موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب موسى كليم الله-1
 
الخميس - 6 / جمادي الثاني / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب موسى كليم الله-1  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 25 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
السياسة الفرعونية:
((إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)) (القصص:4)
الفرعونية منهج سياسي في الحكم لا شخص يحكم، وهذا المنهج يقوم على الاستعلاء، والاستكبار، والاستبداد؛ لاستعباد الآخرين، وتحويلهم إلى دمى تتحرك لتحقق أغراض فرعون، فهو الدكتاتورية بأبشع أشكالها وأفظعها؛ ولذلك يمكن الجزم أن كل حاكم مستكبر، مستعل، مستبد يحكم بما تملي عليه أهواءه ونزواته فهو فرعون؛ لأن الفرعونية منهج سياسي وليست اتجاهاً شخصياً، وهذا الاتجاه الذي يجعل الحاكمية له من دون الله يمثل قوة المعارضة لرسالة الله في كل زمان ومكان؛ ليصد الناس عن سبيل الله؛ ليتخذهم عبيداً له من دون الله، فما بعث الله رسولاً ولا نبياً، ولا داعية مصلح أو مغيرا إنسانيا إلا وقف في قباله مجرم متسلط يشهر السيف بوجهه ويحاربه بكل الوسائل المتاحة له ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً)) (الفرقان:31)
((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ اْلأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)) (الأنعام:112)
ومنشأ العداوة بين الأنبياء وشيعتهم، وبين المجرمين وشياطينهم هو التضاد في الفكر والمنهج، وتلك سنة طبيعية، لأن (سنة الله قد جرت بأن يكون الشرير الذي لا ينقاد للحق كبراً وعناداً، أو جمود على ما تعود عدوا للداعي إليه من الأنبياء وورثتهم وناشري دعوتهم، وهكذا الحال في كل ضدين يدعوا أحدهما إلى خلاف ما عليه الآخر في الأمور الدينية، أو الاجتماعية، وهذا ما يعبر عنه بسنة "تنازع البقاء" بين المقابلات التي تدعو إلى التنافس والجهاد، وتكون العاقبة انتصار الحق، وبقاء الأمثل والأصلح)(1) فلا يمكن أن يحدث توافق وتسالم بين الفرعونية وبين حركة الأنبياء على كل حال.
والصراع بينهما أمر لا محال منه فـ(بروز المجرمين في طريق الأنبياء أمر طبيعي، فدعوة الحق إنما تجيء في أوانها ؛ لعلاج فساد واقع في الجماعة، أو في البشرية، فساد في القلوب، وفساد في النظم، وفساد في الأوضاع، ووراء هذا الفساد يكمن المجرمون، الذين ينشئون الفساد من ناحية، ويستغلونه من ناحية، والذين تتفق مشاربهم مع هذا الفساد، وتتنفس شهواتهم في جوه الوبيء والذين يجدون سنداًً للقيم الزائفة التي يستندون هم في وجودهم إليها، فطبيعي أن يبرز للأنبياء وللدعوات دفاعا عن وجودهم، واستبقاء للجو الذين يملكون أن يتنفسوا فيه ... فطبيعي إذن أن يكونوا أعداء لدعوة الحق، يستميتون في كفاحها، وطبيعي أن تنتصر دعوة الحق في النهاية لأنها تسير مع خط الحياة، وتتجه إلى الأفق الكريم الوضيء الذي تتصل فيه بالله والذي تبلغ عنده الكمال المقدر لها كما أراده الله ((وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً)))(2)
وإفساد هؤلاء الفراعنة يأخذ أشكالا مختلفة حسب ما تفرضه مصالحهم وخططهم في استعباد الناس وهكذا يتصاعد بهم الطغيان حتى يصلوا حدا يدعون فيه الألوهية والربوبية فضلا عن الحاكمية، ويدعون الناس إلى عبادتهم وليس من الضروري أن تكون العبادة هي الشكل المتبادر إلى الذهن، إنما العبادة للطاغية تتمثل في الخضوع له والانقياد لأوامره، وتنفيذ ما يسن من قوانين جائرة فكل من أطاع إنساناً في معصية الله فقد عبده، فعن أبي جعفر الثاني (ع): (من أصغى إلى ناطق فقد عبده فإن كان الناطق يؤدي عن الله عز وجل فقد عبد الله، وإن كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان)(3) ومن استكبارهم وطغيانهم أنهم يشرعون الشرائع مقابل شرعة الله، ويسنون القوانين مقابل أحكام الله، ويسخرونها لمصالحهم ؛ ليتسلطوا على رقاب الناس باسم القانون ؛ ولذا شاع في أزمان متقدمة من التاريخ عنوان الحق الإلهي للملك ... فالقانون الذي يسنه الطاغوت هو في حقيقته آلة وسلاح للسيطرة والاستعباد وليس لأجل تنظيم شؤونهم وإدارة حياتهم، ومراعاة حقوقهم . وإنما ليجعل من الحاكم إلها يحي ويميت يستعبد من يشاء، ويطلق من يشاء، ويقدم من يشاء، ويؤخر من يشاء، ويعطي من يشاء، ويحرم من يشاء، وهذا هو ديدن الطغاة على طول خط التاريخ ؛ لأنهم يعتبرون أنفسهم أربابا من دون الله تعالى كما نقل القرآن الكريم فرعون حيث قال: ((يَا أَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)) (القصص:38)
ولأجل إحكام سيطرته على الناس يعمل على تمزيق وحدة الأمة فيجعل هناك عبيداً، وهناك أسياداً، يعطي من يخدم مصالحه ويحرم غيره، ويقسم الناس إلى طبقات وشيع، ويضرب بعضهم بالبعض الأخر حتى تتم له السيطرة فلا يستطيعون أن ينهضوا بوجهه ويطيحوا بعرشه؛ لأنه يسحق كراماتهم ويذلهم، ويستخف بهم حتى يعودوا أشباحاً بلا أرواح لا يملكون إرادة، ولا يشعرون بمسؤولية، وهكذا فعل فرعون))فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ)) (الزخرف:54) أي إنه دبر لهم خططاً استطاع بها أن يفقدهم القدرة على التفكير، فسلب منهم الإرادة والإحساس بالكرامة والشعور بالمسؤولية حتى أصبحوا ريشة في مهب رياحه يطيرون حين يؤشر لهم، ويحركهم حيث يريد ويهوى فهم يتحركون بإرادته لا بإرادتهم، وهذا هو منتهى الاستخفاف (وإنه ليقع حينما يشتد الظلم، ويفسد المجتمع، وتختل الموازين ويخيم الظلام أن تضيق النفس الطيبة بالظلم الذي يشكل الأوضاع والقوانين والعرف ويفسد الفطرة العامة حتى ليرى الناس الظلم فلا يثورون عليه، ويرون البغي فلا تجيش نفوسهم لدفعه ؛ بل يقع أن يصل فساده الفطرة إلى حد إنكار الناس على المظلوم أن يدفع الظلم عن نفسه ويقاوم)(4) وهكذا يظلمون أنفسهم بتعطيل عقولهم وتجميد شعورهم ...
وقد جاد شهيد الإسلام العظيم السيد محمد باقر الصدر حين رسم صورة مشخصة للمجتمع الفرعوني المستعبد فقسمه إلى أقسام وطبقات مستنطقاً كتاب الله يقول رضوان الله تعالى عليه: (الفرعونية تجزيء المجتمع،وتبعثر إمكانيته وطاقاته) ومن هنا تهدر ما في الإنسان من قدرة على الإبداع والنمو الطبيعي في ساحة علاقات الإنسان من الطبيعة، وعملية التجزئة الفرعونية للمجتمع تقوم على تقسيم المجتمع إلى فضائل وجماعات تستضعفها جميعاً ؛ لتصبح آلات يحركها كيف يشاء وقد قسم السيد الشهيد الصدر الأول هؤلاء المستضعفين إلى ست طوائف:
1 – الطائفة الأولى: (أعوان الظلمة) وهي التي تقوم بحماية عرش فرعون لتحفظه من الضربات الخارجية،وتحمي عرشه من السقوط، وهؤلاء يحشرون في زمرة المستكبرين، وهم الذين يقولون لأسيادهم يوم القيامة ((لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِين)) (سـبأ: 31) وقد حذر الإسلام من إعانة الظالم، وأعذاره على ظلمه أو الدفاع عنه بأي وسيلة كانت، أو التعامل معه ولو بمدة قلم، أو خلط دواة، يقول صاحب الحدائق قدس سره: (الظاهر من الأخبار الواردة في هذا المقام، هو عموم تحريم معونتهم بما يحرم وما لا يحرم)(5) وفي ذلك وردت الروايات صحيحة ومتواترة عن أهل بيت العصمة (ع) نذكر منها:
1- عن أبي عبد الله (ع) قال: (العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم)(6)
2- عن محمد بن عذافر عن أبيه، قال: (قال لي أبو عبد الله (ع): يا عذافر، نبئت أنك تعامل أبا أيوب والربيع، فما حالك إذا نودي بك في أعوان الظلمة ؟ قال: فوجم أبي، فقال له أبو عبد الله (ع) لما رأى ما أصابه: أي عذافر إنما خوفتك بما خوفني الله عز وجل به، قال محمد: فقدم أبي فما زال مغموماً مكروباً حتى مات)(7) 3- عن أبي بصير، قال: (سألت أبا جعفر (ع) عن أعمالهم فقال لي: يا أبا محمد لا ولا مدة قلم إن أحدهم لا يصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينه مثله أو قال: حتى يصيبوا من دينه مثله)(8)
4- وعن أبي يعفور قال: (كنت عند أبي عبد الله (ع) إذ دخل (فدخل خ) عليه رجل من أصحابنا فقال له: أصلحك الله (جعلت فداك خ)، إنه ربما أصاب الرجل منا الضيق أو الشدة فيدعى إلى البناء يبنيه، أو النهر يكريه، أو المسناة يصلحها فما تقول في ذلك ؟ فقال أبو عبد الله (ع): ما أحب أني عقدت لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاءً، وإن لي ما بين لابتيها، لا ولا مدة بقلم، إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد)(9)
5- وعن الإمام الصادق (ع) أنه قال: (ألا ومن علق سوطا بين يدي سلطان جعل الله ذلك السوط يوم القيامة ثعبانا من النار طوله سبعون ذراعا، يسلطه الله عليه في نار جهنم وبئس المصير)(10)
6- وقال (ص): (من تولى خصومة ظالم، أو أعانه عليها نزل به ملك الموت بالبشرى بلعنه، ونار جهنم، وبئس المصير، ومن خف لسلطان جائر في حاجة كان قرينه في النار، ومن دل سلطانا على الجور قُرن مع هامان، وكان هو والسلطان من أشد أهل النار عذابا، ومن عَظَّمَ صاحب دنيا وأحبه ؛ لطمع دنياه سخط الله عليه، وكان في درجته مع قارون في التابوت الأسفل من النار، ومن علق سوطا بين يدي سلطان جائر جعلها الله حية طولها سبعون ألف ذراع، فيسلطه الله عليه في نار جهنم خالدا فيها مخلدا، ومن سعى بأخيه إلى سلطان، ولم ينله منه سوء، ولا مكروه أحبط الله عمله وإن وصل منه إليه سوء ومكروه أو أذى جعله الله في طبقة مع هامان في جهنم)(11)
هذه هي عقوبة من أعان ظالماً أو رضي به، وكل هذا التأكيد في الإسلام ليحصن المسلمين من الانحدار في متاهات السياسة الفرعونية،ويحفظ الإسلام من تحريفهم وزيفهم وتلاعبهم،وأكدت روايات أخرى على حرمة المداهنة معهم ؛ لنيل ما عندهم من مال فقد قال أبو عبد الله (ع): (إن قوماً ممن آمن بموسى (ع) قالوا: لو أتينا عسكر فرعون فكنا فيه، ونلنا من دنياه حتى إذا كان الذي نرجوه من ظهور موسى (ع) صرنا إليه، ففعلوا فلما توجه موسى (ع) ومن معه هاربين من فرعون ركبوا دوابهم، وأسرعوا في السير؛ ليلحقوا موسى (ع) وعسكره فيكونوا معهم فبعث الله مَلَكاً فضرب وجوه دوابهم فردهم إلى عسكر فرعون، فكانوا فيمن غرق مع فرعون)(12)
وهذا شأن المتذبذبين الذين يحاولون أن يجمعوا بين رضا الظالم ورضا المظلوم، ويقفوا على التل يتفرجون أيهما تكون اللقمة عنده أدسم، وهؤلاء يتواجدون في كل زمن، وأخطر هؤلاء هم وعاظ السلاطين الذين يتزينون بزي الدين ويحملون قلوب الظالمين ...
2 – الطائفة الثانية: (المتملقون): وهؤلاء هم حاشية الظالم يحوطونه بكل ما يدور حوله، ويشيرون عليه بزيادة الظلم، ويثيرون حفيظته ضد الآخرين، ويوافقونه على نزواته وشهواته فهم (لا يمارسون ظلما) (تعذيبا وبطشا) بأيديهم بالفعل، ولكنهم دائما وأبدا على مستوى نزوات فرعون (وشهواته ورغباته) يسبقونه بالقول من أجل أن يصححوا مسلكه ومسيرته قال الله تعالى: ((وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ)) (الأعراف:127) وهؤلاء يتواجدون في كل زمان ومع الطاغية يتكاثرون حول الظالمين طمعاً فيما عندهم من مال أو جاه، وهم عادة يكونون من ذوي الطموحات الكبيرة، ولكن همهم هاطبة رغم أنهم يُعجبون السامع إذا تكلموا ويملئون العين إذا برزوا . وفي عصرنا لبس هؤلاء ثوبا جديدا، وظهروا بعناوين براقة أسمتهم السياسة الحديثة (المستشارين) وعلى مختلف الأصعدة . وقد سماهم("جيمس الان سميث") بسماسرة الأفكار ووصفهم (جاليفر) بأنهم (تعساء)(13) وغالبا ما يكون هؤلاء غير صرحين ولا واضحين، وإنما يتسمون بالغموض، وقد وصفهم أحد أساتذة المستشارية: (إذا أردنا أن نقنع ونغير يجب أن نحجب أفكارنا، وأن نحجم حماسنا حتى يظن من نريد التأثير عليهم أننا عاقلون)(14) فهم يظهرون الوداعة، والرزانة والتعقل والتأمل لا يصالح المستشير وإنما لكي يثبتوا له صلاحيتهم ؛ ولهذا تراهم يغلب على سلوكهم اللف والدوران . يقول "جيمس ألان سميث": (ادعى الخبراء لأنفسهم تاريخاً ودورا أكبر وأكثر ظهورا في السياسة الأمريكية مع أن التناقض أحيانا العداء السافر صاحبَ (صعودهم)، فالاحتقار العام الدفين للمفكرين والخبراء كان موجودا دائما في المجتمع الأمريكي حتى أكثر الآباء المؤسسين احتراما وتبجيلا نالهم الأذى من معاصريهم)(15)
3 – الطائفة الثالثة (الهمج الرعاع): وهذه الطبقة مجرد آلات تنفذ أوامر الظالم، ولا تملك فكرا ولا رأيا، ولا تدرك سر وجودها، ولا تحس بكرامتها يحركهم الظالم كيف يشاء حيث (ربط يدها به لاعقلها) ... يقول السيد الشهيد الصدر الأول قدس سره: (وأما هذه الفئة فلم تعد أناسا وبشرا يفكرون، ويتدبرون لكي يستطيعوا أن يحققوا لونا من ألوان الإبداع على هذه الساحة قال سبحانه: ((وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا)) (الأحزاب:67) فلا يوجد في كلام هؤلاء ما يشعر بأنهم كانوا يحسون بالظلم، أو كانوا يحسون بأنهم مظلومون، وإنما هو مجرد طاعة وتبعية)(16) عمياء بدون تعقل، ولا تفكير، ولا يعرفون لماذا يعلمون هذا الظلم وتلك الجرائم يقول ابن حديد: (أتى الوليد بن عبد الملك برجل من الخوارج فقال له ما تقول في الحجاج قال: وما عسيت أن أقول فيه ! هل هو إلا خطيئة من خطاياك،وشرر من نارك ؟ فلعنك الله ولعن الحجاج معك ! وأقبل يشتمهما، فالتفت الوليد إلى عمر بن عبد العزيز فقال: ما تقول في هذا ؟ قال: ما أقول فيه ! هذا رجل يشتمكم، فإما أن تشتموه كما شتمكم، وإما أن تعفوا عنه . فغضب الوليد وقال لعمر: ما أظنك إلا خارجيا ! فقال عمر: وما أظنك إلا مجنونا، وقام فخرج مغضبا، ولحقه خالد ب‍ن الريان صاحب شرطة الوليد، فقال له ما دعاك إلى ما كلمت به أمير المؤمنين ! لقد ضربت بيدي إلى قائم سيفي أنتظر متى يأمرني بضرب عنقك، قال أو كنت فاعلا لو أمرك؟ قال نعم فلما استخلف عمر جاء خالد بن الريان فوقف على رأسه متقلدا سيفه، فنظر إليه وقال: يا خالد، ضع سيفك فإنك مطيعنا في كل أمر نأمرك به - وكان بين يديه كاتب للوليد، فقال له: ضع أنت قلمك، فانك كنت تضر به وتنفع، اللهم إني قد وضعتهما فلا ترفعهما، قال: فوالله ما زالا وضيعين مهينين حتى ماتا)(17) وهذه الطائفة هي التي ورد ذكرها في كلام أمير المؤمنين (ع) لكميل ابن زياد: (الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق)(18)
يقول السيد الشهيد الصدر الأول قدس سره: (هؤلاء الهمج الرعاع الذين ينعقون مع كل ناعق تحاول الفرعونية أن توسع منهم، وكلما توسعت هذه الفئة أكثر فأكثر قدمت المجتمع نحو الدمار خطوة بعد خطوة ؛ لأن هذه الفئة لا تستطيع بوجه من الوجوه أن تدافع عن المجتمع إذا حلت كارثة في الداخل، أو طرأت كارثة في الخارج)(19)
4 – الطائفة الرابعة (ظالمي أنفسهم): وهذه الطائفة تستنكر الظلم في نفسها ولكنها تفتقر للإرادة، وروح المقاومة فتسكن، وتسكت، وتهادن، وتعيش حالة القلق والتوتر، وهؤلاء هم الذين ذكرهم القرآن الكريم في قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً)) (النساء:97)
يقول السيد الشهيد الصدر قدس سره: (هؤلاء لم يفقدوا لبهم، يدركون واقعهم، ولكنهم كانوا عملياً مهادنين؛ ولهذا عبر عنهم القرآن بأنهم ظلموا نفسهم)
5 – الطائفة الخامسة (الطائفة المترهبنة): هذه الطبقة هم رجال الدين الذين يلبسون مسوح الرهبان . وهم على قسمين: قسم منهم يعتزلون الواقع، ويبتعدون عن ساحة الظالم، وينزووا في زوايا النسيان، وهم قد يكونون صادقين في ترهبهم وهم المعنيون بقوله تعالى: ((وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا)) (الحديد:27) وهذا يشجبه الإسلام؛ لأنه موقف سلبي تجاه المسؤولية، ورهبانية ثانية تخدر الناس وهي الأسوأ والأخطر، يقول السيد الشهيد: (وهناك صيغة مفتعلة للرهبانية يترهب ويلبس مسوح الرهبان، ولكنه ليس راهبا في أعماق ليس، وإنما يريد أن يخدر الناس ويشغلهم عن فرعون وظلمه ويسطوا عليهم نفسياً وروحياً)(20) وهذا ديدن تجار الدين الذين اتخذوا الدين مهنة وتجارة رخيصة يتصيدون قلوب الناس ؛ليستحوذوا على مقدراتهم و (إن آفة رجال الدين حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة (إنهم يقولون بأفواهم ما ليس في قلوبهم)، يأمرون بالخير ولا يفعلونه، ويدعون إلى البر ويهملونه،ويحرفون الكلم عن مواضعه،ويؤولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى . ويجدون فتوى وتأويلات قد تتفق في ظاهره مع النصوص،ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين،لتبرير أغراض وأهواء لمن يملكون المال، أو السلطان !كما يفعل أحبار اليهود)(21) وأدق وصف لهؤلاء بأنهم الصادون عن سبيل الله كما وصفهم تعالى بقوله تعلى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)) (التوبة: 34)
إن كثيراً ممن تزيا بزي الدين، وتلبس به زوراً وبهتاناً؛ لكي يستحوذ على أموال الناس بالباطل، وبمختلف الأساليب حيث يؤكدون أن ذمة المكلف لا تبرئ إلا إذا دفع الأموال إليهم، ولو دفعها للفقراء والمساكين والغارمين وذي الرقاب فإن ذمته تبقى مشغولة أمام الله، وسيحاسب حساباً عسيراً، وربما أفتوا ببطلان صلاته؛ لأن ملابسه فيها خيط من مال الإمام، وأما هم فأيديهم مطلقة بها يتصرفون بها كما يحلو لهم ؛لأن ذلك مما يناسب شأنيتهم ومكانتهم الاجتماعية، التي ما أنزل الله بها من سلطان بل (ولا سبيل لأحد إلى الفوز برضوان الله تعالى ألا بخدمتهم وطاعتهم وبذل الأموال في طلب مرضاتهم)(22)

الهوامش:
(1) تفسير المراغي: 8/6 .
(2) سيد قطب: في ظلال القران 6/159 .
(3) ثقة الإسلام الكليني، الفروع من الكافي: 6/434 .
(4) سيد قطب: في ظلال القرآن: 6/332 .
(5) المحقق البحراني: الحدائق الناضرة 18/119 .
(6) الحر العاملي، وسائل الشيعة: 16/56 .
(7) المحقق الأردبيلي، مجمع الفائدة: 8/64 .
(8) الشيخ الكليني، الفروع من الكافي: 5 / 107.
(9) المحقق الأردبيلي، مجمع الفائدة: 8 / 66 .
(10) الحر العاملي، وسائل الشيعة: 17 / 180 .
(11) المصدر نفسه: 17 / 181 .
(12) المصدر نفسه: 17 / 185 .
(13) جيمس الان سميث ، سماسرة الأفكار: 9 .
(14) المصدر نفسه: 29 .
(15) المصدر نفسه: 35 .
(16) المدرسة القرآنية .
(17) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 17/43 .
(18) الشريف الرضي، نهج البلاغة: قصار الحكم رقم: 147 .
(19) السيد الشهيد الصدر، المدرسة القرآنية .
(20) المدرسة القرآنية .
(21) سيد قطب، في ظلال القرآن: 1/84 .
(22) الرازي، التفسير الكبير: 16/42 .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com