موقع الصراط ... الموضوع : معالم دور المرأة في التصور الإسلامي-7
 
الجمعة - 9 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  معالم دور المرأة في التصور الإسلامي-7  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 2 / ذي الحجة / 1433 هـ
     
  الكاتب: عبد الرحمن العلوي
تعدد الزوجات:
الشيء الذي يجب أن نضعه نصب أعيننا دائماً هو أن الإسلام دين واقعي منسجم مع فطرة الإنسان ويأخذ بنظر الاعتبار كافة العوامل الطارئة والمتغيرة لا يشيح في يوم ما عن حقائق ربما يتصورها البعض أنها غير مهمة، أو يمكن تجاوزها وعدم الالتفات إليها. فالإسلام لم يفترض الناس ملائكة ولا المجتمع الإنساني مجتمعاً ملائكياً.. انّه يتعامل معهم كبشر بما لديهم من عواطف وخير وشر، وما يعترضون له عبر المسار الحياتي من مشاكل وأزمات وملابسات.. فكان لا بد للإسلام من أن يضع حلولاً ويقدم برامج واضحة تتناسب مع الحالات الطارئة، ولمواجهة أي أزمة اجتماعية محتملة، وأن يتكهن بكافة الاحتمالات مع النظر إلى الأمور من جميع الزوايا، وإلاّ لفقد المجتمع الإنساني توازنه وشطت به السبل إلى حيث الضرر والخسارة.
ومن هنا نقول إن ظاهرة تعدد الزوجات التي أقرها الإسلام وسمح بها، لم تخرج عن هذا الإطار وتقع ضمن هذا الخط العريض أو المبدأ المنطقي. وقد أثبتت الوقائع والدراسات والإحصاءات أن عدد النساء المستعدات والمؤهلات للزواج يفوق عدد الرجال المؤهلين للزواج. وبات هذا واقعاً في حياة الناس لا سبيل إلى إنكاره، ويعود جزء منه إلى بلوغ المرأة قبل الرجل من جهة ومقاومة المرأة لعدد من الأمراض التي تقل مقاومة الرجل لها، وتعرض الرجل لأخطار العمل والأخطار الخارجية أكثر من المرأة من جهة أخرى. الأمر الذي يرفع من نسبة وفيات الرجال... بل إن الحروب التي تقع بين فترة وأخرى في هذا الجزء من العالم أو ذاك تحصد أكثر ما تحصد الرجال (فقد بلغت الخسائر في أرواح الرجال خلال الحربين الكونيتين حوالي 70 مليون شخص)(1)، كما ازداد بعد الحرب الكونية الثانية عدد النساء غير المتزوجات والأرامل في الدول التي شاركت في هذه الحرب بشكل هائل، حتى أن هؤلاء النسوة قد طالبن الحكومة في ألمانيا بإلغاء قانون الزوجة الواحدة وفسح المجال لتعدد الزوجات. غير أن الكنيسة عارضت ذلك الطلب معارضة شديدة على اعتبار أنّه نهج إسلامي(2).
طبعاً هذا فضلاً عن امتداد فترة الإخصاب في الرجال إلى سن السبعين أو أكثر بينما هي تقف في المرأة عند الخمسين (فهناك في المتوسط عشرون سنة من سني الإخصاب في حياة الرجل لا مقابل لها في حياة المرأة. وما من شك إن من أهداف اختلاف الجنسين ثم التقائهما امتداد الحياة بالإخصاب والإنسال وعمران الأرض بالتكاثر والانتشار. فليس مما يتفق مع هذه السنة الفطرية العامة أن نكف الحياة من الانتفاع بفترة الإخصاب الزائدة في الرجال. ولكن مما يتفق مع الواقع الفطري أن يسن التشريع هذه الرخصة لا على سبيل الإلزام الفردي، ولكن على سبيل إيجاد المجال العام الذي يلبي هذا الواقع الفطري ويسح للحياة أن تنتفع به عند الاقتضاء، وهو توافق بين واقع الفطـرة وبين اتجاه التشريع ملحوظـاً دائماً في التشريع الإلهي)(3).
ولهذا لا يبدو صحيحاً ما قيل من أن تعدد الزوجات يسيء إلى مكانة المرأة ويعني أن منزلتها الاجتماعية أقل منزلة الرجل، أو أن قيمة الرجل الواحد تساوي امرأتين أو أكثر. وقد علمنا أن القانون الذي لا ينطبق مع الحاجات الطبيعية والمشاعر الفطرية ولا ينسجم مع المقتضيات لا يمكن أن يكون قابلاً للإجراء والتطبيق ولا يمكن أن يأخذ صفة الاستمرارية. فإذا لم يلجأ الإسلام إلى تشريع الزواج بأكثر من واحدة ويفتح هذا الباب بشكل شرعي وسليم، فماذا سيكون مصير النساء الفائضات؟ وماذا سيكون بانتظار الملايين من النساء غير المتزوجات بعد الحروب المدمرة التي تطحن الرجال؟ فلا بد في مثل هذه الحالات أن تكون للرجل امرأة شرعية وعدة نساء غير شرعيات.. وهنا لا بد أن نسأل أيضاً: هل ستتضرر مكانة المرأة الثانية أو الثالثة عندما تكون العلاقة بها قائمة على أساس الزواج الشرعي الصحيح، أم عندما تكون تلك العلاقة سرية وغير شرعية؟ فماذا يبقى لهذه المرأة من منزلة وشخصية وهي تضحي هذا الشكل القبيح بشرفها وكرامتها؟ وإذا كان ولا بد أن تختار المرأة أحد الطرفين فمن الطبيعي أن الطريق الشرعي أفضل واشرف لأنه يحفظ لها كرامتها وشرفها وحقوقها. والعجيب أن نرى (برتراند راسل) ـ الذي يعترف بسلبيات ومعايب قصر الزواج على واحدة ـ يقترح حلاً لمشكلة النساء الفائضات يتمثل في إعطائهن الفرصة لاصطياد الرجال وإنجاب أولاد بدون آباء. ويقترح على الحكومة تقديم دعم اقتصادي لهن في فترة الحمل والحضانة لتحمل محل الأب(4)! ونحن لا نعلق على هذا بشيء سوى قولنا هل أن حلاً كهذا يحفظ للمرأة كرامتها ومكانتها ولا يسيء إلى شخصيتها؟
أما الحل الإسلامي للفائض من النساء المؤهلات للزواج فيختلف عن هذه الحلول المشينة منطلقاً من نظرته القائمة على احترام المرأة. فالإسلام يرفض أن تظل في المجتمع الإنساني امرأة واحدة بدون زواج وبدون أسرة لتعارض ذلك مع الفطرة والرغبة التي أودعها الله في هذا المخلوق للعيش مع الرجل تحت سقف واحد وإنجاب الأطفال. كما أنّه يعارض بشدة أن تسلك المرأة سلوكاً منحرفاً فترتبط بالرجل ارتباطاً غير شرعياً، لأن عملاً كهذا سيؤدي إلى إيجاد مجتمعات غير نظيفة مهددة بالفناء فضلاً عن الحط من شأن المرأة والهبوط بمستواها إلى مستوى الحيوانات التي لا تعرف غير إطفاء غريزة الجنس.. فالإسلام يسمح بزواج الرجل بأكثر من واحدة إلى الأربع زوجاً جهرياً على رؤوس الأشهاد وعلى مرأى ومسمع كل الناس، وذلك (لمواجهة الواقع الذي لا ينفع فيه هز الكتفين ولا تنفع فيه الحذلقة والادعاء. يختاره متمشياً مع واقعيته الايجابية في مواجهة الإنسان كما هو ـ بفطرته وظروفه وحياته ـ ومع رعايته للخلق النظيف والمجتمع المتطهر، ومع نهجه في التقاط الإنسان من السفح والرقي به في الدرج الصاعد إلى القمة السامقة، ولكن في يسر ولين وواقعية)(5).
طبعاً هذا مع الأخذ بنظر الاعتبار توفر الشروط المالية والأخلاقية والجسمية في الرجل المتقدم للزواج بأكثر من واحدة، وان لا يفرق قط بين الزوجة الثانية والأولى ولا بين أولادهما، وان يراعي العدل بشكل كامل (والعدل المطلوب هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة. أما العدل في مشاعر القلوب وأحاسيس النفوس فلا يطالب به أحد من بني الإنسان لأنه خارج عن إرادة الإنسان)(6).
والاكتفاء بزوجة واحدة ـ في الحقيقة ـ أفضل من عدة زوجات، وهو أساس تشكيل الأسرة في الإسلام غير أن الإسلام لم يغلق الباب بوجه من يريد الزواج بأكثر من واحدة للضرورات التي أشرنا إليها من قبل ولغيرها. وبناءً على ذلك يمكن أن نقول بأن تعدد الزوجات في الإسلام (يعد من أهم العوامل في إنقاذ الزواج بواحدة والحفاظ على الزوجة الواحدة.. ففي الظروف التي يزداد فيها عدد النساء اللاتي بحاجة إلى زواج، لو لم يُعترف بحق هؤلاء النسوة بالزواج ولم يسمح للرجال واجدي الشرائط بالزواج بأكثر من زوجة، فمن الطبيعي أن يُفسح المجال لظهور حالة العشيقة والخدينة، مما يشكل تهديداً حقيقياً للزواج بواحدة... ولهذا أصبح الزواج بواحدة هو الحالة العامة بين الأسر المسلمة)(7).
ويعد منع تعدد الزوجات في النهاية تهديداً ليس لكيان الأسرة فحسب، بل لكيان المجتمع بأسره، لأن النساء المحرومات من الزواج سيجدن أنفسهن مضطرات لسلوك الطريق اللاشرعي والعمل على إغواء الرجال وإيقاعهم في شراكهن.. الأمر الذي سينجم عنه تهديداً للزواج الشرعي الصحيح وتلاعباً بمستقبل الأطفال وحقوقهم القانونية. (ولن ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل تسعى زوجات هؤلاء الرجال الخائنين إلى الانتقام من أزواجهن والذي لا بد وأن يتبلور على شكل خيانة أيضاً... وهكذا لن ينتهي أمر قصر الزواج على واحدة بفساد وانحراف الرجل فحسب، بل إن شعلة تلك النار ستأتي آخر الأمر على أذيال الزوجة القانونية أيضاً)(8).
ويجب أن نلفت الانتباه هنا إلى أن الإسلام لم يخترع تعدد الزوجات.. فقد جاء وتحت الرجال عشر نسوة أو أكثر أو أقل بدون حد ولا قيد. فما كان من الإسلام إلاّ أن قام بتعديل تلك الحالة التي كانت سائدة فوضع قيدين أساسيين على الزواج بأكثر من واحدة: القيد الأول أنّه حدده بأربع زوجات.. وتتحدث الروايات أن الرسول (ص) أجبر بعض المسلمين على طلاق ما زاد عن أربع من نسائهم كغيلان بن أسلمة ونوفل بن معاوية. والقيد الثاني أنّه وضع شرط العدالة ـ كما أسلفنا ـ ولم يسمح أبداً بأي تمييز ولا مساواة بين الزوجات (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)(9).
فرخصة التعدد إذن (تلبي واقع الفطرة وواقع الحياة وتحمي المجتمع من الجنوح ـ تحت ضغط الضرورات الفطرية والواقعية المتنوعة ـ إلى الانحلال أو الملال. والقيد ـ قيد العدل ـ يحمي الحياة الزوجية من الفوضى والاختلال ويحمي الزوجة من الجور والظلم، ويحمي كرامة المرأة أن تتعرض للمهانة بدون ضرورة ملجئة واحتياط كامل... فإذا انحرف جيل من الأجيال في استخدام هذه الرخصة، إذا راح رجال يتخذون من هذه الرخصة فرصة لإحالة الحياة الزوجية مسرحاً للذة حيوانية... فليس ذلك شأن الإسلام وليس هؤلاء هم الذين يمثلون الإسلام أن هؤلاء إنما انحدروا إلى هذا الدرك لأنهم بعدوا عن الإسلام ولم يدركوا روحه النظيف)(10)
الهوامش:
(1) نظام حقوق المرأة، ص322 .
(2) نفس المصدر، ص321.
(3) في ظلال القرآن، مجلد23، ص246.
(4) نظام حقوق المرأة، ص326.
(5) في ظلال القرآن، مجلد2، ص245 .
(6) نفس المصدر، ص248 ـ 249.
(7) نظام حقوق المرأة، ص333.
(8) نفس المصدر، ص337.
(9) سورة النساء/3.
(10) في ظلال القرآن، مجلد2، ص248.
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com