موقع الصراط ... الموضوع : طلب العلم فريضة على كل مسلم-5
 
الإثنين - 4 / شوال / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  طلب العلم فريضة على كل مسلم-5  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 1 / ذي الحجة / 1433 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
ما هي العلوم الواجب طلبها؟
قال الفيض الكاشاني: (العلم الذي طَلَبه فريضة على كل مسلم: هو العلم الذي يستكمل به الإنسان بحسب نشأته الأخروية، ويحتاج إليه في معرفة نفسه، ومعرفة ربه، ومعرفة أنبيائه، ورسله، وحججه، وآياته، واليوم الآخر، ومعرفة العمل بما يسعده ويقربه إلى الله تعالى، وبما يشقيه ويبعده عنه جل وعز.
ويختلف مراتب هذا العلم حسب اختلاف استعدادات أفراد الناس، واختلاف حالات شخص واحد بحسب استكمالاته يوماً فيوماً، فكلما حصل الإنسان مرتبة من العلم وجب عليه تحصيل مرتبة أخرى فوقها إلى ما لا نهاية له بحسب طاقته وحوصلته.
ولهذا قيل لأعلم الخلائق ((وقل رب زدني علماً)) ، وقيل وقت الطلب (من المهد إلى اللحد) هذا أقوم ما قيل فيه، و(بغاة العلم): طلابه جمع (باغٍ) كهداة جمع (هادٍ)، وباغ العلم عرفاً من يكون اشتغاله به دائماً بحيث يعرف به، ويعد ذلك من أحواله كما هو ظاهر)(1)
لا شك أنَّ كل علم من العلوم الإلهية له دور وأثر في بناء الشخصية الربانية، فهو يعالج عوامل النقص، والقصور، ويعالج الأمراض النفسية في مجالي الظاهر الإنساني وباطنه.
ومن أحسن التقاسيم للعلوم ما أفاض به قلم العارف الإلهي الإمام الخميني قدس سره، يقول: (فجميع العلوم النافعة تنقسم إلى هذه العلوم الثلاثة: علم راجع إلى الكمالات العقلية والوظائف الروحية، وعلم راجع إلى الأعمال القلبية ووظائفها، وعلم راجع إلى الأعمال القالبية الخارجية، ووظائف النشأة الظاهرة للنفس)(2) 1- العلم الراجع إلى الكمالات العقلية والوظائف الروحية، يقول قدس سره: (أما العلوم التي تقوّي العالم الروحاني، والعقل المجرد وتربيتهما فهي: العلم بالذات المقدس الحق جلّ وعلا، ومعرفة أوصافه الجمالية والجلالية، والعلم بالعوالم الغيبة المجردة مثل الملائكة وأصنافهم من أعلى مراتب الجبروت الأعلى والملكوت الأعلى إلى نهاية الملكوت السفلي والملائكة الأرضية وجنود الحق سبحانه، والعلم بالأنبياء والأولياء ومقاماتهم ومدارجهم، والعلم بالكتب المنزلة، وكيفية نزول الوحي، وتنزل الملائكة والروح، والعلم بنشأة الآخرة، وكيفية عودة الموجودات إلى عالم الغيب، وحقيقة عالم البرزخ والقيامة، وتفاصيل ذلك.
وملخص الكلام أنَّ العلم الذي يرتبط بالعالم الروحاني والعقل المجرد، هو العلم بمبدأ الوجود، وحقيقته، ومراتبه، وبسطه، وقبضه، وظهوره، ورجوعه. ويتكفل بيان هذا العلم بعد الأنبياءِ، والأولياءِ، الفلاسفةُ، والعظامُ من الحكماء، وأصحابُ المعرفة والعرفان)(3)
2- العلم الراجع إلى الأعمال القلبية ووظائفها، يقول قدس سره: (العلم بالمُنجيات الخُلقُيّة والمهلكات الخُلقية، أي العلم بمحاسن الأخلاق مثل الصبر، والشكر، والحياء، والتواضع، والرضا، والشجاعة، والسخاء، والزهد، والورع، والتقوى، وغير ذلك من محاسن الأخلاق، والعلم بكيفية تحصيلها، وأسباب حصولها، ومبادئها، وشرائطها. والعلم بقبائح الأخلاق مثل الحسد، والكبر، والرياء، والحقد، والغش، وحب الرئاسة والجاه، وحب الدنيا والنفس وغير ذلك، والعلم بمبادئها التي تمنحها الوجود، والعلم بكيفية التنزه عنها. والذي يتولىّ بيان هذه الأمور أيضاً الأنبياء والأوصياء عليهم الصلاة والسلام، ثم علماء الأخلاق، وأصحاب الرياضة الروحية وذوي المعارف)(4)
3- العلم الراجع إلى الأعمال القالبية الخارجية، ووظائف نشأة النفس الظاهرة، يقول قدس سره: (والعلوم التي تناط بها تربية الظاهر وترويضه، علم الفقه ومبادئه، وعلم آداب المعاشرة وتدبير المنزل، وسياسة المُدُن ويتكفل بشرحها الأنبياء، ثم الأولياء عليهم السلام، ثم علماء الظاهر من الفقهاء والمحدّثين. ولا بد من معرفة أنَّ كل واحد من هذه المراتب الثلاث الإنسانية المذكورة مترابطة بدرجة، تنعكس آثار كل مرتبة على المرتبة الأخرى من دون فرق في ذلك بين الأمور الكمالية، أو الأمور القبيحة المعيبة)(5)
بناء على هذا التقسيم الجميل يتضح أنَّ العلوم والمعارف الإلهية التي يجب أن يعرفها المكلف هي العلوم التي تغير الإنسان بتطهير باطنه من الأمراض النفسية، كالتكبر، والعجب، والغرور، وتُؤَصِّل في نفسه الشعور بالعبودية لله تعالى، وتثمر الخشوع، والخضوع، والضراعة إلى الله تعالى، وتحرره من عبودية الهوى والشيطان، وتَرجي السلاطين الطغاة، وتجعله لا يشعر بمؤثر في الوجود إلا الله تعالى كما وصفهم أمير المؤمنين (ع): (هَجَمَ بِهِمُ اَلْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ اَلْبَصِيرَةِ، وَبَاشَرُوا رُوحَ اَلْيَقِينِ، وَاِسْتَلاَنُوا مَا اِسْتَوْعَرَهُ اَلْمُتْرَفُونَ، وَأَنِسُوا بِمَا اِسْتَوْحَشَ مِنْهُ اَلْجَاهِلُونَ، وَصَحِبُوا اَلدُّنْيَا بِأَبْدَانٍ أَرْوَاحُهَا مُعَلَّقَةٌ بِالْمَحَلِّ اَلأَعْلَى، أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اَللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَاَلدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ)(6)
وهذه العلوم مترابطة ، ولا يمكن الفصل فيما بينها لمن أراد أن يبني الشخصية الإلهية، فكل مرتبة لها دور وتأثير على المرتبة الأخرى، فالقيام بالمناسك الظاهرية بأصولها المرعية المحدد، والمرسومة من قبل الشارع المقدس لها دور في تربية الروح، وتهذيب الأخلاق، ومن قام بتنمية عقله، وتكميل عقائده انعكس على تقويم وتحسين أخلاقه، ومن علم كيف يحسن أخلاقه، وسلوكه انعكس على حركاته ؛ لأنَّ للباطن تأثيراً على الخارج؛ ولهذا من الخطأ أن يتصور أحد أنَّه يستطيع (أن يكون ذا إيمان كامل أو خلق مهذب من دون الأعمال الظاهرية، والعبادات الصورية) البدنية كالصلاة، والحج، وغيرها، كما لا يمكن أن يتم أعماله الظاهرية، ويكمل محاسن أخلاقه من دون إيمان عقلي؛ ولهذا لا ينبغي أن يحسب أنَّه يستطيع أن يكمل شخصيته الدينية الإلهية بواحدة من العلوم دون الأخريين، فلا يحسب بأنَّ التهذيب يكفيه؛ ولهذا رد الإمام الخميني قدس سره على شيخ الإشراق من التقسيمات الثلاثة: (كامل في العلم والعمل، وكامل في العمل، وكامل في العلم)، فلا يمكن أن يكون كاملاً في العلم من دون العمل به، فما يطلب الإنسان العلم إلا ليعمل به، وإذا لم يعمل بعلمه أصبح علمه لقلقلة فارغة، ومصطلحات جافة لا قيمة لها، وهذا العمل لا يكمل عقلاً، ولا يهذب خلقاً، بل ربما يصبح حجاباً بين الإنسان وربه، وبينه وبين أبناء جنسه لما يصيبه من غرور، وإعجاب، وتفاخر بالعلم (العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل) كما أنَّ العمل بلا علم، ومعرفة يوقع الإنسان بالتخبط والعشوائية، فلا يصل إلى كماله، ورشاده ؛ لأنَّ الإنسان في كل شأن من شؤونه، وحركة من حركاته يحتاج إلى العلم والمعرفة، والسائر بغير معرفة كالسائر على غير الطريق لا يزيده سرعة السير إلا بعداً عن الهدف.
كما أنَّ من يحاول تهذيب أخلاقه بغير العلم والعمل كمسلك بعض الصوفية القائم على مخالفة الهوى والشهوات أيضاً قد يجره إلى العزلة والتحجر وبالتالي ينتهي به إلى الجمود والبلادة، فما أمر الله بمجاهدة النفس إلا لتهذيب الأخلاق، وما أمر بتهذيب الأخلاق إلا ليكون إنساناً صالحاً نافعاً لنفسه وللآخرين يسعد نفسه، ويسعد الآخرين، فحسن الخلق سعادة، ورقي، وسوء الخلق عذاب يختاره الإنسان بنفسه، إذن لا بد لبناء الإنسان الكامل من العلم، والعمل، والإيمان، وبدونها جميعاً لا يحصل على المطلوب، ولا يكتفي بواحدة دون أخرى، ولا ثانياً دون الثالث.

الهوامش: (1) الفيض الكاشاني، الوافي: 1/125-126 .
(2) الإمام الخميني، الأربعون حديثاً: 352 .
(3) المصدر نفسه.
(4) المصدر نفسه: 352-353 .
(5) المصدر نفسه: 353 .
(6) نهج البلاغة: قصار الحكم: 147 .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com