موقع الصراط ... الموضوع : ابن عباس، مدرسته ومنهجه في التفسير-1
 
الخميس - 5 / ربيع الأول / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  ابن عباس، مدرسته ومنهجه في التفسير-1  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 1 / ذي الحجة / 1433 هـ
     
  بقلم: حسن السعيد
لا تزال البحوث والدراسات القرآنية تتوالى لإثراء حركة الفكر الإسلامي، ورغم أنها قد قطعت شوطا مهما، في هذا المضمار إلا أنها لم تلبث مشدودا بقوة إلى البدايات، التي اضطلع بمهمة القيام بله ثلة من الصحابة والتابعين، وفي محاولة رائدة ومبكرة، لإرساء أسس علوم القران، وتثبيت معالمها، وتحديد منهجيتها.
وكان من الطبيعي ان يكون أول ما يدون من "علوم القران" هو "علم التفسير"، إذ هو الأصل في فهم القران وتدبره وعليه يتوقف استنباط الأحكام، ومعرفة الحلال والحرام(1) كما وان من الطبيعي ان يكون أمين الله على وحيه مفسرا لكتابة، يقول تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون)(2) إذ كان الرسول المفسر الأول يبين المجمل من القرآن. وهذا رجل يسأل الرسول فيقول: أرأيت قول الله: (كما أنزلنا على المقتسمين) فيقول الرسول: اليهود والنصارى. فيقول الرجل: (الذين جعلوا القرآن عضين) ما عضين؟ فيقول الرسول: "امنوا ببعض وكفروا ببعض"(3).
وقراءه سريعة لدور الرسول الكريم (ص) في هذا الاتجاه، يتضح لنا بشكل جلي انه كان أمام المفسرين الأول، ورائدهم الامثل، وهو الذي أنار لهم الطريق وأضاء لهم السبيل، وكان الأعلام من أصحابه يرجعون اليه في حياته، إذا استغلق عليهم الأمر، او التوت عليهم الفكرة، فلما سبقهم صلى الله عليه واله وسلم إلى الرفيق الأعلى حملوا من بعده المشعل(4).
في عصر النبوة لم يكن الناس بحاجة إلى ان يبين لهم الرسول مناسبات النزول، فالأحداث التي تنزل فيها الآي تجري بين أعينهم وتتناقلها أسماع العرب وأفواههم في أنحاء الجزيرة العربية، ولاهم بحاجة إلى ان يقفوا طويلاً أمام متشابه القرآن يحكمون منطقهم لان عقولهم على فطرتها لم تألف تعمقا او لجاجاً في تفكير فلسفي(5).
وفيما كانت الحياة الإسلامية، في مرحلة ما بعد النبوة، تزدحم بكبار الصحابة، ممن انصرف العديد منهم إلى مهمات عديدة، تطلبتها ظروف توسع الدولة الإسلامية ومقتضيات التطبيق.. فشغل الجميع بالوضع المستجد لكن فتى طموحاً ـ هو ابن عباس ـ بهره أول ما تفتحت عيناه على الحياة نور الإسلام وأحداثه.. فأكب يدرس هذه الثورة: القران يدرسه من كل نواحيه وكان بحق أول باحث يمثل حاجة الجيل الذي تلا جيل الرسول. يمثل حاجته إلى الوسائل والأسباب التي يستعينون بها على فهم القران وملابساته، وقد تباعد شيئاً عصر الثورة عنهم(6).
وهكذا انبرى هذا الفتى الهاشمي إلى مهمة جليلة وخطيرة، وبذا استحق بجدارة ان يكون ترجمان القران، وحبر الأمة ورأس المفسرين، كما يقول أبو الخير في طبقاته.

*إشكالية منهجية
حينما ينصب الحديث على ابن عباس تواجه الباحث إشكالية منهجية، من نوع خاص، فالمعروف انه تعرض إلى حملات ظالمة من قبل الأمويين، ولأسباب معروفة من جهة، ومن جهة أخرى، جرت محاولات مقصودة، في العصر العباسي خاصة، لإضفاء ما ليس فيه عله، وذلك كرد فعل لما لحق به من تشويه، من هنا تأتي صعوبة الخوض في شخصية شارك في التقوّل علها الموتورون منه والمنتسبون اليه، ولأسباب سياسية ضيقة، أين منها نزاهة العلم والبحث الموضوعي..؟ ورغم هذه الحقيقة المؤلمة يبقى عبد الله بن عباس أسمى من ان تناله أحقاد القادحين، واجل من ان ينسب اليه المادحون، وتبقى الحالتان ظاهرة مدانة ومؤسفة، ومن وجهة نظر علمية مجردة.

*نسبة ومولده
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ابن عم الرسول الله صلى الله عليه واله، وأمه: أم الفضل، لبابه الكبرى بنت الحارث بن حزن الهلالية(7).
ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل بخمس، وقيل غير ذلك، والأول اثبت وهو الأشهر.
وآياً كان تاريخ مولده، فان من المؤكد انه ولد وأهله محاصرون في شعب أبي طالب بمكة حيث كانوا مقاطعين من قبل قريش(8) وحالما أبصر النور أتي النبي عليه الصلاة والسلام فحنكة بريقه(9).

*بيئته
عاصر ابن عباس ثلاث مراحل من عصر صدر الرسالة: وهي مرحلة النبوة، والخلافة، ودولة بني أمية. ورغم ابتعاده القسري ـ او قل أبعاده ـ عن ممارسة دوره المناسب في المرحلة الأخيرة، فانه ظل لصيقا بما يجري من أحداث، ومراقبا لها عن كثب، يصطلي بنارها، ويهوله ما آلت اليه الأمور.. وفي ذات يؤدي مهمته الرسالية.
ففي البدء، وحين استشرف بصره نور الحياة بهره نور الإسلام وأحداثه.. قران وحديث، معارك بين الشرك والتوحيد، قلة مع الرسول تنحصر، وكثرة مع الشرك تنهزم.. وأيفع الفتى فإذا بالإسلام يبسط ذراعيه على الجزيرة العربية، وإذا دولة إسلامية قوية تنهض من ضعف وفوضى ليتهاوى على قدميها تاجا سيدتي العالم، فارس الروم. ثم إذا نفوس كدرتها جفاوة الجاهلية تصفو، وإذا جيوش المسلمين تندفع مشرقة ومغربه تبث نور الإسلام حيث تحل.. ثم لا ننسى صلة الرحم التي تربط الفتى ابن عباس ببطل هذه الأحداث. ولا ان مسرح هذه الأحداث هو موطن هذا الفتى ومراحله(10).
لقد عايش "حبر الأمة" مرحلة عظيمة، حاشدة بالانتصارات، ومزدحمة بالفتوحات، كما شهد فترات خطيرة من الزمن حبلى بالفتنة الكبرى ومترعة بالأحداث الجسام، فتح عينية وهو وبنو هاشم محاصرون في مكة من قبل مشركي قريش.. ودع الدنيا وهو وبنو هاشم محاصرون أيضاً وفي مكة أيضاً من قبل عبد الله بن الزبير!!.
وبين هذا الحصار وذاك، كان ابن عباس يحاصر بعلمه المشركين، والطلقاء، وممن في قلوبهم مرض، طيلة مرحلة الخلفاء ـ ما عدا فترة قصيرة أواخر أيام عثمان بن عفان ـ وكان بمثابة المستشار، في حقبة أبي بكر وعمر، فيما كان اقرب الناس إلى علي، وآثرهم عنده.. وصاحب رأى علي واعرف الناس بدخيلة أمره وأقدرهم على نصحه ونصره، وأجرهم ان يعينه ويخلص له..(11).
وفي كل الأحوال، ظل ابن عباس حبر الأمة وبحرها يفيض بعطائه، وكان بحق هبة الزمان في جيله وبعد جيله إلى اليوم(12).

*حياته
لازم "ابن عباس" ومذ نعومه أظفاره، النبي عليه الصلاة والسلام، لقرابته منه، ولان خالته "ميمونة" كانت من أزواج رسول الله صلى الله عليه واله وتوفي رسول الله (ص) وله من العمر ثلاث عشرة سنة، وقيل خمس عشرة، فلازم كبار الصحابة، واخذ عنهم ما فاته من حديث رسول الله (ص)..(13).
يقال انه غزا أفريقيا مع ابن أبي سرح سنة سبع وعشرين. وشهد مع علي (ع) الجمل وصفين والنهروان. كان على مقدمة علي (ع) في حرب الجمل كما ذكره الشيخ المفيد في كتاب الجمل.. لكن يظهر من آخرين انه كان على ميمنة علي فيها. وفي صفين كان على ميسرته (ع).
ولاة الإمام علي (ع) البصرة بعد حرب الجمل، واستمر والياً عليها إلى ان قتل علي (ع) في سنة أربعين.
وولي البصرة أيضاً من قبل الإمام الحسين (ع) وبقي عليها إلى ان صالح الحسن معاوية على شروط لم يف بها الأخير. ويقال: انه شهد الصلح أيضاً.
رشحه الإمام علي (ع) ممثلا عنه في التحكيم بعد صفين. فرفضه أولئك الذين أصبحوا فيما بعد خوارج وقد ناظر الخوارج في النهروان، وكان يلقي عليهم ما يلقنه إياه الإمام علي (ع)، فرجع منهم-على ما قيل-ألفان عن غيهم وضلالهم.
كان مع الطالبيين الذين حصرهم ابن الزبير وجمع الحطب حول دورهم، وأراد إحراقهم، فأنقذتهم النجدة من الكوفة...(14).
كف بصرة في أخر عمره، فسكن الطائف وتوفي بها(15) سمة ثمان وستين على الأرجح، وله من العمر سبعون سنة.. وتولى وضعه في قبره محمد بن الحنفية وقال بعد ان سوى عليه التراب: مات والله اليوم حبر هذه الأمة(16).

*من مواقفه
كثيرة هي مواقف "حبر الأمة" في نصرة الحق وأهله بوجه الباطل وإتباعه ولسنا هنا بصدد تلك المواقف البطولية، بقدر ما نقف على نماذج مختارة.

*هو.. وابن الكوا
روى الكليني بسنده عن الصادق (ع): ان عبد الله بن عباس لما بعثه أمير المؤمنين (ع) إلى ابن الكوا وأصحابه وعليه قميص رقيق وحله قالوا: يا ابن عباس أنت خيرنا في أنفسنا وأنت تلبس هذا اللباس؟ فقال: وهذا أول ما أخاصمكم فيه (قل من حرم زينة الله التي اخرج لعبادة والطيبات من الرزق) وقال الله عز وجل: (خذوا زينتكم عند كل مسجد)(17).

*هو.. وعائشة
وفي مناقب ابن شهر أشوب، ان أمير المؤمنين (ع) أنفذ يوم الجمل زيد بن صوحان وعبد الله بن عباس إلى عائشة فوعظاها وخوفاها ثم نقل عن (رامش افزاي) أنها قالت: لا طاقة لك بحجج المخلوق فكيف طاقتك بحجج الخالق؟(18).

*هو.. ومعاوية
اجتمعت قريش الشام والحجاز عند معاوية وفيهم عبد الله بن عباس، وكان جريئا على معاوية، حقاراً له، فبلغه عنه بعض ما غمه.. فذكر علياً وأساء الذكر.. ثم وجه كلامه للمجتمعين.. ولو شئت لأخذت بحلاقيمكم، وقيأتكم ما أكلتم، ولا يزال يبلغني عنكم ما تبرك به الإبل، وذنوبكم ألينا أكثر من ذنوبنا أليكم: خذلتم عثمان بالمدينة، وقتلتم أنصاره يوم الجمل، وحاربتموني بصفين، ولعمري لبنو تميم وعدي (يقصد قوم أبي بكر وعمر) أعظم ذنوبا منا أليكم، إذ صرفوا عنكم هذا الأمر، وسنوا فيكم هذه السنة، فحتى متى اغفي الجفون على القذى واسحب الذيول على الأذى، وأقول: لعل الله وعسى ما تقول بابن عباس؟.
فتكلم ابن عباس.. ومما قال:.. وليس الذي يبلغك عنه بأعظم من الذي يبلغنا عنك، ولو وضع اصغر ذنوبكم ألينا على مائه حسنة لمحقها، ولو وضع أدنى عذرنا أليكم على مائه سيئة لحسنها، واما خذلنا عثمان فلو لزمنا نصره لنصرناه، واما قتلنا أنصاره يوم الجمل، فعلى خروجهم مما دخلوا فيه، واما حربنا إياك بصفين فعلى تركك الحق، وادعائك الباطل، واما إغراؤك إيانا بتميم وعدي فلو أردناها ما غلبوها عليها وسكت. فقال في ذلك ابن أبي لهب:
إن ابن حرب عظيم القدر في الناس * حتى رماه بما فيه ابن عباس
ما زال يهبطه طوراً ويصعده * حتى استقاد وما بالحق من باس
لم يتركن خطة مما يذللُه * إلا كواه بها في فروة الراس(19)

هو.. وعمرو بن العاص
عن أبي مخنف قال: حج عمرو بن العاص فمر بعبد الله بن عباس فحسده مكانه، وما رأى من هيبة الناس له، وموقعة من قلوبهم، فقال له: يابن عباس !مالك إذا رأيتني وليتني القصره (اصل العنق والرقبة) وكأن بين عينيك وبره، وإذا كنت في ملأ من الناس كنت الهوهاة (الأحمق) الهمزة!.
فقال ابن عباس: لأنك من اللئام الفجرة، وقريش الكرام البررة، لا ينطقون بباطل جهلوه، لا يكتمون حقا علموه، وهم أعظم الناس أحلاماً، وارفع الناس أعلاماً.
دخلت في قريش ولست منها فأنت الساقط بين فراشين لا في بني هاشم رحلك ولا في بني عبد شمس راحلتك، فأنت الأثيم الزنيم، الضال المضل، حملك معاوية على رقاب الناس فأنت تسطو بحمله وتسمو بكرمه..(20).

*هو.. وابن الزبير
عن الشعبي قال: قال ابن الزبير لعبد الله بن عباس: قاتلت أم المؤمنين وحواري رسول الله (ص)، وأفتيت بزواج المتعة.
فقال: أما أم المؤمنين فأنت أخرجتها وأبوك وخالك، وبنا سميت أم المؤمنين، وكنا لها خير بنين، فتجاوز الله عنها. وقاتلت أنت وأبوك علياً، فان كان علي مؤمنا فقد ضللتم بقتالكم المؤمنين، وان كان علي كافراً بُؤتم بسخط من اله بفراركم من الزحف، واما المتعة، فان عليا رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله (ص) رخص فيها فأفتيت بها.. وأول مجمر سطع قي المتعة مجمر آل الزبير(21).
ويطول الحديث عن مواقف ترجمان القران عبد الله بن عباس مع القاسطين والناكثين والمارقين، وكانت له احتجاجات ومناظرات خاصة مع أقطاب بني أميه والخوارج.

* تواضعه
كان لابن عباس من العلم بأمور الدين والدنيا، ومن المكانة في بني هاشم خاصة، وفي قريش عامة، وفي نفوس المسلمين جميعاً(22) ما كان خليقاً ان يضعه في مصاف العظماء. وفي الوقت الذي كان فيه شديدا على المنحرفين، إذ لم يكن يخشى في الله لومه لائم. نراه يتواضع ـ بالقدر نفسه ـ أمام عباد الله الصالحين.
فهذا ابن عباس ـ وهو حبر الأمة وبحرها ـ لم يكن يتوانى عن ان يمسك بركاب الحسنين عليهما السلام إذا ركبا(23). ولم يقتصر الأمر على تبجيله لسيدي شباب أهل الجنة وحسب، وإنما تعداه إلى غيرهما.
يقول الشعبي: ركب زيد بن ثابت فأخذ عبد الله بن عباس بركابه، فقال له: لا تفعل يا بن عم رسول الله (ص). قال: هكذا أمرنا ان نفعل بعلمائنا، فقال له زيد: ارني يدك، فأخرج اليه يده، فأخذها وقبلها، وقال: هكذا أمرنا ان نفعل بأهل بيت نبينا(24).
وهذا هو ديدن أهل العلم والفضل.. واليست الشجرة كلما أثمرت تدلت.. فيما هي السنابل الفارغة ترفع هامتها عاليا خلاف السنابل المثمرة المنحنية؟!

*ثقافته
تضافرت عدة عوامل ـ منها الموضوعية ومنها الذاتية ـ على تكوينه الثقافي. حتى نستطيع القول ان ابن عباس كان مثقف عصره بلا منازع!
وقد شهد بهذه الحقيقة معاصروه ومريدوه، إذ قال فيه ابن مسعود، رضي الله عنه: نعم ترجمان القران ابن عباس. وقال فيه عطاء: ما رأيت أكرم من مجلس ابن عباس، اصحاب الفقه عنده، واصحاب القران عنده، واصحاب الشعر عنده، يدرهم كلهم من واد واسع.
وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: كان ابن عباس قد فات الناس بخصال: بعلم ما سبقه وفقه ما احتيج اليه من رأيه، وحلم ونسب وتأويل، وما رأيت أحداً كان اعلم بما سبقه من حديث رسول الله (ص) منه، ولا بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان منه ولا افقه في رأي منه، ولا اثقب رأيا فيما احتيج اليه منه، ولقد كان يجالس يوماً ولا يذكر فيه إلا الفقه، ويوماً أيام العرب، ولا رأيت عالماً قط جلس اليه إلا خضع له، وما رأيت سائلاً قط سأله إلا وجد عنده علماً(26).
ويؤكد تلميذة عطاء بن أبي رياح هذا المنحى المنهجي المتبع من لدن ابن عباس فيقول: كان ناس يأتون ابن عباس في الشعر والأنساب، وناس يأتونه للفقه والعلم، فما منهم صنف إلا يقبل عليهم بما يشاؤون، وكان كثيرا ما يجعل أيامه يوما للفقه ويوما للتأويل، ويوما للشعر، ويوما لوقائع العرب(27).
أما عمرو بن دينار فقد قال: ما رأيت مجلساً كان اجمع لكل خير من مجلس ابن عباس، الحلال والحرام والعربية والأنساب والشعر(28).
وقيل لطاووس: لزمن هذا الغلام ـ يعني ابن عباس ـ وتركت الأكابر من اصحاب رسول الله (ص) ؟ قال: إني رأيت سبعين رجلا من اصحاب رسول الله (ص) إذا تدارءوا في أمر صاروا إلى قول ابن عباس.
وروى الأعمش عن أبي وائل قال:.. واستخلف علي عبد الله بن عباس على الموسم فقرأ في خطبته سورة البقرة ـ وفي رواية سورة النور ـ ففسرها تفسيراً لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا(29).
ومن هنا كان ابن عباس يلقب بالحبر والبحر لكثرة علمه، وكان على درجة عظيمة من الاجتهاد والمعرفة بمعاني كتاب الله، ولذا انتهت اليه الرياسة في الفتوى والتفسير(30) وقد أحرز ابن عباس منزلته بين كبار الصحابة على صغر سنه بعلمه وفهمه تحقيقا لدعوة رسول الله (ص) ففي الصحيح عنه ان النبي (ص) ضمه اليه وقال: "اللهم علمه الكتاب والحكمة".. وفي رواية أخرى قال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل(31).
وغني عن القول التأكيد على ان هناك إجماعاً حول منزلة ابن عباس. وقد قال فيه ابن مسعود (رض): "فعن ترجمان القران ابن عباس"، وكان عمر إذا أعضلت عليه قضية دعا ابن عباس وقال له: أنت لها ولا مثالها، ثم يأخذ بقوله ولا يدعو لذلك أحداً سواه. وكان ايه في الحفظ. انشده ابن أبي ربيعة قصيدته التي مطلعها:
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر...
فحفظها في مرة واحدة، وهي ثمانون بيتاً، وكان إذا سمع النوادب سد أذنيه بأصابعه مخافة ان يحفظ أقوالهن(32).
وفي هذا الإطار، كان من الطبيعي ان يكون ابن عباس مثار الاهتمام وموضع الاعتزاز.
عن سعيد بن حبير، عنابي عباس قال: كان عمر يأذن لأهل بدر، ويأذن لي معهم. فقال بعضهم أتأذن لهذا الصبي معنا وفي أبنائنا من هو مثله ؟ فقلا عمر: انه من قد علمتم. فأذن لهم ذات يوم وأذن لي معهم فسألهم عن هذا السورة: (إذا جاء نصر الله) فقالوا أمر الله نبيه إذا فتح له ان يستغفره، وان يتوب إلى الله. فقال لي ما تقول ؟ فقلت لعله ليس كذلك. ولكن أخبر نبيه بحضور أجله فقال: (إذا جاء نصر الله والفتح)، فتح مكة، (ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً)، ذلك علامة موتك: (فسبح بحمد ربك واستغفره، انه كان تواباً). فقال عمر: كيف تلومونني عليه بعد ما ترون؟(33) وفي رواية أخرى قال عمر: لا يعلم منها إلا ما تقول(34).

*شهرته العلمية
ظل ابن عباس دوما موضع الاعتبار والتقدير من صحابة الرسول (ص) ومن معاصريه، وممن لحقه بعد، فما أكثر ما يدور اسمه في كتب التفسير على اختلاف مناهجها ومنازعها السياسية والمذهبية(35) وعلى الرغم من ان الفتنة قد ذرت قرنها بين بعض الصحابة، في بعض المنعطفات السياسية الحادة، غير ان سمعة ابن عباس ظلت بمنأى عن ذلك، كما وان الصحابة اتفقوا على تعظيمه في العلم عموما، وفي التفسير خصوصاً، سموه البحر والحبر، وشاع ذلك فيهم النبوية فيه وقصة عمر (رض) معه مشهورة، في سبب تقديمه وتفضيله على من هو اكبر منه من الصحابة، وامتحانه في ذلك(36).
وقد شهد بحقه جيل من الصحابة والتابعين. فقد اخرج البيهقي في الدلائل عن ابن مسعود، قال: "نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس". واخرج أبو نعيم عن مجاهد، قال: كان ابن عباس يسمى البحر لكثرة علمه. واخرج عن ابن الحنفية، قال: كان ابن عباس حبر هذه الأمة. واخرج عن الحسن، قال: ان ابن عباس كان من القرآن بمنزل، كان عمر يقول: "ذلكم فتى الكهول، ان له لساناً سئولاً وقلباً عقولا".
.. واخرج أبو نعيم عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس، ان عمر ابن الخطاب جلس في رهط من المهاجرين من الصحابة، فذكروا ليلة القدر، فتكلم كل بما عنده فقال عمر: مالك يا بن عباس صامتاً لا تتكلم تكلم ولا تمنعك الحداثة، قال ابن عباس: فقلت يا أمير المؤمنين، ان لله وتر يحب الوتر، فجعل أيام الدنيا تدور على السبع، وخلق الإنسان من سبع، وخلق أرزاقنا من سبع، وخلق فوقنا سموات سبع، وخلق تحتنا ارضين سبعا، وأعطى من المثاني سبعاً، ونهى كتابة عن نكاح الأقربين عن سبع، وقسم الميراث في كتابة على سبع، ونقع في السجود من أجسادنا على سبع، وطاف رسول الله صلى الله عليه واله وسلم بالكعبة سبعا، وبين الصفا والمروة سبعا، ورمى الجمار بسبع، فأراها في السبع الأواخر من شهر رمضان. فتعجب عمر، وقال: ما وافقني فيها احد إلا هذا الغلام الذي لم تستو شؤون رأسه ثم قال: يا هؤلاء من يؤديني في هذا كأبن عباس(37)؟!.
ومهما قيل في ابن عباس، تبقى هناك ثلاث شهادات متميزة، قيلت بحقه أما الأولى فكانت من وحي السماء. أخرج أبو نعيم من طريق عبد المؤمن بن خالد عن عبد الله بن بريده، عن ابن عباس قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه (واله) وسلم وعنده جبريل، فقال له جبريل: انه كائن حبر هذه الأمة، فاستوص به خيراً..(38).
واما الثانية فقد جاءت من نور النبوة عن مجاهد قال: قال ابن عباس: "قال لي ورسول الله صلى الله عليه (واله) وسلم: "نعم ترجمان القرآن أنت"(39).
واما الأخيرة فأنها انطلقت من دوحة الإمامة، كان علي بن أبي طالب (ع) يثني على ابن عباس ويقول: "كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق"(40).
وليس كثيرا على سليل الدوحة الهاشمية المباركة ان يكون بهذا المستوى الرفيع، وقد ترعرع في مدارج النبوة ومهبط الوحي، وشب عن الطوق في رحاب الإمامة يتفيأ ظلال الولاية..فغرف من هذه ما أوصل بها تلك ضمن عملية تلاحم فريدة من نوعها، تستمد عبقريتها من امتداد خط النبوة والإمامة ـ معاً ـ في الأصلاب الشامخة لبني هاشم.

*النبوغ المبكر
لقد قيل الكثير حول نبوغ ابن عباس، ومن وقت مبكر ظن من حياته، وقد أجمل احد الباحثين أسبا هذا النبوغ فيما يلي:
أولاً: دعاء النبي (ص) له بقوله:
"اللهم علمه الكتاب والحكمة"، وفي رواية أخرى: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" والذي يرجع إلى كتب التفسير بالمأثور يرى اثر هذه الدعوة النبوية يتجلى واضحاً فيما صح عن ابن عباس (رض).
ثانياً: نشأته في بيت النبوة، وملازمته لرسول الله (ص) من عهد التمييز، يسمع منها الشيء الكثير، ويشهد كثيرا من الحوادث والظروف التي نزلت فيها بعض آات القرآن.
ثالثاً: ملازمته لأكابر الصحابة بعد وفاة النبي (ص) يأخذ عنهم ويروي لهم، ويعرف منهم مواطن نزول القران، وتواريخ التشريع وأسباب النزول، وبهذا استعاض عما فاته من العلم برحيل رسول الله (ص) وتحدث بهذا ابن عباس عن نفسه فقال: "وجدت عامة حديث رسول الله (ص) عند الأنصار، فان كنت لآتي الرجل فأجده نائما، لو شئت ان يوقظ لأوقظ، فاجلس على بابه تسفي على وجهي الريح حتى يستيقظ واسأله عما أريد، ثم انصرف.
رابعاً: حفظه اللغة العربية، ومعرفته لغريبها، وأدبها، وخصائصها، وأساليبها، وكثيراً ما كان يستشهد للمعنى الذي يفهمه من لفظ القران بالبيت والأكثر من الشعر العربي.
خامساً: جرأته وشجاعته في بيان ما يعتقد انه الحق، دون ان يأبه لملامة لائم ونقد ناقد، ما دام لم يثق بان الحق قي جانبه، وكثيراً ما انتقد عليه أبن عمر جرأته في تفسير القران، ولكن لم ترق اليه همه نقده، بل ما لبث ان رجع إلى قوله، واعترف بمبلغ علمه، فقد روى رجلا أتى ابن عمر يسأله عن معنى قوله تعالى (أو لم ير الذين كفروا ان السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما) فقال اذهب إلى ابن عباس ثم تعال اخبرني، فذهب فسأله فقال: كانت السموات رتقاً لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، ففتق هذه بالمطر، وهذه بالنبات، فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره فقال: قد كنت أقول: ما يعجبني جرأة ابن عباس على تفسير القرآن. فالآن قد علمت انه أوتي علماً.
هذه هي أهم الأسباب التي ترجع اليها شهرة ابن عباس في التفسير، يضاف إلى ذلك كونه من أهل بيت النبوة ن منبع الهداية، ومصدر النور، وما هبة الله من قريحة وقادة، وعقل راجح، ورأى صائب وإيمان راسخ ودين متين.

الهوامش:
1.د. محمد محمد أبو شهية: (المدخل لدراسة القران الكريم): 31 ـ نقلاً عن كتاب (أصول التفسير وقواعده)، للشيخ خالد عبد الرحمن العك، ط2، بيروت، 1986، ص28.
2.البقرة: 151، وانظر: منهج الزمخشري في تفسير القران للدكتور مصطفى الصاوي الجويني، ط2، دار المعارف بمصر، ص9.
3.الاتقان للسيوطي، 198:2، مطبعة حجاوي، 1368هـ.
4.مجلة المسلم المعاصر، (التحقيق العلمي للآيات الكونية في القران الكريم)، كارم السيد غنيم، س9، ع36، شوال 1403هـ، ص23.
5.منهج الزمخشري في تفسير القران: 10.
6.م.س: 11.
7.للمزيد عن ترجمته (رض) تراجع: أسد الغابة، 29:3، الإصابة 322:1، تاريخ بغداد 173:1، تذكرة الحفاظ 40:1، شذرات الذهب 75:1، طبقات الشيرازي 48، طبقات القراء 425:1، طبقات القراء الذهبي 41:1، العبر 76:1، النجوم الزاهرة 182:1، نكت الهيمان 180، أعيان الشيعة 55:8.
8.أبو اليقظان عطية الجبوري: (دراسات في التفسير ورجاله)، دار الندوة الجديدة، ط2، 1986، ص55.
9.محمد حسين الذهبي: (التفسير والمفسرون)، 65:1.
10.د. مصطفى الصاوي الجويني: (مناهج في التفسير)، الإسكندرية، 1971، ص23 وما بعدها.
11.د. طه حسين: (الفتنة الكبرى)، 121:2.
12.مناهج في التفسير: 24.
13.التفسير والمفسرون: 65:1.
14.بشيء من التصرف عن كراس: ابن عباس وأموال البصرة لجعفر مرتضى العاملي، قم، 1976، ص10 وما بعدها.
15.خير الدين الزركلي: (الأعلام)، 95:4.
16.الذهبي 65:1.
17.محسن الأمين: (أعيان الشيعة)، 55:8.
18.م.س.
19.ابن عبد ربه: (العقد الفريد)، 7:4.
20.م.س: 11:4.
21.م.س: 13:4.
22.الفتنة الكبرى: 121:2.
23.أعيان الشيعة: 56:8.
24.العقد الفريد: 127:2.
25.التفسير والمفسرون: 66:1.
26.المرجع السابق.
27.الأعلام للزركلي: 95:4.
28.م.س.
29.التفسير والمفسرون: 66:1.
30.م.س.
31.مناع القطان: (مباحث في علوم القران)، منشورات العصر الحديث، 1973، ص383.
32.الأعلام 95:4.
33.مقدمتان في علوم القران؛ بإشراف المستشرق آرثر جفري، القاهرة، 1954، ص53.
34.التفسير والمفسرون 66:1، الاتقان في علوم القران 235:4.
35.انظر مناهج في التفسير للدكتور مصطفى الصاوي الجويني، (د.ت)، الإسكندرية، ص41.
36.تفسير القاسمي 15:1.
37.الاتقان في علوم القران 235:4-236.
38.م.س.
39.م.س.
40.التفسير والمفسرون 67:1.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com