موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب موسى كليم الله-2
 
الإثنين - 13 / ذي الحجة / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب موسى كليم الله-2  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 8 / ذي الحجة / 1433 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
إرادة الله هي الغالبة:
يعيش الطغاة هاجس السقوط، والانهزام في كل لحظة من لحظات حياتهم،فلا يعرف الأمان إلى نفوسهم سبيلا أبداً، بل هم في خوف وقلق واضطراب دائم من أقرب الناس إليهم،فهم في عذاب مستمر، وهم متواصل، وتنافس لا ينتهي، ولا يتوقف عند حد، ورحم الله الإمام الخميني حيث يقول: (لقد أدركت من تتبعي ومطالعاتي في أحوال مختلف الشرائح البشرية أن الآلام النفسية والروحية التي يعاني منها أفراد الشريحة المتنفذة الموسرة، وما يخلقه ضياع الآمال والأماني الكثيرة فهي أشد أثراً، وأكثر تقريحاً للفؤاد من الآلام التي يعاني من سائر الشرائح .
وفي هذا العصر الذي نعيش فيه-والذي يرزخ فيه العالم تحت سطوة القوتين الكبيرتين –لا يعد الألم الذي تعاني منه الطبقات والشرائح المتوسطة، لا، بل حتى الفقيرة منها شيئا يذكر قياسا بما يعانيه رؤساء تلك الدول الكبرى وما تتجرعه كل واحدة منهما من الأخرى من ألوان القلق المضني، فالتنافس بينهما ليس تنافسا متزنا معقولا، بل تنافس مقضّ مهلك يقصم ظهر كل منهما، وكأن كلا منهما يقف في مواجهة ذئب مفترس يترصد به فاغرا فمه ومكشرا عن أنيابه يتحين فرصة لافتراسه)(1)
وبناء على هذا فإن الطاغية لا يطمئن إلى أحد، ولا يثق به ؛ ولهذا يعيش دائما وأبدا في شك وريبة من جميع المحيطين به . فيبث عيونه في كل مكان ؛ لكي تنقل له حركات الناس وسكناتهم، فيقتل على الشك والشبهة، ويتحول إلى ذئب مفترس بمجرد أن يحس أو يتوجس من أحد خطراً، ولو على أقرب المقربين إليه والسر في ذلك أن نفس الطاغية لابد وأن تكون فقيرة هزيلة يستبد بها الرعب وتعاني الآلام والأنين والشكوى والتذمر ... إنها علامة لا تخطئ في تمييز أصحاب النفوس الفقيرة من سواهم – فحيثما وجدت طاغية صغيرا كان أو كبيرا – فاعلم أن مصدر طغيانه هو فقر نفسه إن المكتفي بنفسه لا يطغى،إن من يشعر في نفسه بثقة واطمئنان ليس في حاجة إلى دعامة من سواه.(2) والطاغوت لا يقبل المعارضة،أو النقاش ؛ لأنه يشعر في داخله بنقص شديد ؛ لذا يحاول أن يسد ذلك النقص بالاستبداد، والبطش، والطغيان (وتركيز دعائم سلطته الشخصية المطلقة التي لا تقبل النقاش والمعارضة) ومثال ذلك في عصرنا استالين الذي أقام (دكتاتورية حمراء لا تعرف الشفقة ولا التساهل فنظم ما بين 1934- 1938 سلسلة محاكمات شهيرة عرفت بمحاكمات موسكو ... حتى قمع كل معارضة لسياسته هذه بدون رحمة ولا هوادة ثم خاض الحرب العالمية الثانية حتى ذهب ضحية سياسته الهوجاء عشرون مليون من الاتحاد السوفيتي ...)(3) وهكذا نصل إلى الحقيقة التي قررناها أولا أن الفرعونية منهج في الحكم، وليس اتجاه شخصي يمكن أن يوجد في كل زمان ومكان ... ولنعود إلى فرعون وموسى (ع) فقد أوحت إليه أوهامه ومخاوفه، أو نفث في أذنيه بعض الكهنة أن مولودا من بني إسرائيل لا يزال في صلب أبيه سيولد وسينسف عرشه ويقضي عليه ... وأخذت المسألة من نفسه أيما مأخذ، وصارت تقض مضجعه ليلا ونهارا – رغم قوته، وتسلطه، وجبروته وسعة ما يملك من أموال وبنين وخدم مستعبدين وعلى مختلف المستويات من وزراء ومستشارين وجنود وكهنة وسحرة ... – فراح يخطط، ويدبر، وجند كل إمكاناته عله يظفر بذلك الوليد ؛ ليقتله قبل أن ينشأ . ولهذا وضع الرقباء على نساء بني إسرائيل وألزم كل القوابل بإيصال المعلومات اللازمة إليه والتي تعني مخالفتها الموت الزؤام ومع هذا أخذ بني إسرائيل نساء ورجالا بأشد أنواع العذاب يقول الطبري في تأريخه:
(كان فرعون موسى الذي بعثه الله إليه، ولم يكن منهم فرعون أعتى منه على الله، ولا أعظم قولا ولا أطول عمرا في ملكه منه، وكان اسمه فيما ذكروا لي: الوليد بن مصعب، ولم يكن من الفراعنة فرعون أشد غلظة، ولا أقسى قلبا، ولا أسوأ ملكة لبني إسرائيل منه يعذبهم فيجعلهم خدماً وخولاً . وصنفهم في أعماله فصنف يبنون وصنف يحرثون، وصنف يزرعون له، فهم في أعماله ومن لم يكن منهم في صنعة له من عمله فعليه الجزية . فسامهم كما قال الله: ((سُوءَ الْعَذَابِ)))(4) ومع هذا كله أصدر أمراً بذبح كل مولود ذكر، تحرزاً مما توهمه من زوال ملكه (فجعل لا يولد ذكرا لبني إسرائيل إلا ذبح، وكان يأمر بتعذيب الحبالى ؛ حتى يضعن فكان يشق القصب ويوقف المرأة عليه فيقطع أقدامهن، وكانت المرأة تضع فتتقي بولدها القصب)(5) كل ذلك ليحترز من ظهور موسى (ع)؛ وليقضي عليه بمجرد أن يرى النور . في هذا الجو المرعب الفضيع الذي يخلع القلوب ويقض المضاجع، ولا يمكن أن يفلت من قبضة فرعون أحد - ولد موسى (ع) - (في ظل تلك الأوضاع القاسية التي رسمها قبل البدء في القصة، ولد والخطر محدق به، والموت يلتفت عليه، والشفرة مشرعة على عنقه، تهم أن تحتز رأسه)(6)
تلك هي الصورة التي جاء بها موسى (ع) إلى الدنيا، وهل يمكن لريشة أديب فنان أن تصور لنا حال أم وهي محتارة لا تدري ماذا تفعل، وتخشى أن يكشف أمرها (وهي عاجزة عن حمايته، وعاجرة عن إخفائه، وعاجزة عن حجز صوته الفطري أن ينم عليه، عاجزة عن تلقينه حيلة ،أو وسيلة، ها هي ذي وحدها ضعيفة، عاجزة مسكينة)
(هنا تتدخل القدرة، فتتصل بالأم الوجلة القلقة المذعورة، وتلقي في روعها كيف تعمل، وتوحي إليها بالتصرف ((وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (القصص:7))(7) هكذا تخطط اليد الإلهية وتدبر أمر عبادها، وهكذا يمكر الطغاة ؛ ليوقفوا حركة التدبير الإلهي، ولكن هيهات هيهات أن تغلب إرادة الطغاة إرادة الله تعالى .
وفي قصة موسى (ع) خير دلالة على ذلك فأن فرعون بقي فترة طويلة يذبح الأبناء ويستحيي النساء عله يظفر بمراده المقصود (هذا والقدر يقول: يا أيها ذا المُلك الجبار المغرور بكثرة جنوده، وسلطة بأسه، واتساع سلطانه قد حكم العظيم الذي لا يغالب ولا يمانع، ولا يخالف أقداره إن هذا المولود الذي تحترز منه، وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا يعد، ولا يحصى لا يكون مرباه إلا في دارك، وعلى فراشك، ولا يغذى إلا بطعامك وشرابك في منزلك، وأنت الذي تتبناه، وتربية،وتتعداه ولا تطلع على سر معناه، ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك على يديه ؛ لمخالفتك ما جاءك به من الحق المبين، وتكذيبك ما أوحى إليه ؛ لتعلم أنت وسائر الخلق أن رب السماوات والأرض هو الفعال لما يريد، وأنه هو القوي الشديد ذو البأس العظيم والحول والقوة والمشيئة التي لا مرد لها)(8)
حكمت الإرادة الإلهية، وأوحت إلى الأم المحتارة الخائفة التي لا تدري ماذا تصنع ((أَنْ أَرْضِعِيهِ)) بأمن وأمان فإنه سيكون بعين الله يصنعه كما يشاء . ولكن الجو كان مرعبا يخلع القلوب، ولا تستقر فيه النفوس ((أَرْضِعِيهِ)) وإذا لم تطمئني عليه ولم تأمني ((فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي)) فإننا سوف نرده إليك سالما مكرما محفوظا بأمرنا ... وتمتثل للوحي الإلهي الذي ألهمها كيف تضعه في التابوت، وكيف تلقيه ... وحين ألقته بالماء وصارت الأمواج تدفعه إلى حيث لا تدري الأم إلى أين سينتهي به الأمر؟ وإلى أين سيلقي به الماء؟ وكيف سيكون مآله؟ ومن الذي سيلتقطه؟ ويسوق الماء تابوته وتدفع به الأمواج من الساحل الذي يطل عليه فرعون في متنزهه فقد (وكان لفرعون قصر على شط النيل متنزه فنظر من قصره - ومعه آسية امرأته - إلى سواد في النيل ترفعه الأمواج والرياح تضربه حتى جاءت به إلى باب قصر فرعون، فأمر فرعون بأخذه، فاخذ التابوت، ورفع إليه، فلما فتحه، وجد فيه صبياً، فقال: هذا إسرائيلي فألقى الله في قلب فرعون محبة شديدة، وكذلك في قلب آسية . وأقترح أعوان فرعون عليه أن يقتله: فقالت آسية: ((لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)) (القصص:9))(9)
نعم، إنهم لا يشعرون إن هذا هو الذي يفتشون عنه، وأنه هو الذي سيهدم عرش فرعون، وهذا هو عدوه الذي سيتحداه، ويجلب له الأحزان ((فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً)) (القصص:8) ويصبح موسى بأيديهم لا حول له ولا طول، ويتناهى وصوله إلى سمع الأم، وتعرف أنه وقع في يدي طالبه، ويطير فؤادها ويصبح فارغاً مذهولاً لا تدري ماذا تقول ... وكادت لشفقتها وأمومتها أن تصرخ وتصيح بأعلى صوتها أنه ولدي إلا أن الله أفرغ عليها صبراً، ومنحها يقيناً،وربط على قلبها ورغم ذلك ؛ ولكي تزداد اطمئناناً، قالت لأخته ((قُصِّيه)) تتبعي أثره وانظري ماذا يؤول أمره ومصيره ؟ وماذا سيفعلون به ؟ وتسرع أخته تسترق السمع من بعيد، وتنظر إليه كأنها لا تقصده، ولا تريده، وهم لا يشعرون بها، ولا يعرفون من هي؟ ولماذا جاءت؟ ... ولما كان طفلاً رضيعاً فلابد له من مرضعة وراحوا (يبحثون له عن ظئر ترضعه) وكلما عرضوه على مرضعة رفضها وأبى أن يلتقم ثديها . وضلوا في حيرة من أمره إنه سيذبل وسيموت، وأخته ترمقه من بعيد، وتقترب وتسمع ما يدور بينهم فبادرتهم مستفهمة ؛ لئلا يشكون فيها ((هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ )) (القصص: 12) ويتلقون كلامها بالقبول والاستبشار ويرسلونها فوراً لتأتي بإمها مسرعة (وانطلقت أسرع من الريح إلى أمها فجاءت بها فلما وجد موسى ريح أمه قبل ثديها وسكن بكاؤه) ويثير الأمر عجب فرعون فيتساءل مع المرضعة المقبولة (كيف إرتضع منك، ولم يرتضع من غيرك ؟ ويلهمها الله الجواب المقنع ؛ لئلا ينكشف الأمر فتقول (إني امرأة طيبة الريح، طيبة اللبن لا أكاد أؤتى بصبي إلا إرتضع مني)(10)
وهكذا يرد الله موسى إلى حضن أمه ؛ ليعيش بأمن وأمان مكرماً مرفهاً يصنع على عين الله رغم أنف فرعون وجنوده، وينشأ في بيته معززاً مدللاً ... ليكبر في بيته ثم يأخذ بخناقه، ويقول له: ((وَإِنِّي َلأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً)) (الإسراء: 102)
يقول سيد قطب: (ويسكت سياق القصة بعد هذا عن السنوات الطوال ما بين مولد موسى (ع) والحلقة التالية التي تمثل شبابه واكتماله . فلا نعلم ماذا بعد رده إلى أمه لترضعه، ولا كيف تربى في قصر فرعون، ولا كيف كانت صلته بأمه بعد فترة الرضاعة، ولا كيف كان مكانه في القصر، أو خارجه بعد أن شب وكبر إلى أن تقع الأحداث التالية في الحلقة الثانية، ولا كيف كانت عقيدته، وهو الذي يصنع على عين الله ويُعَدُ لوظيفته في وسط عبّاد فرعون)(11) ويقول بعض المؤرخين: (نشأ موسى في قصر فرعون أعظم ملوك الأرض في عصره . كما ينشأ الأمراء، وما أن يشب عن الطوق حتى تظهر بوادر ذكائه وقوة شخصيته فيتعلم فيما يرى بعض المؤرخين القراءة والكتابة والحساب ونسخ الصحائف على البردي، ويتعلم شيئاً من الفلك والجغرافية، وأطرافاً من التاريخ، ويقرأ من قصص المصريين وآدابهم وحكمهم شيئاً كثيراً، وكما جاء في الإنجيل فقد تهذب بكل حكمة المصريين)
وهكذا تجلت لنا حكمة الله تعالى وإرادته كيف يرعى أوليائه ؟ وكيف يهلك أعدائه؟ وكيف يدبر لنصرة دينه ؟.

الهوامش:
(1) السيد الإمام الخميني، موعد اللقاء: 106 .
(2) د . عبد الفتاح: كتاب الطاغوت .
(3) الكيالي مادة ستالين: الموسوعة السياسية: 3/138.
(4) الطبري: تاريخ الأمم والملوك: 1/272، ط/مؤسسة الأعلمي بيروت .
(5) ابن الأثير: الكامل في التأريخ: 1/387، وراجع جامع البيان لابن جرير الطبري: 1/389.
(6) سيد قطب، في ظلال القرآن: 6/325.
(7) المصدر نفسه.
(8) ابن كثير، البداية والنهاية: 1/275 .
(9) تفسير الميزان - السيد الطباطبائي ج 16 ص 15 .
(10) الطبرسي – مجمع البيان: 7/381.
(11) سيد قطب، في ظلال القرآن: 6/328.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com