو عدم وجود دولة في الإسلام، فإننا نكتفي هنا بتناوله من زاوية الافتراضات العقلية; إذ لا يكاد يخرج الموضوع عن افتراضات ستة، وعلى النحو التالي:
الأول: إن الإسلام لا يرى ضرورة للدولة ويعتقد بعدم حاجة الجماعة البشرية إلى الدولة والحكومة، أياً كان شكلها ومضمونها.
وهذا الافتراض محال; لأنه يصطدم بأبسط حقائق العقل والواقع، وهي حقائق يقر بها الإسلام، كما انه يصطدم بمضامين وأهداف الإسلام نفسه.
الثاني: إن الإسلام يقر بضرورة الدولة، ولكنه يفتقر إلى أي تعاليم بهذا الشأن، أي أنه مجرد تعاليم دينية تربوية وعبادات فردية تربط الإنسان بربه، كما هو الحال مع المسيحية ـ مثلاً ـ وبذلك يترك الإسلام أمر الدولة والحكومة للناس. وهذا الافتراض يصطدم ـ هو الآخر ـ بحقائق الإسلام وأهدافه; باعتباره خاتم الشرائع والدين الكامل الذي أراد الله تعالى من خلاله تحقيق أهدافه على الأرض. كما أن التشريعات الاجتماعية التي يشتمل عليها الإسلام ما هي إلاّ نظم متماسكة شرعت لادارة المجتمع في مجالات الحياة كافة.
الثالث: إن الإسلام يمتلك كل أشكال التشريع التي تستوعب قضايا المجتمع والدولة، ولكنها خاصة بعصر صدر الإسلام أو عصر النبي (ص) ولا تصلح الإله، فتغير الزمان وتطور واقع الحياة يحتاج إلى نظم وقوانين جديدة. وهذا الافتراض بطبيعته يقتضي التعميم، فلا يصح ان يقتصر على تشريعات دون أخرى; لأنه سيتناقض مع نفسه إذا حصر التشريعات التي لا تصلح لزمن الرسول (ص) بالتشريعات الخاصة بالشأن الاجتماعي العام، سياسية كانت أم اقتصادية أم حدود أم أحوال شخصية، ويبقي على باقي الفرائض الفردية كالصلاة ـ مثلاً ـ، فهذا التبعيض غير الموضوعي لا مسوغ له، فإما أن تكون أحكام الإسلام كلها صالحة، أو أن جميعها غير صالح، وفي النتيجة ستؤدي شمولية هذا الافتراض إلى عدم صلاحية الإسلام كله، وستكون البشرية بحاجة إلى دين جديد.
الرابع: إن الإسلام يمتلك كل أشكال التشريع التي من شأنها تنظيم حياة المجتمع، وهي مستمرة في صلاحيتها، ولكنه يفتقر إلى التشريعات المتعلقة بالأداة التنفيذية لتطبيق هذه النظم، والمراد بالأداة هنا الحكومة. أي أن الإسلام يترك للناس اختيار مضمون وشكل الحكومة التي يريدونها، ولا يتدخل هو في هذا الشأن البشري. ويعني هذا الافتراض أن الإسلام جاء بالتشريعات ثم أدار ظهره لتطبيقها; إذ لا يمكن لتلك النظم أن تطبق دون وجود أداة تنفيذية (الحكومة)، كما لا يمكن أن نتوقع من حكومات تحمل مضامين وأشكال وضعية أن تكون الأداة التنفيذية لتطبيق أحكام الشريعة. ومن جانب آخر فإن الإسلام شرَّع بدقة لآليات تنفيذ أحكامه وحدد مواصفاتها وأساليب حركتها وعملها.
الخامس: إن الإسلام يدعو لتأسيس دولته التي تحكم بالشريعة وتعمل على تطبيقها، ولكنه يضطر لتعطيل هذه الدعوة; وبمعنى آخر يضطر لتعطيل قسم كبير من أحكام الشريعة الإسلامية، بسبب غياب المعصوم (ع) الذي له وحده الحق بتأسيس الحكم الإسلامي وتطبيق كامل الشريعة.
وهذا الافتراض يجوّز تعطيل أحكام الإسلام مدة غير معلومة قد تقصر وقد تطول عدة آلاف من السنين; لأن ظهور المعصوم (ع) هو في علم الله تعالى. فإذا احتسبنا فترة حياة المعصومين (من بعثة النبي (ص) وحتى غيبة الإمام المهدي) فسنجد أنها لن تتجاوز (٣٤٠) عاماً، أي أن القدر المتيقن الذي وجب فيه تعطيل نصف أحكام الإسلام حتى الآن هو أكثر من ألف سنة (منذ بدء الغيبة الكبرى)، وسيبقى كذلك حتى ظهور المعصوم (ع)، حينها سيعود الإسلام ليمارس وضعه الطبيعي، ثم سيتعطل ثانية ذلك المقدار من أحكام الإسلام بعد عصر المهدي عليه السلام. وتختص بعض الاتجاهات الفقهية في مدرسة الإمامة بهذا الافتراض. ومن أجل إثباته والبرهنة عليه، فإن هذه الاتجاهات تعتمد نصوصاً وردت عن الأئمة (ع) في تحريم أو الردع عن الدعوة إلى إقامة الحكومة في عصر غيبة المعصوم (ع)، وقد روى كثيراً منها الشيخ الحر العاملي في وسائل الشيعة(3) والعلامة المجلسي في بحار الأنوار(4)، وهي بمجموعها تتقارب في المضمون مع الحديث المروي عن الإمام جعفر الصادق (ع): ((كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله عز وجل))(5).
السادس: إن الإسلام لا يعطل قسماً من أحكامه في عصر غيبة المعصوم، بل يدعو لتطبيقها بالكامل، ولكن في سبيل تطبيق أحكام الإسلام وإقامة الحكومة الإسلامية، لا يجوز الخروج (الثورة) على الحاكم الظالم وإراقة الدماء; لأن ذلك من صلاحيات المعصوم فقط. وهذا الافتراض الذي تختص به - أيضاً - بعض الاتجاهات الفقهية في مدرسة الإمامة، يقر ابتداءً بأن تطبيق أحكام الإسلام بحاجة إلى حكومة كما كان على عهدي الرسول (ص) والإمام علي (ع)، ولكنه لا يجوز إقامة الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة بالقوة والغلبة، لأنه يوقف ولاية الحكم على المعصوم فقط، ولا ولاية لغيره. وحيال هذا الافتراض يطرح تساؤل أساسي عن كيفية إقامة الحكومة وطرقها، هل بالطرق السلمية، أي استلام السلطة عبر الانتخابات والاستفتاءات العامة، أم بمبادرة احد الحكام بتسليم السلطة لمن يسعى لتطبيق الشريعة الإسلامية؟ وهذا يعني أن كثيراً من أحكام الإسلام ستبقى معطلة فيما لو لم تتوافر الفرصة لهذين الأسلوبين. كما أن هذا الافتراض يصطدم بأحكام الإسلام الثابتة وبمساراته التاريخية، وهي بمجملها تدعو لردع الظالم وعدم الخضوع للباغي، كما تدعو لتطبيق الشريعة الإسلامية بالأساليب والآليات التي شرعتها.
ويشير الإمام الخميني إلى هذا النوع من الأفكار، ويعدها نتاجاً استكبارياً يهدف إلى إبعاد المسلمين عن الاهتمام بشأنهم السياسي، فيقول: (لقد قام أعداؤنا ببث دعاياتهم، والمؤسف هو وقوع بعض أفراد مجتمعنا تحت تأثيرهم... لقد أوحى إلينا المستعمرون أن الإسلام ليس فيه حكومة، ولا يمتلك نظام حكم، وعلى فرض وجود أحكام فيه، فليس لديه سلطة تنفيذية (حاكم)، وخلاصته أن الإسلام مشرع فحسب، ومن الواضح أن هذه الدعايات جزء من مخطط المستعمرين لإبعاد المسلمين عن السياسة وأساس الحكومة. وهذا الكلام يخالف عقائدنا ومفاهيمنا الأساسية)(6).
إذ أن التشريع يبقى مجمداً إذا لم تكن هناك أداة تنفيذية من جنس التشريع، تعمل على إخضاع الواقع له. ومن هنا يقول الإمام: (بعد تشريع القانون يجب إيجاد سلطة تنفيذية. ففي التشريع أو الحكومة إذا لم يكن ثمة سلطة تنفيذية يكون هناك نقص. ولذا فالإسلام قام بوضع القوانين وعين سلطة تنفيذية أيضاً، فولي الأمر هو المتصدي لتنفيذ القوانين أيضاً)(7). أما الهدف من وراء وضع المقولات التي تنقض هذه الحقائق فيتمثل ـ كما يقول الإمام الخميني ـ في (إبعاد الدين عن التصرف في أمور الدنيا، وعن تنظيم المجتمع الإسلامي، وفصل علماء الدين ـ من خلال ذلك ـ عن الشعب)(8). وفي خصوص الافتراضين الخامس والسادس، يناقش أحد الفقهاء بأساليب استدلالية (روائية وعقلية) موضوع اشتراط بعض الفقهاء العصمة في رئيس الحكومة الإسلامية، والردع عن تأسيسها وعن إعلان الثورة وإراقة الدماء في عصر الغيبة، بل واستحالة إمكانية تأسيس الدولة الإسلامية فيه، ثم يطرح الروايات الواردة في هذا المجال ومراميها وأهدافها، ويرد عليها ويضعف حجة المتمسكين بها، ويرفض تفسيراتهم القسرية لهذا النوع من الروايات، بعد أن يضع الصحيح منها في سياقاته وظروفه التاريخية، كما يبين اصطدام تلك الحجج والتفسيرات بحقائق الإسلام والشرع والتاريخ، وتعارضها مع روايات صحيحة أخرى(9).
والحقيقة أن من التعسف العلمي والموضوعي اختصار الإسلام في هذه الافتراضات، في محاولات تختلف في نواياها، ولكنها تتفق في نتائجها على إقصاء الإسلام عن دوره وغاياته الحقيقية، فتعتبره مجرد طقوس وشعائر عبادية، أو تذهب إلى عدم حاجة أحكامه للأداة التنفيذية الاجتماعية أو إلى إمكانية تعطيل كثير من هذه الأحكام في ظل ظروف معينة. وإذا اختصرنا مضمون الحكومة الإسلامية برعاية شؤون الأمة في إطار تطبيق الشريعة الإسلامية، فسنرى أن هذا المضمون لصيق بأهداف الإسلام وغاياته ووسائله، إذ لا يمكنه تحقيق هذه الأهداف على النحو والشمولية التي ينشدها، دون إقامة نظمه وكيانه الحضاري المستقل، كما لا يمكنه تحقيقها في ظل نظام وكيان حضاري يتقاطع مع مبادئ الإسلام.

ضرورة الدولة الإسلامية في ميزان الأدلة:
لقد أشبع العلماء والمفكرون الإسلاميون المعاصرون موضوع لزوم إقامة الدولة الإسلامية وضروراتها الموضوعية، واستدلوا على ذلك بمناهج متنوعة. وكانت هذه المناهج - قبل تبلور نظرية الإمام الخميني في الحكومة الإسلامية - لا تخرج في الغالب عن الإطار الفكري، في حين أن المنهج الفقهي المتكامل الذي طرحه الإمام الخميني في مجال (لزوم إقامة الحكومة الإسلامية)، والذي جمع فيه بين الأدلة الشرعية والأدلة العقلية، وباستخدام أسلوب اجتهادي تجديدي، أحدث ثورة علمية في مجال الفقه السياسي الإسلامي، ولا سيما على مستوى مدرسة أهل البيت عليه السلام.
فقد قسّم الإمام هذه الأدلة أو الضرورات(١0) إلى ما يلي:
1- ضرورة وجود المؤسسات التنفيذية.
2- سيرة الرسول الأعظم (ص) والإمام علي (ع).
3- ضرورة استمرار تنفيذ الأحكام.
4- حقيقة قوانين الإسلام، ولاسيما الأحكام المالية وأحكام الدفاع وأحكام القضاء والجزاء.
5- ضرورة الثورة السياسية.
6- ضرورة الوحدة الإسلامية.
7- ضرورة إنقاذ المظلومين والمحرومين.
8- الحديث الشريف.
وفي إطار هذا المنهج، يمكن إجمال أدلة لزوم إقامة الدولة الإسلامية وضروراتها الموضوعية بثلاثة محاور: طبيعة الإسلام وأهدافه، الأصول المقدسة، والسيرة والتاريخ الإسلامي، وعلى النحو التالي:
1- طبيعة الإسلام وأهدافه:
جاء الإسلام ليسود الأديان والشرائع الإلهية وليكون خاتمها، وهذه السيادة والخاتمية تنطويان على حتمية. تتجلى في كمال الدين الخاتم وتكامله; لتحقق السماء من خلاله غاياتها النهائية على الأرض، وهي الغايات التي استخلف الله تعالى من أجلها الإنسان، وبعث الأنبياء والرسل ليكونوا قادة لمسيرة الخلافة وشهوداً عليها.
ومسيرة الخلافة والشهادة - بالصورة التي أرادها الله تعالى - هي تجسيد لولايته وحاكميته في الأرض; فلا يمكن للولاية الإلهية أن تتجلى على ارض الواقع إذا ظلت حبيسة المفاهيم، فلا بد لها أن تستمر وتتجلى في مصاديق محسوسة تكون حجة على الناس وتتمثل هذه المصاديق في:
أ- الرسول (ثم الإمام استمراراً له).
ب- الرسالة، أو الشريعة.
ج- المرسل إليه، أو الإنسان.
د- الأداة، أو النظم التي تطبق الشريعة.
وإذا تصورنا هذه المصاديق في كرة تدور بحركة محورية فسنجد أن الرسول (ص) هو مركز الكرة ومحور حركتها، والرسالة أو الشريعة هي جسد الكرة ومادتها، في حين أن الطاقة التي تحرك هذا الجسد وتعطيه القوة الواقعية هي الحكومة أو أداة تطبيق الشريعة، أما الإنسان فهو هدف هذه الحركة والواقع الذي تريد التأثير فيه وبناءه.
ويتوزع موضوع طبيعة الإسلام وأهدافه - التي تفرض إقامة الحكومة الإسلامية - على عدة محاور، أهمها:
أولاً- شمولية الأحكام الإسلامية:
تفرض طبيعة التكامل في الإسلام تكاملاً آخر في أحكامه وقوانينه، وإذا وضعنا الأحاديث التي تؤكد هذا المعنى جانباً، كالحديث المروي عن الإمام الصادق ((ما من شيء إلاّ وفيه كتاب وسنة))(١1)، وتمسكنا بالواقع، فسنجد أن أحكام الشريعة الإسلامية التي أشار إليها القرآن الكريم والسنة الشريفة، تشتمل على كل مجالات الحياة وتستوعب الواقع بكل أشكاله. وتعنى هذه الأحكام بتنظيم حياة الإنسان والجماعة، على الصعد كافة: السياسية والاقتصادية والدفاعية والحقوقية وغيرها، وهذه الأنماط من الأحكام تدخل في صلب عمل الدولة، ولا تقوم إلا بها، فاختصار الإسلام في الجوانب العبادية والأخلاقية - كما يسعى إليه العلمانيون في العالم الإسلامي تأسياً بمفكري عصر النهضة الأوربية - يتناقض مع شمولية الأحكام والتشريعات الإسلامية. يقول الإمام الخميني: (الإسلام يخطط لحياة الإنسان قبل أن يولد، ويعين له المسار وهو عضو في العائلة وفي المجتمع، وقد وضع الإسلام أساس العائلة وعين تكليف كل فرد منها، حتى يصل المرء إلى سن الدراسة والتعليم ويدخل معترك الحياة. والإسلام ينظم العلاقات بين البلدان والدول والأواصر التي تربط الشعوب بعضها ببعض... ولديه لكل هذه الأمور برامج وخطط، وواجبات وتكاليف أوضحها الشرع المطهر، الذي لم يقتصر على الصلاة والدعاء والزيارة... فثمة أبواب أخرى، كالسياسة وإدارة البلاد)(12).
ويذكر الإمام الخميني في كتاب (الحكومة الإسلامية)(13) ثلاثة نماذج من التشريعات التي لا يمكن تطبيقها والعمل بها إلاّ من قبل سلطة الدولة، وهي:
1- الأحكام المالية، التي شرعت لإدارة المجتمع والدولة، كالزكاة والصدقات والخمس والجزية والخراج، إذ لا يمكن تطبيق هذه الأحكام والتصرف بما ينتج عنها من موارد مالية ضخمة إلاّ من قبل الدولة الإسلامية.
2- أحكام الدفاع، وهي خاصة بالحفاظ على سيادة الدولة الإسلامية واستقلالها وحماية أراضي الأمة الإسلامية ومقدراتها وأفرادها. وهذه المهمة تفرض وجود قوات مسلحة وجيش منظم، وهو أمر لا يقدر على التخطيط له أو انجازه سوى الدولة.
3- أحكام القضاء والجزاء، كالحدود والديات والقصاص، التي ترتبط بتنظيم جانب الحقوق في المجتمع الإسلامي، وهي الأخرى لا يمكن تطبيقها إلاّ بإشراف الحاكم الشرعي ومن قبل سلطات الدولة الإسلامية.
وهناك أيضاً أنماط أخرى من الأحكام التي تدخل في إطار فقه الدولة الإسلامية، كأحكام الفقه السياسي، لا مسوغ لتشريعها أساساً إذا لم يكن الإسلام يهدف إلى بناء دولته المستقلة التي تحقق أهدافه وتقوم على مبادئه وعقيدته. وعلى خلاف ذلك هل يمكن أن يطلب الإسلام من سلطة أو دولة أخرى لا تؤمن به إيماناً كاملاً أن تطبق أحكامه المالية والاقتصادية والدفاعية والقضائية وغيرها؟ وفي هذا المجال يقول الدكتور محمد المبارك: (إن مجموع الأحكام الجنائية والمالية والدولية والدستورية، لا يمكن أن يعقل إيرادها والالتزام بها التزاماً يعتقد المؤمن بالإسلام بوجوبه والإثم بتركه إلاّ إذا كان القرآن يفرض على المسلمين تنظيم الحكم وإقامة الدولة. ولا يعقل أن يقدم الإسلام في قرآنه هذه الأحكام لدولة لا تؤمن به أو لا تقوم على أساس عقيدته ومبادئه)(14).
ثانياً- تنفيذ الأحكام الإسلامية:
وجود هذا الكم الهائل من التشريعات والأحكام التي ترتبط بحياة الجماعة المسلمة وتهدف إلى تنظيمها، يبقى مجرد قوانين نظرية ترددها الألسن أو محفوظة بين دفات الكتب، إذا لم تكن هناك أداة مقتدرة لتطبيقها ولإدارة عملية التنفيذ.
وهذه الأداة لا شك بحاجة إلى أجهزة متنوعة، يأخذ كل منها جانباً من هذه التشريعات، فأحكام الفقه السياسي والاقتصادي وتنظيم الجانب العام في علاقات أفراد الجماعة يحتاج تطبيقها إلى سلطة تنفيذية ذات صلاحيات واسعة حدد طبيعتها الفقه الإسلامي والنظم السياسية والإدارية المنبثقة عنه. كما أن تشريعات القضاء والجزاء وإحقاق الحقوق يحتاج تطبيقها إلى سلطات قضائية مستقلة.
أما عملية تحويل الأحكام الشرعية إلى مواد وقوانين ملزمة للجماعة وأجهزة الحكم كافة، فإنها بحاجة إلى سلطة تقنين على جانب كبير من التخصص. وتبقى أحكام الدفاع، وهذه لا بد للعمل بها من قوة منظمة تتمتع بالعدة والعدد اللازمين. ومجموع هذه السلطات والأجهزة لا تستوعبها إلاّ دولة مستقلة تستقي شكلها ومضمونها من العقيدة والمبادئ التي أفرزت هذه الأحكام والتشريعات، وتهدف إلى إخضاع واقع جماعة المسلمين لهذه الأحكام، وتكييف حياتها وفقاً للتصور الإسلامي; لأن فقه الجماعة يخضع تطبيقه لإرادة جماعية تتمثل في كيان شامل يتمتع بسلطة ملزمة للأفراد والجماعة.
ولا يمكن تحقيق هذا الهدف دون حكومة أو دولة، أما فقه الإفراد فهو الذي ينفذ الأفراد أحكامه ـ عادة ـ في إطار إرادة فردية دون الحاجة لسلطة عامة، وتشكل العبادات معظم مساحاته. وهذا المقدار من أحكام الشريعة ـ الخاص بالأفراد ـ يمكن تطبيقه وممارسته دون الحاجة لإرادة جماعية أو دولة وحكومة، ومن خلالها يستمر الإسلام في الممارسات الخاصة للناس وفي عقولهم وضمائرهم، كما هو الحال مع المسيحية ـ مثلاً ـ أما الأحكام العامة ـ التي سبق الإشارة إليها ـ فإنها تتعطل وتتجمد إذا لم تجد الإرادة الجماعية التي تنفذها.
وهذه الإرادة هي في حقيقتها الأداة التنفيذية للإمامة الشرعية التي تعمل أجهزة الدولة بإشرافها وتوجيهها.
وطبيعة التشريعات الإسلامية تقتضي استمرارها; لأنها لم تشرع لزمن الرسول (ص) أو عصر صدر الإسلام وحسب; فحلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة - كما هو مضمون الحديث الشريف- .
وفي هذا الخصوص يقول الإمام الخميني: (إن ضرورة تنفيذ الأحكام التي استلزمت تشكيل حكومة الرسول الأكرم (ص) ليست منحصرة ومحدودة بزمانه، فهي مستمرة أيضاً بعد رحيله)(١5). وإذا كان رسول الله (ص) قد أشاد كيان الإسلام الذي يطبق أحكام الله وينفذ أوامر الرسول (ص) ونواهيه، فإن استمرار تطبيق الشريعة مرهون أيضاً باستمرار هذا الكيان وحركته بعد رحيل رسول الله (ص) وإلى يوم القيامة - كما يدل الحديث الشريف - . وإذ عهد الله تعالى للأئمة (ع) مهمة متابعة حركة الرسول (ص) فإن حماية الشريعة وتطبيقها في عصر الغيبة تقع على عاتق نواب الأئمة، أي الفقهاء.
ومن هذا المنطلق جاءت كلمة الإمام الخميني التي تلخص مبدأ ولاية الفقيه: (إذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عادل، فإنه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي (ص) منهم، ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا. ويملك هذا الحاكم من أمر الإدارة والرعاية والسياسة للناس ما كان يملكه الرسول (ص) وأمير المؤمنين (ع)، على ما يمتاز به الرسول والإمام من فضائل ومناقب خاصة)(16). ويعني الإمام الخميني بكلمته هذه مساحة الولاية ومضمونها، فهي الحيز المشترك الذي تتمركز فيه حركة رئيس الدولة الإسلامية وطبيعة عمله ومهمته، بغض النظر عن ميزاته الخاصة، كما هو الحال مع خصائص الرسول والإمام، كالنص والعصمة والمنزلة. فمهمة رئيس الدولة الإسلامية وفقاً لتلك المساحة تتمثل في رئاسة أجهزة وسلطات الدولة، والتي يحمي من خلالها الشريعة ويطبق أحكامها ويدير المجتمع الإسلامي، فضلاً عن المهام العلمية والدعوية والإرشادية.
ثالثاً- إيجاد البديل المنشود:
الإسلام دعوة تغييرية شاملة تهدف إلى محو كل أشكال الجاهلية، وصولاً إلى تحكيم شريعة الله تعالى. وحين يدعو الإسلام للتغيير واجتثاث جذور الشرك والظلم والفساد والانحراف - كما صرح القرآن الكريم والحديث الشريف - فمن الطبيعي أن لا يكتفي بعملية الهدم، أي أنه لا يترك الأوضاع عند مرحلة الصفر، بل يبني الكيان البديل الذي يحقق للبشرية غاية العبودية الخالصة لله تعالى، ويحقق لها العدل والخير والصلاح. فهذا الكيان البديل لا يسعى إلى منافسة الملوك والرؤساء في سلطانهم، بل يسعى لبلوغ تلك الغايات وحسب. يقول الإمام علي (ع): (اللهم إنك تعلم انه لم يكن الذي منَّا منافسة في سلطان ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك)(17).وإذا كانت مرحلة قلب الأوضاع الاجتماعية مقرونة بتشريعات وسنن تقنن عملية النهوض والتغيير، فان الكيان البديل الذي ينشده الإسلام لا يمكن أن يكون غريباً عن حقائق الشريعة، وإنما هو لصيق بها ومجسد لها. أما نظم الإسلام وتشريعاته العامة فهي تجسيدات تلك الحقائق ومظاهرها.
رابعاً- تحقيق وحدة المسلمين:
من أبرز الحقائق التي تدل على فرقة المسلمين وتشتت كلمتهم، وجود العديد من المذاهب الفقهية والمدارس الكلامية والتيارات السياسية الدينية التي تتجاذبهم، وتوزعهم على عشرات الدول المستقلة التي يختلف بعضها مع بعض في شكل الدولة والحكومة وطبيعة النظام الحاكم واتجاهه السياسي، والتباين الكبير في مستويات المعيشة من بلد لآخر، وغيرها من الحقائق التي تزيد من سوء أوضاع المسلمين على مختلف الصعد. وفي الوقت نفسه لا يختلف المسلمون على أن الخلاص من هذه الحالة يكمن في تقاربهم ووحدتهم. وهذه الوحدة بحاجة إلى محور عملي إلى جانب القرآن الكريم ومبادئ الإسلام، اللذين هما المحور الأساس الذي يتوحد حوله المسلمون بشتى مشاربهم واتجاهاتهم، فالمحور العملي هو الكفيل بتوحيد الصف الداخلي للأمة على النقاط المشتركة التي يؤمن بها جميع أبنائها، وخلق حالة التكافل والتضامن بينهم، ومواجهة عامل التفرقة الخارجي المتمثل بمؤامرات الأعداء ودسائسهم. وهذه المهام لا يمكن لأحد القيام بها سوى الدولة التي يقودها إمام الأمة الشرعي، الذي يجمع بين المرجعية الدينية (ولاية الفتوى) والمرجعية السياسية (ولاية الحكم)، فمن شأن دولة الإمامة الشرعية أن تكون محور وحدة المسلمين ووحدة حركتهم على الصعيدين الداخلي والخارجي. يقول الإمام الصادق (ع) بشأن محورية إمام المسلمين: (يحقن الله عز وجل به الدماء، ويصلح به ذات البين، ويلم به الشعث، ويشعب به الصدع)(18).
خامساً- توحيد الموقف الشرعي:
في إطار الأحكام الشرعية، سواء الخاصة بفقه الأفراد أو فقه المجتمع، يوجد العديد من الاجتهادات التي تختلف فيما بينها حيال كثير من المسائل. وتوحيد الموقف الاجتماعي حيال الشريعة يستلزم موقفاً تشريعياً أو قانونياً موحداً يكون ملزماً للجميع، ومن خلال هذا الإلزام يمكن تعميم هذه الأحكام على المجتمع بأكمله.
وبدوره فإن توحيد الموقف التشريعي أو القانوني يحتاج إلى سلطة لوضع القوانين أو التقنين ترضاها أكثرية المسلمين. كما أن تطبيق هذه القوانين أو تطبيق وحدة الموقف التشريعي بحاجة إلى جهاز آخر يلزم الجميع بالتشريع أو القانون. وبديهي أن لا تقدر المرجعيات الدينية وأجهزتها - مهما كانت قوية - على إيجاد موقف تشريعي موحد; لأنها بالأساس مرجعيات متعددة، ولها مواقف اجتهادية متعددة أيضاً، في حين أن الجهاز أو المؤسسة الكفيلة بالقيام بهذه المهمة، هي مؤسسة تعمل بإشراف الفقهاء، وتعبر عن موقف المجتمع. ومثل هذه المؤسسة لا يمكن أن تقوم إلاّ بإرادة الدولة; لأنها حاجة أساسية للدولة وللمجتمع المسلم في كل مجالات حركتهما.

٢- الأصول المقدسة:
أكد القرآن الكريم والسنة الشريفة في كثير من النصوص موضوع الحكم والسياسة، وقرنت هذه النصوص سياسة الأمة بتحكيم شريعة الله تعالى، وهي بمجملها لا تترك للأمة خيار الحكم، بل تطرح حكم الإسلام - على تنوع معانيه - فرضاً واجباً. ومقاصد هذه النصوص ومفاهيمها عامة لا يحدها مكان أو زمان، كما هو الحال مع رسالة الإسلام، رغم أن كثيراً من تلك النصوص ورد في واقعة معينة، إلاّ أن رسالتها ممتدة ومستمرة. ونشير هنا إلى عدد من النماذج:
أ- القرآن الكريم:
من جملة الآيات التي تأمر بتحكيم دين الله وتطبيق شرعه في كل زاوية من زوايا الحياة: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله)(19)، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)(20)، (فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق)(21)، (تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعَّد حدود الله فأولئك هم الظالمون)(22)، (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون)(23)، وغيرها كثير. وهناك أيضاً الآيات الخاصة بأحكام المال والاقتصاد والأراضي والجزاء والحدود والدفاع.
ب ـ الحديث الشريف:
نصوص الحديث الشريف الواردة في هذا المجال كثيرة للغاية وتفصيلية; لأن معظمها صادر من واقع النموذج الذي أقامه الرسول (ص) والنماذج المماثلة التي أقامها بعض أئمة أهل البيت (ع) ولاسيما الإمام علي (ع) والإمام الحسن (ع) ونكتفي هنا بحديثين مشهورين فيهما دلالات عامة على ضرورة الإمامة، أحدهما للإمام جعفر الصادق (ع): ((لا تترك الأرض بغير إمام، يحل حلال الله ويحرم حرامه))(24).
والآخر للإمام على بن موسى الرضا (ع): ((... لو لم يجعل لهم إماماً قيماً أميناً حافظاً مستودعاً، لدرست الملة، وذهب الدين، وغيَّرت السنن والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون، وشبَّهوا ذلك على المسلمين))(25).
٣- السيرة والتاريخ الإسلامي:
على المستوى النظري لم تتخلف أي من الفرق الكلامية والمذاهب الإسلامية ـ كما سلف ـ عن طرح تفسيراتها واجتهاداتها بشأن الدولة، وعدا بعض الخوارج، فان جميع فقهاء هذه التيارات قالوا بضرورة تأسيس دولة الإسلام المستقلة، وعدَّوا تطبيق الشريعة ملازماً لوجود السلطة السياسية، كما كان في عهد الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ والخلفاء الراشدين. وعلى مستوى التطبيق فإن سيرة الرسول الأعظم (ص) ومبادرته لتأسيس دولة المدينة التي اتسعت رقعتها لتشمل معظم أراضي الجزيرة العربية، هي غاية في الوضوح، الأمر الذي يجعلها حقيقة عامة لا تحتمل الجدل بين جميع الفرق والمذاهب الإسلامية. وعلى المستوى الخاص، فإن سيرة الخلفاء، ولاسيما الخلفاء الراشدين، تمثل - هي الأخرى - واقعاً تاريخياً تحتج به مدرسة أهل السنة. أما مدرسة الإمامة، فلديها أيضاً العديد من النماذج التاريخية، التي تعبر عن حقيقة موقفها من موضوع الحكم، وفي مقدمتها مرحلتي حكم الإمام علي (ع) والإمام الحسن (ع)، ومحاولة الإمام الحسين بن علي (ع) قلب نظام الحكم الأموي وإقامة دولة الإسلام، ثم المحاولات المماثلة التي قام بها أبناء الأئمة وأحفادهم وأتباعهم في شتى بقاع العالم الإسلامي والتي نجح بعضها في تأسيس حكومات إسلامية، وصولاً إلى تجربة الدولة الإسلامية الحديثة في إيران. ففي هذه النماذج (تحديداً نموذج حكومات الرسول الأعظم وأئمة أهل البيت) طرح الإسلام نظمه المتميزة بمضامينها وأشكالها عن كل التجارب التاريخية التي خاضتها البشرية. ولاشك أن الضرورات التي حكم بها العقل والشرع، وأدت بالرسول (ص) إلى إقامة الدولة وأجهزة الحكم وقيادتها، لا يمكن أن يلغيها الزمن، فإلغاؤها يعني إلغاء القسم الأعظم من أحكام الإسلام، وهو ما أثبته تاريخ المسلمين خلال كل المراحل التي أعقبت وفاة الرسول (ص) سواء على مستوى استمرار الحاجة، أو على مستوى تعطيل ذلك القسم من أحكام الإسلام في فترات غياب الدولة.

الهوامش:
(1) انظر: الزحيلي، د. وهبة، نظام الإسلام، ص ١٧٠ ـ١٧٧، ط ٢ دار قتيبة، بيروت ـ ١٩٩٣م.
(2) انظر: الماوردي، الأحكام السلطانية، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، ط٢، ١٤٠٦هـ ، ص ٥.
(3) انظر: الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج ١٥، باب جهاد العدو، وتحديداً الروايات الواردة في ص٤٥ ـ ٥٦، وباب وجوب النصيحة، ص ٢١١، قم، مؤسسة آل البيت.
(4) انظر: العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج ٤٧، ص ٢٩٧، ج ٥٢ ص ١٣٦، ج ٥٢ ص ١٣٩، بيروت، مؤسسة الوفاء، ١٤٠٣هـ.
(5) رواه الحر العاملي في وسائل الشيعة، ج ١٥، باب جهاد العدو، ص ٥٢.
(6) الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، ١٩٩٦م، ص ٣٧.
(7) المصدر نفسه، ص ٣٧ ـ ٣٨.
(8) المصدر نفسه، ص ٤٠.
(9) انظر: الحائري، السيد كاظم، المرجعية والقيادة، قم، ١٩٩٨م، ص ٧٣ ـ ١١٩.
(10) الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية، ص ٤٥ ـ ٦٨.
(11) يراجع في هذا المعنى العديد من الأحاديث في أصول الكافي للشيخ الكليني، باب (الرد إلى الكتاب والسنة... وجميع ما يحتاج إليه الناس إلاّ وقد جاء فيه كتاب وسنة)، طهران، المكتبة الإسلامية، ١٣٨٨هـ ، ج ١ ص ٧٦ ـ ٨٠ .
(12) الإمام الخميني، صحيفة نور، طهران، وزارة الإرشاد الإسلامي، ج ١ ص ١١٩، من محاضرة له في ١٥/٥/١٩٦٥ .
(13) الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية، ص ٥٥ ـ ٦٠.
(14) المبارك، د.محمد، نظام الإسلام..الحكم والدولة، طهران، منظمة الاعلام الإسلامي،١٤٠٥هـ، ص ٤١.
(15) الإمام الخميني، الحكومة الإسلامية، ص ٤٧.
(16) المصدر نفسه، ص ٤٩.
(17) الإمام علي، نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح، قم، دار الهجرة، ص ٤٠٦ .
(18) الكليني، أصول الكافي، ج ١، ص ٣١٤.
(19) سورة النساء، الآية ١٠٥.
(20) سورة المائدة، الآية ٤٥.
(21) سورة المائدة، الآية ٤٨.
(22) سورة البقرة، الآية ٢٢٩.
(23) سورة الجاثية، الآية ١٨.
(24) المجلسي، البحار، ج ٨، ص ١٢.
(25) الشيخ الصدوق، علل الشرايع، النجف، المكتبة الحيدرية، ١٣٨٥هـ ، ج ١، ص ٢٥١.
المصدر: موقع الجامعة الإسلامية
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com