موقع الصراط ... الموضوع : دم الحسين (ع) صرخة في ضمير البشرية
 
الثلاثاء - 5 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  دم الحسين (ع) صرخة في ضمير البشرية  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 25 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
قال أمير المؤمنين (ع) في وصيته لمالك الأشتر:
(إياك والدماء، وسفكها بغير حلها ، فإنه ليس شيء أدعى لنقمة، ولا أعظم لتبعة، ولا أحرى بزوال نعمة، وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها. والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام؛ فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه، بل يزيله وينقله. ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد لأن فيه قود البدن، وإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك، أو سيفك أو يدك بعقوبة فإن في الوكزة فما فوقها)
لقد استبشع الإسلام القتل بغير الحق، وعده اعتداء على البشرية دون استثناء، يقول تعالى : ((منْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأرض لَمُسْرِفُونَ)) (المائدة: 32)
والقتل على ضربين: إما لأمور شخصية تخص الفرد، أو مجموعة من الناس كالعائلة أو العشيرة، وهنا فوض الإسلام لولي الدم أن يقتص بنفسه من القاتل على أن لا يتجاوز الحدود الشرعية، يقول تعالى: ((وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً)) (الإسراء: 33)
هكذا أجاز الإسلام لولي الدم، وحبب إليه العفو، أو الدية، فإن لم يكن للمقتول ولي فوليه ولي الأمر الحاكم الشرعي يقتص من القاتل.
والضرب الآخر من القتل من أجل قضية رسالية عادلة كمن يُقتل في سبيل دينه... والقتل هنا اعتداء على البشرية جمعاء (والدم الذي يراق من أجل قضية التوحيد دم لا يخص ذوي المقتول فقط، وإنما يعم كل أعضاء الأسرة البشرية، كما أن المطالبة بهذا الدم لا تتوقف عند القاتل والمعتدي فقط، بل من أسرة الشرك والجاهلية)
واستشهاد الحسين (ع) وجميع رجال أهل بيته وأصحابه كان من هذا النوع؛ ولذا فإن هذه الجريمة هي اعتداء على الإسلام والمسلمين أجمع، بل على الإنسانية كلها. ومن هنا أطلق على ثأر الحسين (ع) ثار الله وولي الدم هنا هو الله تعالى، وهو الذي يتولى الثأر لدم الشهيد (أي إن الله هو ولي الدم والمتصدي للثائر الشهيد، وإن دم الشهيد ثأر الله، فإن الدم هنا لكل أسرة التوحيد، ولكل الأجيال، والله تعالى هو عميد هذه الأسرة، ووليها الذي يطالب بالثأر لدمها، ومن هذا الباب نخاطب الحسين بن علي (ع) في زيارة (وارث) فنقول: السلام عليك يا ثأر الله وابن ثأره)
وإنما أصبح قتل الحسين (ع) بهذه المثابة، وبهذا الامتداد عبر الزمن إلى يوم القيامة، لأن الصراع بين الحسين (ع) وبين يزيد لم يكن صراعاً شخصياً وعائلياً، وإنما هو صراع بين التوحيد والشرك فيكون الثائر ثائراً للقضية والرسالة، وانتقاماً من الخط الحضاري الذي يريد أن ينال من خط الرسالة فالشهيد يقاتل في سبيل الله؛ ولتثبيت كلمة الله على وجه الأرض، ولإسقاط الطاغوت، وإحباط دوره وعمله في الأرض، وفي المجتمع، ولإزالة الفتنة التي تعيق الناس عن سبيل الله والجريمة هنا ليست جريمة على شخص واحد، وإنما الجريمة على خط والرسالة، التي يقاتل من أجلها الشهيد، وهي تحكيم شريعة الله في الحياة.
فالانتقام لشهداء كربلاء انتقام للرسالة على طول خط التوحيد، والانتقام هنا ليس من جنس الانتقامات الأخرى... فهي انتقام من كل ظالم على طول تأريخ الرسالة، وأما أساليب الانتقام فتتحقق:
بالعمل بجد على تحقيق الأهداف التي استشهد الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه من أجلها، فما لم يتحقق في عصر الشهادة لا بد أن يتحقق فيما بعد، والمحرك لهذا العمل هو دم الشهادة الذي أريق على أرض كربلاء، والمكلف بذلك كل من وعى الأهداف التي عاش الحسين (ع) واستشهد من أجلها... وشعار ثأر الله شعار بذلك، وتحسيس بالمسؤولية لكل مؤمن بالرسالة الإلهية، وكل مؤمن استشهد على هذا النهج هو امتداد لتلك الشهادة العظيمة فكل الذين قدموا حياتهم فداءً للإسلام نحن مطالبون للثائر لدمائهم الزكية بمواصلة السير على نهجهم؛ لتحقيق الأهداف التي ضحوا من أجلها.
وقد ضمن الله لأولئك المضحين الثائرين من يثأر لهم إن عاجلاً أو آجلاً؛ ولهذا لا بد أن يواصل المؤمنون الانبعاث على خطهم في التضحية والفداء طلباً لرضوان الله في تثبيت دعائم الإسلام، ورفض زخارف الدنيا إيثاراً لطاعته الله تعالى...
ومن هذا المنطق أصبحت كل قطرة من دماء الحسين (ع) صاعقة تحرق بيوت الظالمين في كل زمان.
(إذن فإن الثورة بأهميتها هذه ذات استمرارية خالدة فكل مكان يقف عليه ثائر هنا وهناك هو كربلاء، وكل طعنة سيف في عاشوراء هي طعنة لمفاسد الحكم في أي وقت، وكل نقطة دم أريقت فداء للحق استمرت تعلن فداءها في رغبة الإنسان العامرة في الاستشهاد في سبيل مبادئه)
ولنرجع إلى النص الذي افتتحنا به الموضوع . فقد حذر أمير المؤمنين (ع) من سفك الدماء بغير حلها؛ لأنها جريمة لا تغتفر، ولها آثار وضعية سريعة في الدنيا فضلاً عن الآخرة ومن آثارها:
1- إنها تنزل النقمة على القاتل، وإذا نزلت نقمة الله على أحد أهلكته، وليس من الخطر أكبر من هذا الخطر.
2- لها تبعات اجتماعية خطيرة حيث تورث العداوة والبغضاء؛ فإن بشاعة القتل لا تنسى، ولا تمحى من ذاكرة الإنسان أبداً.
3- تعجل فناء القاتل وهلاكه.
4- إنها تضعف الحكومات والدول فضلاً عن الأفراد، ولا تقتصر على التضعيف، وإنما تزيل الدولة، وتسقط الحاكم، وتنقل الحكومة من أيدي الحاكمين.
ولا أدل على ذلك من دولة بني أمية؛ فإنها رغم سعتها وجبروتها لم تدم بعد قتل الحسين (ع) طويلاً، يقول عباس محمود العقاد: (ولم تعمر دولة بني أمية بعدها عمر رجل واحد مديد الأجل، فلم يتم لها بعد مصرع الحسين (ع) نيف وستون سنة... وكان مصرع الحسين (ع) هو الداء القاتل الذي سكن في جثمانها حتى قضى عليها، وأصبحت ثارات الحسين (ع) نداء كل دولة تفتح لها طريقاً إلى الإسماع والقلوب)
والدماء التي سفكت في العراق طيلة ثلاثين سنة على يد فرعون العراق دليل آخر على ضعف الدول وفنائها فرغم ما بناه صدام لعنه الله من حصون حصينة، وأعد قوات جبارة تحيط به فقد عاد أهون من بيت العنكبوت، وأذله الله بتسلط أسياده الذين صدوه بالقوة والعدة والعدد، والذين نصبوه واليوم عادوا يستذلونه حتى يفتشوا غرفة نومه وسبحان الله كيف ما تدين تدان.
والدماء التي تسيل في فلسطين اليوم نذير خير بزوال دولته إسرائيل البغيضة، إن شاء الله تعالى ...
وهكذا أصبح الدم المراق في سبيل الله ثورة تحطم عروش الظالمين، وكل ذلك امتداد لتلك الثورة العظيمة التي تفجرت في أرض كربلاء.
أبا العقيدة ما نزلت بساحة * إلا لتقدح كل زندٍ وارِ
يا ابن البتول نهضت أعظم نهضة * أعطت دروس الحق للثوار
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com