موقع الصراط ... الموضوع : طلب العلم فريضة على كل مسلم-4
 
الأربعاء - 2 / رمضان / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  طلب العلم فريضة على كل مسلم-4  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 18 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
أصناف طلاب العلم:
أكدت الروايات على وجوب طلب العلم، وجاءت روايات كثيرة تحدد أوصاف طالب العلم الإلهي، وتحدد معالمه، وتبين آثار طلب العلم على شخصيته، ومن أروع الروايات في ذلك الرواية التي قسمت طلاب العلم على قسمين، وهما: الطلب لله تعالى، والطلب للدنيا، فقد روي عن أمير المؤمنين (ع) قال: (قال رسول الله (ص): من طلب العلم لله لم يصب منه باباً إلا ازداد به في نفسه ذلاً، وفي الناس تواضعاً، ولله خوفاً، وفي الدين اجتهاداً، وذلك الذي ينتفع بالعلم فليتعلمه، ومن طلب العلم للدنيا، والمنزلة عند الناس، والحظوة عند السلطان لم يصب منه باباً إلا ازداد في نفسه عظمةً، وعلى الناس استطالةً، وبالله اغتراراً، ومن الدين جفاءً، فذلك الذي لا ينتفع بالعلم، فليكف، وليمسك عن الحجة على نفسه، والندامة، والخزي يوم القيامة)(1)
هذا نوع من التقسيم لطلاب العلم، وهو تقسيم مجمل يحدد أهداف العلم إلا أنَّه يوضح آثاره في بناء نوعية الشخصية الإنسانية، إذن يمكن القول أنَّ طلب العلم وسيلة للعمل؛ لأنَّ العلم في الإسلام للعمل، بل إنَّ جميع العلوم والمعارف عملية.
وهناك تقسيم آخر لطلاب العلم في بعض الروايات جاء نتيجة الدافع، والهدف لطلب العلم، وكانت نتيجته بروز ظواهر سلوكية في شخصية الطالب، من هذه الأحاديث ما ورد مرفوعاً إلى أبي عبد الله الصادق (ع)، قال: (طلبة العلم ثلاثة، فاعرفهم بأعيانهم وصفاتهم: صنف يطلبه للجهل والمراء، وصنف يطلبه للاستطالة والختل، وصنف يطلبه للفقه والعقل، فصاحب الجهل والمراء مؤذٍ، ممارٍ، متعرض للمقال في أندية الرجال بتذاكر العلم، وصفة الحلم، قد تسربل بالخشوع، وتخلى من الورع، فدق الله من هذا خيشومه، وقطع منه حيزومه، وصاحب الاستطالة والختل، ذو خب وملق، ويستطيل على مثله من أشباهه، ويتواضع للأغنياء من دونه، فهو لحلوائهم هاضم، ولدينه حاطم، فأعمى الله على هذا خبره، وقطع من آثار العلماء أثره، وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة، وحزن، وسهر، قد تحنك في برنسه، وقام الليل في حندسه، يعمل ويخشى وجلاً داعياً مشفقاً، مقبلاً على شأنه، عارفاً بأهل زمانه، مستوحشاً من أوثق إخوانه، فشد الله من هذا أركانه، وأعطاه يوم القيامة أمانه)(2)
وإذا تأملنا في هذا الحديث الشريف نجد أنَّ التقسيم مبني على أهداف الطالب للعلم، وعلى النتائج المتمخضة عنه، فالأصناف ثلاثة:
الأول: يطلبه للجهل والمراء، والتعبير دقيق جزل بليغ، يصور الحالة النفسية لطالبه، والعجيب أنه عبر عنه أنَّه يطلبه للجهل، وهنا نكتة دقيقة، وهي كيف يطلب العلم، فيصبح به جاهلاً؟ فالجهل هنا هو جهل بحقيقة العلم، وهو أنَّ العلم إنما يطلب للعمل، فإذا تغير الهدف، وصار طلبه للظهور، والبروز، والتسلط، والظهور على الأقران، أصبح جهلاً؛ لأنَّ حامله صار خارج حظيرة الإنسانية الحقة والعبودية لله.
إذن ليس كل من يطلب علماً يصبح عالماً، وإنما قد يصبح جاهلاً لما يصيبه من غرور، وانتفاخ، وعجب، وكبرياء، وغطرسة حتى يعود لا يرى شيئاً إلا نفسه، فيحاول أن يستقطب كل شيء لنفسه، فهي قطب الرحى الذي يدور حوله، وخير مثال على ذلك بلعم بن باعوراء كما في قوله تعالى: ((واتلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون * ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون))(3)
قال الإمام الباقر (ع): (الأصل في ذلك بلعم، ثم ضربه الله مثلاً لكل مؤثر هواه على هدى الله من أهل القبلة)(4)
ثم وصف الحديث هذا الصنف بما تتمخض منه من تصرفات فهو (مؤذٍ) يؤذي من يجالسه، أو يحاوره؛ لأنَّه يريد أن يستعلي عليه، ومع أذاه فهو كثير المراء، والجدل بغير بصيرة ومعرفة، فهو مخاصم في الحق بعد ظهوره، قال الشهيد الثاني: (واعلم أنَّ حقيقة المراء الاعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه لفظاً أو معنًى أو قصداً، لغير غرض ديني أمر الله به، وترك المراء يحصل بترك الإنكار، والاعتراض بكل كلام يسمعه، فإن كان حقاً وجب التصديق به بالقلب، وإظهار صدقه حيث يطلب منه، وإن كان باطلاً، ولم يكن متعلقاً بأمور الدين، فاسكت عنه ما لم يتمخض النهي عن المنكر بشروطه)(5)
وهنا حذر الحديث الشريف من الوقوع في اعتياد المراء والجدال؛ وذلك، لأنَّ المراء كما أشارت روايات أهل البيت (ع) أنَّه بذرة الشر، وثمرته الشحناء، ونتيجته العماء والصدود عن الحق، ودليل على ضعف اليقين، ويسبب الكره، والبغض، والحقد، ويمرض القلب على الإخوان، وينبت النفاق، ويذهب هيبة الإنسان، وبهاءه؛ ولهذا كله أكدت الأحاديث الشريفة على تركه، وإن كان الإنسان صاحب حق، وقد أوضح الشهيد الثاني خطورة المراء بقوله: (فأما إذا قصد مجرد المراء والجدل، وأحب ظهور الفلج والغلبة، فإنَّ ذلك يثمر في النفس ملكة ردية وسجية خبيثة، ومع ذلك يستوجب المقت من الله تعالى. وفيه مع ذلك عدة معاصي: كإيذاء المخاطب، وتجهيل له، وطعن فيه، وثناء على النفس، وتزكية لها، وهذه كلها ذنوب مؤكدة، وعيوب منهي عنها في محالها من السنة المطهرة، وهو مع ذلك مشوش للعيش، فإنَّك لا تماري سفيهاً إلا ويؤذيك، ولا حليماً إلا ويقليك)(6)
ونذكر هنا بعض الأحاديث تبركاً:
قال أمير المؤمنين (ع): (إياكم والمراء والخصومة، فإنَّهما يمرضان القلوب على الأخوان، وينبت عليهما النفاق)(7)
وعن الإمام علي الهادي (ع): (المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحلل العقدة الوثيقة، وأقل ما فيه أن تكون فيه المغالبة، والمغالبة أس أسباب القطيعة)(8)
وقال (ص): (لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء، وإن كان محقاً)(9)
(وروي أنّ رجلاً قال للحسين بن علي بن أبي طالب (ع): اجلس حتى نتناظر في الدين. فقال: يا هذا أنا بصير بديني مكشوف عليَّ هداي، فإن كنت جاهلاً بدينك فاذهب فاطلبه، مالي وللمماراة؟ وإنَّ الشيطان ليوسوس للرجل، ويناجيه، ويقول: ناظر الناس؛ لئلا يظنوا بك العجز والجهل. ثم المراء لا يخلو من أربعة أوجه: إما أن تتمارى أنت وصاحبك فيما تعلمان، فقد تركتما بذلك النصيحة، وطلبتما الفضيحة، وأضعتما ذلك العلم، أو تجهلانه، فأظهرتما جهلاً، وخاصمتما جهلاً، وإما تعلمه أنت، فظلمت صاحبك بطلب عثرته، أو يعلمه صاحبك فتركت حرمته، ولم تنزله منزلته. وهذا كله محال، فمن أنصف، وقبل الحق، وترك المماراة، فقد أوثق إيمانه، وأحسن صحبة دينه، وصان عقله)(10)
والصفة الأخرى لهذا الصنف: إنَّه (متعرض للمقال في أدنية الرجال)، فهو يحاول الظهور والبروز في نوادي العلم بحجة المذاكرة في العلوم والمعارف، ومعها يحاول أن يظهر أنَّه الحليم الرزين، تصنعاً وتشبهاً بالعلماء.
ثم يذكر الحديث الصفة الأخرى، وهي (تسربل بالخشوع، وتخلى عن الورع)، فقد لبس لباس الخشوع، وحاول أن يظهر أنَّه خاشع خاضع خائف من الله، ولكنَّ حقيقته أنَّه خالٍ ومجرد من الورع، وفي هذه العبارة من الدقة، والجزالة، والبلاغة، ما لا يحيط به وصف، فظاهره جميل بالخشوع، ولكن محتواه الداخلي فارغ من الورع والتقوى.
ثم بعد أن حدد الإمام أوصافه مؤذٍ ممار... جاء دعاؤه (ع) قاصماً ومحطماً لهذا النوع من طلبة العلم، وهو دعاء تحس فيه بحرارة تعبر عن مدى مقت الإمام (ع) له بهذه العبارات الصاعقة: (فدق الله من هذا خيشومه) وهو تعبير عن كسر كبريائه، وتجبره، وتحطيم كيانه، ولم يكتفِ الدعاء بتحطيم، وسحق خيشومه-وهو أعلى الأنف- بل أراد أن يمحيه من الوجود (وقطع منه حيزومه)، والحيزوم وسط الصدر أي أنَّ الدعاء يقتضي موته، ومحوه، وإبادته، فيا له من دعاء قاطع حازم على هذا النوع الحقير من طلبة العلم.
وأما الصنف الثاني: وهو (صاحب الاستطالة والختل) وهذا الصنف يحاول أن يتكبر، ويستطيل، ويستعلي على غيره من أمثاله، ولكن في الوقت نفسه فهو مخادع كذاب، (والخب: الخداع، والخبث، والغش، ورجل مخابٍ مدغل، كأنه على خاب. ورجل خب وخب: خداع جُربُز، خبيث منكر)(11)
وبمقدار ما فيه من خبث، وغش، ومكر، فهو متملق، متلون (يستطيل على مثله من أشباهه، ويتواضع للأغنياء من دونه)، وسبب تواضعه ؛ ليهضم حلواءهم، وهو تعبير دقيق لبيان أهداف هذا الصنف.
وجاء الدعاء عليه قاصماً بعبارتين روعة في الدقة (فأعمى الله على هذا خبره، وقطع من آثار العلماء أثره)، فلا يبقى له عين وأثر، بل سيمحى أثره من العلماء، ويلقى في سلة المهملات.
وأما الصنف الثالث: (صاحب الفقه والعقل) فيختلف عن الصنفين السابقين جملة وتفصيلاً، فلم يكن يحب أن يظهر، بل لا يحب أن يُعرف خوفاً من الوقوع في الرياء (الشرك الخفي)؛ ولهذا تراه كئيباً حزيناً ساهراً أما كآبته لشعوره بالتقصير في عبادة الله، وحزنه خوفاً من الوقوع في حب الظهور والتقدم على الأقران، فتراه ساهراً يطلب من الله تعالى أن يخلص نيته له، ويوصله إلى رضوانه، ولهذا (تحنك في برنسه) (وهو إدارة العمامة ونحوها من تحت الحنك، وتحنيك الميت إدارة الخرقة تحت الحنك، والبرنس قلنسوة طويلة، وكان النساك يلبسونها في صدر الإسلام، وقد تبرنس إذا لبسه)(12)
وهنا وصف دقيق لحالة العارف بالله تعالى، الخائف من التقصير، والراجي لرحمة الله تعالى، فهو متلبس بهذا اللباس؛ ليذلل نفسه بين يدي الله عز وجلّ، ويقوم الليل متخلياً عن الدنيا وأهلها؛ ليفرغ قلبه لله تعالى؛ وليخلص عمله في سبيله، ورغم عمله المتواصل فيه، فهو يعيش الخشية، والهيبة، والخوف من عدم قبوله، فهو وجل داعي مشفق، (أي خائفاً من عذاب القيامة، متضرعاً إليه تعالى لطلب المغفرة حذراً عن سوء العاقبة)(13)
ثم هو مقبل على شأنه، يعني مشتغل في إصلاح نفسه، وتهذيبها عن الانشغال بغيرها، فهو يريد (إصلاح نفسه، وتهذيب باطنه لا كغيره من الذين يقبلون على الناس بالوعظ والنصيحة، وقد أهملوا أمر أنفسهم، وإصلاح بواطنهم، وقد تلطخت بالرذائل والآثام، واعتلت بالأمراض المهلكة، والأسقام)(14)
ورغم ذلك الانقطاع، والخوف، والحزن، فهو عارف بشؤون الناس، وبأوضاعهم الفكرية، والنفسية، والأخلاقية، فهو لم يكن في عزلة عبادية بعيدة عن الناس، بل يعيش مع الناس، ويدرس أحوالهم، ويتأمل فيها، ويعمل على إصلاحها بعد إصلاح نفسه، فعبادته لم تكن عبادة الرهبان والمتصوفة، الذين يعتزلون الناس؛ ليقبلوا على الله، وإنما عبادته عبادة الأولياء الصالحين الذين يتعبدون لله في إصلاح أنفسهم، وإصلاح الآخرين.
وهناك تقسيمات أخرى ليس موضعها في هذا البحث.

الهوامش:
(1) الفتال النيسابوري، روضة الواعظين: 11 .
(2) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 1/49، باب النوادر، ح/5 .
(3) سورة الأعراف: 175-177 .
(4) الشيخ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن: 4/769 .
(5) الشهيد الثاني، منية المريد: 172 .
(6) المصدر نفسه: 170 .
(7) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 2/300 .
(8) الديلمي، أعلام الدين في صفات المؤمنين: 311 .
(9) الشهيد الثاني، منية المريد: 171 .
(10) المصدر نفسه: 171-172 .
(11) ابن منظور، لسان العرب: 1/341 .
(12) صدر المتألهين، شرح أصول الكافي: 2/245 .
(13) المصدر نفسه .
(14) المصدر نفسه .

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com