موقع الصراط ... الموضوع : الحلم-1
 
السبت - 9 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الحلم-1  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 25 / ذي القعدة / 1433 هـ
     
  الحلم الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
((وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) (آل عمران: 134)
الكظم لغة: هو شد رأس القربة إذا ملئت ماء، واستعير للإنسان إذا امتلأ حزناً، أو غضباً وانفعالا، ولم يظهره، بل احتبسه في صدره. والغيظ: هو انفعال شديد ، وهيجان الطبع للانتقام … وأما اصطلاحاً فالكظم: هو ضبط النفس وتوازنها، وثباتها عند تعرضها للاستفزازات المثيرة، بحيث لا يخرج الإنسان عن حد الوسط، وهو أعلـى درجات الحلم، يقول الإمام أمير المؤمنين (ع): (أفضل الحلم كظم الغيظ ، وملك النفس مع القدرة) فقوله (ع): (ملك النفس) تفسير لكظم الغيظ إي إن المرء عند ما يثار يجب أن يملك نفسه، وفرق كبير بين مـن يملك نفسه أي يسيطر على انفعالاته (يفرض ويرفض في هدوء وثبات وإصرار) … وبين من تملكه نفسه أي يندفع مع أهوائه وميوله. وما يثيره بقوة دون تعقل.
فالحلم إذن هو الأناة ، والتثبت في مواجهة المثيرات ، وجمعه أحلام وعلاماته ضبط النفس أمام المثيرات والمزعجات. وبعبارة أخرى هو القدرة على ضبط النفس في المواقف المثيرة (والقدرة على تغليب الأهداف البعيدة على الأهداف القريبة) وهو دلالة على رفعة النفس وسموها، ونضجها الانفعالي وتحررها من الميول الدانية: كالأنانية ، والاتكال على الغير، والخوف من تحمل المسؤولية ، والتصرف المنفعل وغير المتَّزن في المواقف المثيرة؛ ولذلك عدّ علماء الأخلاق الحلم من أشرف الكمالات النفسية بعد العلم؛ لأن العلم إذا لم يلازمه الحلم لا ينفع ، وفيه تبرز النفس الكبيرة المطمئنة التي لا تستفزها المثيرات بسهولة، حتى أنك تستطيع أن تعرف حجم الشخص ، ودرجة سموّه من حجم الأشياء التي تثيره ، وبعبارة أخرى: الحلم هو التصرف بتعقل، وتأني وقوة، ورزانة، واعتدال في المواقف المثيرة، والرد عليها بما يدفع الشر، ويجلب الخير. يقول تعالى في وصف عباده المخلصين: ((وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُوُنَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنَاً وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُوُنَ قَالُوُا سَلاَمَاً)) (الفرقان: 63)
وهو أيضاً حالة إعراض وصفح وعفو عن سفاهات الجاهلين. يقول تعالى: ((خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)) (الأعراف: 199) فقوله تعالى: (خذ العفو) هو: تعبير عن وجوب ملازمة العفو والصفح، أي أن المؤمن ينبغي له أن يتّصف بالسماح ، والتغاضي عن هفوات الآخرين الذين يرجى إصلاحهم ومعنى الآية (أنه أمره بالتساهل، وترك الاستقصاء في القضاء والاقتضاء، وهذا يكون في الحقوق الواجبة لله وللناس وفي غيرها، وهو في معنى الخبر المرفوع أحب الله عبداً سمحاً، بائعاً ومشترياً، وقاضياً، ومقتضياً، وقيل: هو العفو في قبول العذر من المعتذر ، وترك المؤاخذة بالإساءة، وروي أنه (لما نزلت هذه الآية سأل رسول الله (ص) جبريل عن ذلك فقال: لا أدري حتى أسأل العالِم، ثم أتاه فقال: يا محمد إن الله يأمرك أن تعفوا عمن ظلمك، وتعطي من حرمك وتصل من قطعك)(1)
وخلاصة الكلام أن الحلم: ملكة نفسية، تحفظ للإنسان توازنه وتماسك شخصيته أمام المثيرات، وهي من أسمى مكارم الأخلاق. قال الإمام الباقر (ع): (ثلاثة من مكارم الدنيا والآخرة: أن تعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك وتحلم عمن جهل عليك)(2)
لكن ينبغي أن نشير، أنه ليس كل إعراض وعفو هو حلم، بل الحلم هو: الصفح، والعفو، وكظم الغيظ مع القدرة على الانتقام، يقول أمير المؤمنين (ع): (ليس الحليم من عجز فحجم ، وإذا قدر انتقم، إنما الحليم من إذا قدر عفا وكان الحلم غالباً على كل أمره)(3)

دواعي الحلم :
للحلم دواعي يصدر عنها الحليم منها :
1 - سموِّ النفس ورفعتها، بحيث أنها تترفع أن تقابل الإساءة بالإساءة والسفه بمثله، يقول تعالى في وصف عباده الصالحين: ((وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون)) (القصص:54)
2 - الرحمة بالجاهل مع القدرة على العقوبة: النفوس الكبيرة تترفع عن الانتقام من الجاهلين، ولذا كان رسول الله (ص) مع أذية قومه له يقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)
من مصاديق حلم رسول الله (ص) ما وقع له مع أحد أعداءه وأراد قتله فقد: (وقف عليه غورث بن الحارث وبيده السيف فقال: ما يمنعك مني يا محمد؟ فقال (ص): الله العظيم. فسقط السيف من يده، وتناوله النبي (ص) وقال له: ما يمنعك مني الآن ؟ قال: العفو عند المقدرة. فخلى سبيله ، وذهب الرجل إلى أصحابه يقول: جئتكم من عند أحلم الناس)(4)
وفي يوم خيبر لما قسم الغنائم، قال له بعض أصحابه: (أعدِل يا محمد فقال: ويحك لقد خسرت الصفقة إن لم أكن عادلاً، وأراد بعض الصحابة قتله فنهاهم النبي (ص)، وقال: معاذ الله أن تُحَدِث الناس بأني أقتل أصحابي، إني أحب أن أكون سليم الصدر)(5)
ويروي لنا التاريخ عمن سادوا أقوامهم بالحلم، ومنهم الأحنف بن قيس الذي كان معروفاً بهذه الصفة ، وكان يقول: (ما آذاني أحد إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت له فضله، وإن كان مثلي تفضلت عليه، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه)
وقيل: (من عادة الكريم: إذا قدر غفر، وإذا رأى ستر)
وقالوا: (ليس من عادة الكرام سرعة الغضب والانتقام)
3 - حب الائتلاف والجذب؛ لأجل التغيير من حال إلى حال فإن كثيراً من الناس يؤثر فيهم الصفح ، وخصوصاً ذوي النفوس غير الملوثة بأدران الذنوب ومذام الأخلاق.
4 - رعاية حق الصحبة، والصداقة القديمة، وذكر الإحسان السابق .
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com