موقع الصراط ... الموضوع : ابن عباس، مدرسته ومنهجه في التفسير-2
 
الأربعاء - 8 / رمضان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  ابن عباس، مدرسته ومنهجه في التفسير-2  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 12 / ذي الحجة / 1433 هـ
     
  الكاتب: الأستاذ حسن السعيد
*مدرسة ابن عباس في التفسير :
من هنا تأتي صعوبة دراسة ملامح شخصية ابن عباس العلمية المتعددة الجوانب، وان كانت هذه الجوانب منصهرة ومتداخلة بعضها في بعض في شخصيته التي يطلق عليها بحق "حبر الأمة". إن ابن عباس امة في رجل. فهو إضافة إلى كونه احد شخصيات أهل البيت (ع) والمتمسكين بخطهم حتى الرمق الأخير، كان مفسراً فذاً تشرئب له الأعناق، ثم انه عالم لغوي وأديب كبير، وعالم بالقراءات واختلافاتها، كما انه فقيه ضليع، وسياسي شهد واحدة من اخطر مراحل الفتنة الكبرى، ناهيك عن انه مصلح كبير نشد إحقاق الحق ووقف بوجه تيار الباطل، ودفع ضريبة موقفه هذا..
ورغم تعدد ثقافته الموسوعية فان شخصيته كمفسر هي التي طغت على بقية الجوانب، والتي نستطيع القول انه افلح ـ وبشكل يدعو للإعجاب ـ في توظيفها لخدمة مشروعة التفسيري الرائد. لهذا يستحق ان يعد بحق الأب الأول لتفسير القران(41) وكان ابن عباس شيخ المفسرين بمكة، وصاحب مدرسة التفسير بها. قال ابن تيمية: (واما التفسير فاعلم الناس به أهل مكة، لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد وعطاء ابن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاووس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير وأمثالهم(42).
وتأسيسا على ما تقدم فان مدرسة التفسير بمكة قامت على عبد الله بن عباس (رض) فكان يجلس لأصحابه من التابعين، يفسر لهم كتاب الله تعالى، ويوضح لهم ما أشكل من معانيه، وكان تلاميذه يعون عنه ما يقول، ويروون لمن بعدهم ما سمعوه عنه.
وقد اشتهر من تلاميذ ابن عباس بمكة، سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة وطاووس بن كيسان اليماني وعطاء بن أبي رباح.
وهؤلاء كلهم كانوا من الموالي، وهم يختلفون في الرواية عن ابن عباس قلة وكثرة كما اختلف العلماء في مقدار الثقة بهم والركون إليهم(43).
وقد تتلمذ على ابن عباس رجال كثيرون استهواهم الاشتغال بهذا العمل العظيم، تفسير الكتاب الكريم، ولكن نبغ من هؤلاء التلاميذ وبرز على من سواهم(44) هؤلاء الذين تقدم ذكرهم.

*ابرز تلامذته :
1.سعيد بن جبير: [45-95]
وهو أبو محمد، او أبو عبد الله سعيد بن جبير بن هشام الاسدي، بالولاء الكوفي، تابعي، كان أعلمهم على الاطلاق ـ وهو حبشي الأصل، من موالي بني والبة بن الحارث من بني أسد(45) كان اسود اللون، ابيض الخصال، سمع جماعة من ائمة الصحابة، وروى عن ابن عباس، وابن مسعود وغيرهما(46).
أتى أهل الكوفة ابن عباس يستفتونه، قال: أتسألونني وفيكم ابن أم دهماء؟ يعني سعيدا. ولما خرج عبد الرحمن بن مروان، كان سعيد معه إلى ان قتل عبد الرحمن. فذهب سعيد إلى مكة فقبض عليه واليها (خالد القسري) وأرسله إلى الحجاج، فقتله بواسط. قال الإمام احمد بن حنبل: قتل الحجاج سعيدا وما على وجع الأرض احد إلا وهو مفتقر إلى علمه(47).
وقدت قتل في شعبان سنة خمس وتسعين من الهجرة. وهو ابن تسع وأربعين سنة. قال أبو الشيخ: قتله الحجاج صبراً. وله مناظرة قبل قتله مع إيمانه، وثقته بالله، فرضى الله عنه وأرضاه(48).
لقد جمع سعيد علم أصحابه من التابعين، وألم بما عندهم من النواحي التي برزوا فيها، فقد قال خصيف: كان من اعلم التابعين بالطلاق سعيد بن المسيب، وبالحج عطاء، وبالحلال والحرام طاووس، وبالتفسير أبو الحجاج مجاهد بن جبر، واجمعهم لذلك كله سعيد بن جبير.
لهذا كله نجد أستاذه عبد الله بن عباس يثق بعلمه، ويحيل عليه من يستفتيه... ويرى بعض العلماء انه مقدم على مجاهد وطاووس في العلم. وكان قتاده يرى انه اعلم التابعين في التفسير(49).
يقول عنه السيد حسن الصدر: "أول من صنف في علم تفسير القران سعيد بن جبير التابعي رضي الله عنه. كان اعلم التابعين في التفسير، كما حكاه السيوطي في الاتقان.. ولم ينقل تفسيرا لحد قبله.. وكان ابن جبير من خلص الشيعة، نص على ذلك علماؤنا فغي كتب الرجال كالعلامة الحلي جمال الدين ابن المطهر في الخلاصة وابن عمر الكشي في كتابه في الرجال وروى روايات عن الأئمة في مدحه وتشيعه واستقامته، قال: وما كان سبب قتل الحجاج له الا على هذا الأمر سبب قتل الحجاج له الا على هذا الأمر-يعني التشيع.. ويعد سعيد بن جبير من ائمة علم القران من الشيعة(50).

2.مجاهد بن جبر: [21-104هـ]
هو مجاهد بن جبر، المكي، المقرئ المفسر أبو الحجاج(51)، مولى بن مخزوم: تابعي من أهل مكة: قال الذهبي: شيخ القراء والمفسرين: اخذ المفسرين عن ابن عباس، قراء عليه ثلاث مرات. يقف عند كل ايه يسأله: فيم نزلت؟ وكيف كانت؟ وتنقل في الأسفار، واستقر في الكوفة. وكان لا يسمع بأعجوبة إلا ذهب فنظر اليها: ذهب إلى "بئر برهوت" بحضرموت وذهب إلى "بابل" يبحث عن هاروت وماروت. أما كتابه في "التفسير" فيتقيه المفسرون(52).
ولكن مع هذا كله، كان بعض العلماء لا يأخذ بتفسيره، فقد روى الذهبي في ميزانه: ان أبا بكر بن عياش قال: قلت للأعمش: ما بال تفسير مجاهد مخالف ؟ او ما بالهم يتقون تفسير مجاهد ؟ -كما هي رواية ابن سعد-قال: كانوا يرون انه يسأل اهل الكتاب(53).
3.طاووس بن كيسان اليماني:[33-106هـ]

هو أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان، اليماني، الحميري، الجندي مولى بحير بن ريسان، وقيل مولى همدان(54) ولهذا يلقب بالهمداني: من أكابر التابعين، تفقها في الدين ورواية للحديث، وتقشفا في العيش، وجرأة على وعظ الخلفاء والملوك. أصله من الفرس. ومولده ومنشأه في اليمن ز توفي حاجا بالمزدلفة او بمنى.. وكان يأبى القرب من الملوك والأمراء. قال أبو عيينه: متجنبو السلطان ثلاثة: أبو ذر، وطاووس، والثوري(55).
روي عنه انه قال: جالست خمسين من الصحابة، وكان رحمه الله عالما متقنا، حبيراً بمعاني كتاب الله تعالى، ويرجع ذلك إلى مجالسته لكثير من الصحابة، يأخذ عنهم ويروي لهم، ولكي نجده يجلس إلى ابن عباس أكثر من جلوسه إلى غيره.
ولقد كان طاووس على جانب عظيم من الورع والأمانة، حتى شهد له بذلك أستاذه ابن عباس فقال فيه: إني لأظن طاووساً من أهل الجنة. وقال فيه عمرو بن دينار: ما رأيت مثل طاووس(56).

4.عطاء بن بي رباح [27-114هـ].
هو أبو محمد عطاء بن أبي رباح، المكي القرشي مولاهم(57) تابعي، من أجلاء الفقهاء، كان عبدا اسود. ولد في جند باليمن، ونشأ بمكة فكان مفتي أهلها ومحدثهم. وتوفي بها(58).
روى عن ابن عباس وغيره. وكان ابن عباس يقول لأهل مكة إذا جلسوا اليه: تجتمعون إلي يا أهل مكة وعندكم عطاء ؟.. ونجد شهرة عطاء على غيره من أصحاب ابن عباس تتجلى في معرفته بمناسك الحج.. وإذا نحن تتبعنا الرواة عن أبي عباس نجد ان عطاء أبي رباح لم يكثر من الرواية عنه كما أكثر غيره، ونجد مجاهدا وسعيد بن جبير يسبقانه من ناحية العلم بتفسير كتاب الله، ولكن هذا لا يقلل من قيمته بين علماء التفسير(59).

5.عكرمة: [25-105هـ]
هو أبو عبد الله بن عكرمة البربري المدني مولى ابن عباس، أصله من البربر بالمغرب، روى عن مولاه، علي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وغيرهم.
كان كثيرا ما يطوف بالبلدان، وذهب إلى نجده الحروري، فأقام عنده ستة اشهر، ثم كان يحدث برأي نجده. وخرج إلى بلاد المغرب فأخذ عنه أهلها رأي "الصفرية" وعاد إلى المدينة، فطلبه أميرها، فتغيب عنه حتى مات. وكانت وفاته بالمدينة(60) هو وكثير عزة في يوم واحد فلم يشهد جنازته احد، ما كثير فقد شيعه خلق كثير(61).
وقد اختلف العلماء في توثيقه، فكان منهم من لا يثق به ولا يروي له، وكان منهم من يوثقه ويروي له.. وإنا لنجد العلماء الذين لم يثقوا بعكرمة يصفونه بالجرأة على العلم، ويقولون: انه كان يدعي معرفة كل شيء في القران، ويزيدون على ذلك فيتهمونه بالكذب على مولاه ابن عباس، وبعد هذا كله، يتهمونه بأنه كان يرى رأي الخوارج ويزعم ان مولاه كان على ذلك. وقد نقل ابن حجر في تهذيب كل هذه التهم ونسبها لقائليها. فمن ذلك: ما رواه شعبة عن عمرو بن مرة قال: سال رجل ابن المسيب عن آية من القران. فقال: لا تسألني عن القران وسل من يزعم انه لا يخفى عليه من شيء (يعني عكرمة) وحكى إبراهيم بن ميسرة ان طاووساً قال: لو ان مولى ابن عباس اتقى الله وكف من حديثه لشدت اليه المطايا.
وروى أبو خلف الجزار عن يحيى البكاء قال: سمعت ابن عمر يقول لنافع: اتق الله ويحك يا نافع، ولا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس. وروى ان سعيد ابن المسيب قال مثل ذلك لمولاه. وروى ابن سعد: ان علي بن عبد الله كان يوثقه على باب الكنيف ويقول: ان هذا يكذب على أبي(62).
وهكذا نجد ان ابن عباس قد أرسى معالم مدرسة مكة في التفسير. وهو أول من أملى في تفسير القران(63)، وإذا ما وضعنا الأمور في نصابها فأننا نستطيع القول ان ابن عباس بدوره هو خريج مدرسة الإمام علي (ع) والذي تتلمذ عليه، طيلة حياته.
يقول ابن أبي الحديد وهو يشير إلى هذه الحقيقة: (ومن العلوم علم تفسير القران، وعنه ـ يعني الإمام علي (ع) ـ اخذ، ومنه فرغ. وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذل، لان أكثره عنه وعن عبد الله بن عباس، وقد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له، وانقطاعه اليه، وانه تلميذه وخريجه، وقيل له: أين علمك من علم ابن عمك؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط(64).

*منهجه التفسيري:
تختلف مناهج التفسير باختلاف ما يستعين به المفسر من مصادر التفسير(65) وقد حدد ابن عباس معالم منهجه التفسيري بقوله: "التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر احد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى"(66).
وبخصوص علم التفسير يقول أهل العلم بالقران الكريم: انه ـ أي التفسير ـ يسير عسير، وعسره ظاهر من وجوه. أظهرها: ان موضوع التفسير هو القران الكريم، وهو كلام متكلم لم يصل الناس إلى مراده بالسماع منه، ولا أمكان للوصول اليه، بخلاف الأمثال والأشعار، فان الإنسان يتمكن من معرفة مراد صاحب المثل او الشعر، بان يسمع عنه، او يسمع ممن يسمع منه، أما القران الكريم فتفسيره على وجه الصحة لا يعلم إلا بان يسمع من الرسول عليه الصلاة والسلام.. او من سمع الرسول الله صلى الله عليه واله وسلم..(67).
ولما كان ابن عباس تلميذا في مدرسة الإمامة، وأهل البيت عليهم السلام، عدل القران، كما هو معروف ومتفق عليه.. فان من الطبيعي ان يكون منهج ابن عباس اقرب المناهج فهما للقران الكريم ن وتدبرا له، واستيعابا لمراميه البعيدة.
ومهما قيل في نصيب ما يروي عن ابن عباس، وينسب اليه من التفسير من الصحة، فالذي يبدو واضحا هو ان ابن عباس يمثل المسلم الذي وجد اهتماما خاصا بكتاب الله يدفعه إلى ان يقف على معانيه، ويتفهم آياته، ويدمن النظر فيه، بحيث ينتهي إلى ان يحصل على خبره عميقة به، ويصطنع منهجا خاصا في معالجته بما يجعل منه مرجعا يعتمد عليه، ويرجع اليه فهم النص الشريف.. وهكذا يسجل ابن عباس ميلاد المفسر المسلم ذي الشخصية المتميزة الذي يضع حدا لتلك المرحلة التي كانت تعتمد على المحاولات الجزئية، والأحاديث المتفرقة والروايات المتناثرة، يؤذن ببدء مرحلة التفسير المقصود لذاته(68). وبذا يكون قد لعب ابن عباس أهم الأدوار في فهم النص القرآني (69).

*معالم المنهج :
في ضوء ما تقدم، بالامكان تحديد معالم منهج ابن عباس في التفسير، ومن ابرز هذه المعالم:
1.تفسير القرآن بالقرآن:
لم يغفل ابن عباس النظر إلى القرآن الكريم نفسه، في توضيح كثير من الآيات التي خفي المراد منها في موضع، ثم وردت بشيء من التوضيح في موضع آخر. شأنه في ذلك شأن سائر الصحابة الذين اهتدوا بهدي رسول الله صلى الله عليه [وأله] وسلم، والتزموا المنهج الذي سار عليه، ولفت انظارهم نحوه.
فمن هذا القبيل ما روي عن ابن عباس في قوله تعالى: (ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين)-غافر: 11.. قال: كنتم ترابا قبل ان يخلقكم فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم، فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور. فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أخرى: فهذه ميتتان وحياتان: فهو كقوله (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم)-البقرة:28.
2.اهتمامه بأسباب النزول:
اهتم ابن عباس كثيرا بأسباب النزول، واعتمد عليها في توضيح كثير من الآيات التي يتوقف الفهم الصحيح لها على معرفة أسباب نزولها(70). وهكذا نجد ابن عباس يسأل ويستقصي عن سبب النزول، او فيمن نزلت الآي.. ولقد بلغ في ذلك الغاية حتى لنجد اسمه يدور كثيرا في اقدم مرجع بين أيدينا عن سبب النزول وهو سبرة ابن اسحق..فمثلا يقول: نزلت في النضر بن الحارث ثماني آيات من القرآن.. أو يسوق مناسبات نزول آي من سورة الكهف.. ونراه حين يعرض للآي يفسرها يضيء المعنى ويوضحه ببيان سبب النزول(71)
وهناك امثلة كثيرة من تفسير ابن عباس يظهر فيها جليا مدى أهمية الاعتماد على سبب النزول في فهو الايات القرآنية.
روي أن عمر استعمل قدامه بن مظعون على البحرين فقدم الجارود على عمر فقال: اتن قدامه شرب فسكر، فقال عمر: من يشهد على ما تقول ؟ قال الجرود: ابو هريرة يشهد على ما اقول. فقال عمر: يا قدامه اني جالدك. قال: والله لو شربت كما يقولون ما كان لك ان تجلدني. قال عمر: ولم ؟ لأن الله يقول: (ليس على الذين امنوا وعملوا الصالحات جناح فيما اطعموا إذا ما اتقوا وامنوا وعملوا الةصالحات ثم اتقوا وامنوا ثم اتقوا واحسنوا)-المائدة: 73..فأنا من الذين امنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وامنوا ثم اتقوا واحسنوا، شهدت مع الرسول صلى الله عليه [واله] وسلم بدرا واحدا والخندق والمشاهد.
فقال عمر: الا ترون عليه قوله ؟ فقال ابن عباس: ان هذه الآيات انزلن عذرا للماضين، وحجة على الباقين لان الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان)-المائدة: 90.. قال عمر صدقت(72).
فالملاحظ هنا ان سبب الالتباس في الاستشهاد بالآية، على ما ذكر، هو عمد الوقوف على سبب النزول وان ابن عباس كان معتمدا في الكشف عن الوجه الصحيح الذي ينبغي ان تفهم عليه الآية على سبب النزول.
فقد روي عن الراء بن عازب انه قال: مات من أصحاب النبي (ص) وهم يشربون الخمر فلما حرمت قال أناس: كيف لأصحابنا ماتوا وهم يشربونها ؟ فنزلت هذه الآيه (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) الآية(73).
ويتصل بمعرفة سبب النزول علم الناسخ والمنسوخ، وذلك ان اكثر المنسوخ يتقدم على الناس نزولا.. وقد استعان ابن عباس بهذه الأداة حين يفسر(74).
3.التوظيف اللغوي والأدبي:
اعتمد ابن عباس على اللغة يف تفسير القرآن الكريم ن لتفهم معانيه والكشف عن أسراره، لأن اللغة هي الأساس في معرفة دلالات الألفاظ القرآنية والوقوف على سر إعجاز التركيب القرآني.
وقد اشتهر ابن عباس باستعانته بشعر العرب وكلامهم في تفسير غريب القرآن وإيراده على سبيل الاستشهاد به على المعنى الذي يبينه، وقد ساعده على ذلك معرفته الواسعة بلغة العرب وقوة ذاكرته التي استطاع بها ان يحفظ كثيرا من الشعر العربي. فقد روي عنه انه قال: ما سمعت شيئا قط إلا رويته، وإني لأسمع صوت النائحة فاشد آذني كراهة ان احفظ ما تقول(75).
وقد بين لنا ابن عباس (رض) مبلغ الحاجة إلى هذه الناحية في التفسير وحض عليها من أراد أن يتعرف غريب القران، فقد روي أبو بكر الانباري عنه انه قال: "الشعر ديوان العرب، فإذا خفي علينا الحرف من القران الذب انزله الله بلغة العرب، رجعنا إلى ديوانها فالتمسنا ذلك منه.
وروى ابن الانباري عنه أيضاً انه قال: "إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب". ولعل أوسع ما روي عن ابن عباس في هذا الباب مسائل في الاتقان بسنده ابن الازرق، وقد ذكر السيوطي في الاتقان بسنده مبدأ الحوار الذي كان بين نافع بن الازرق وابن عباس، وسرد مسائل ابن الازرق واجوبه ابن عباس عنها، فقال: "بينا عبد الله ابن عباس جالس بفناء الكعبة قد اكتنفه الناس يسألونه عن تفسير القرآن، فقال نافع بن الازرق لنجده بن عويمر: قم بنا إلى هذا الذي يجزئ على تفسير القرآن بما لا علم له به، فقاما اليه فقالا: إنا نريد ان نسألك عن اشياء من كتاب الله فتفسرها لنا، وتأتينا بمصادقة من كلام العرب، فان الله تعالى انما انزل القرآن بلسان عربي مبين فقال ابن عباس: سلاني عما بدا لكما، فقال نافع اخبرني عن قول الله تعالى (عن اليمين وعن الشمال عزين)-المعارج:37، قال: العزون: حلق الرفاق، قال: هل تعرف العرب بذلك ؟. قال: نعم، أما سمعت عبيد بن الابرص ؟ وهو يقول:
فجاءوا يهرعون اليه حتى يكونوا حول منبره عزينا
قال اخبرني عن قوله (وابتغوا اليه الوسيلة)-المائدة: 35، قال: الوسيلة: الحاجة، قال: وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال: نعم اما سمعت عنترة وهو يقول:
إن الرجال إليك وسيلة إن يأخذوك تكحلي وتخضبي
إلى اخر المسائل واجوبتها.. وهي تدل على قوة ابن عباس في معرفته بلغة العرب والمامه بغريبها، إلى حد لم يصل اليه غيره، مما جعله-بحق-زعيم هذه الناحية من التفسير على الخصوص، حتى لقد قيل في شأنه هو الذي أبدع الطريقة اللغوية لتفسير القرآن(76).
على ان ابن عباس لم يقتصر على الشعر وحده في معرفة ما يخفى من الفاظ القرآن، بل نراه يعتمد كذلك على استعمال العرب الخاص لهم في كلامهم، ومن ذلك ما وري عنه انه قال: ما كنت ادري ما قوله تعالى (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين)-الاعراف: 89، حتى سمعت بنت ذي يزن الحميري وهي تقول: تعالى أفاتحك، يهني أقاضيك.
وروي عنه ايضا قوله: كنت لا ادري ما فاطر السموات حتى أتاني اعرابيان يختصمان في بئر، فقال احدهما: انا فطرتها. يقول: أنا ابتدأتها.
ولم يقتصر ابن عباس في تفسيره اللغوي للقرآن الكريم على هذا النوع فحسب، بل قد توسع في دائرة الاعتماد على اللغة، فرأينا أمثله من تفسيره للقرآن الكريم هي في الواقع من صميم التفسير البياني الذي اشتهر امره فيما بعد، والذي يعتمد على الملكة السليمة، في اللغة، والمراس في اساليب العرب والذائقة البلاغية للشخص نفسه(77).

التفسير في دائرة المأثور المروي :
اعتمد ابن عباس في تفسيره على المروي عن النبي (ص) وأهل بيته واصحابه،. ثم عندما لا يسعفه المروي نجده يعتمد على ادواته الثقافية التاي تعينه على استجلاء الغامض وتوضيح المشكل(78).
وبهذا الصدد كان منهج ابن عباس إذا سئل في أمر ما فان كان في القران أخبر به، فان لم يكن وكان عن رسول الله (ص) أخبرته، فان لم يكن قال برأيه.
ويحاول البعض للأسف الشديد التقليل من أهمية تلمذه ابن عباس على يد علي بن أبي طالب (ع) بينما نجد ابن عباس يقول: " ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن ابي طالب" (79).
وبالرغم من ان ابن عباس كان يمتلك-وبجداره-أدوات الفهم والاستنباط التي يستعين بها على فهم كثير من الآيات الكريمة،وقدرته على كشف غوامضها وأسرارها وهو وفارس القرآن-كما وصفه الرسول (ص) بقول: لكل شيء فارس وفارس القرآن عبد الله بن عباس(80) –الا انه كان يخشى الرأي. وكان يردد (رض) انما هو كتاب الله وسنة رسوله (ص) فمن قال بعد ذلك شيئا برأيه فما ادري..أفي حسناته يجده أم في سيئاته ؟
ولهذا فان تفسيره لآي الصفات او الآيات التي ظاهرها التجسيم نجده تفسيرا صافيا حلوا يجري مع الفطرة اللغوية. يقول ابن عباس فسي تفسيره للآية: (الله يستهزئ بهم) يسخر بهم للنقمة منهم، ويفسر الآية (والله غني حليم) الغني الذي كمل في غناه، والحليم الذي كمل في حلمه. وكان ابن عباس يتوقف في بعض الآي فلا يقول فيها شيئا(81) عندما لا يجد في بيانها مستندا من كتاب الله او سنة رسول الله (ص) ولم يتعرض لها الصحابة ولا يغني فيها مجرد الرأي.
قال أبو عبيد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن ابن أبي مليكة قال: سأل رجل ابن عباس عن يوم كان مقداره الف سنة وقوله (يوم كان مقداره خمسين الف سنة) فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابة الله اعلم بهما(82).
ولهذا نجد غير مرة يكره ان يقول فيما لا يعلم، او يخوض فيما خفي عنه، وهذا مصداق على ورعة وترسمه للمنهج القراني والادب المحمدي.

الهوامش:
41.جولدتسهير: (المذاهب الإسلامية في تفسير القران): 89.
42.انظر كتابه": (مقدمة في أصول التفسير)، تحقيق: د. عدنان زرزور، دار القران الكريم، الكويت، 1971، ص61.
43.التفسير والمفسرون 101:1.
44.د. عبد الله خورشيد البري: (القران وعلومه في مصر "20-358هـ")، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1070، ص278.
45.خير الدين الزركلي: الأعلام 93:3.
46.التفسير والمفسرون 102:1.
47.الأعلام: المرجع السابق.
48.تهذيب التهذيب: 12:4، نقلاً عن (لتفسير والمفسرون) 103:1.
49.التفسير والمفسرون 103:1.
50.الشيعة وفنون الإسلام 25، 35، ط4، القاهرة، 1976.
51.التفسير والمفسرون، 104:1.
52.الأعلام 278:5.
53.التفسير والمفسرون 105:1.
54.م.س: 112:1.
55.الأعلام 224:3.
56.التفسير والمفسرون: المرجع السابق.
57.م.س: 113:1.
58.الأعلام: 235:4.
59.التفسير والمفسرون: المرجع السابق.
60.الأعلام 244:4.
61.التفسير والمفسرون: م.س.
62.م.س.
63.الشيعة وفنون الإسلام 35.
64.شرح نهج البلاغة 19:1، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط2، القاهرة، 1965، والغريب حقاً ان البعض من كتب عن الشيعة والتشيع ورجاله لم يعدوا ابن عباس من مدرسة أهل البيت، بالرغم من ان ذلك ظاهر، على حد عبير ابن أبي الحديد، وتزداد الغرابة حينما يصدر هذا التجاهل من فريق عمل انبرى لخدمة أهل البيت، عبر موسوعات العتبات المقدسة التي اشرف عليها المرحوم جعفر الخليلي، إذ خلت قائمة الطبقة الأولى من رجالات الشيعة من ابن عباس، راجع موضوع الشيعة والتشيع للشيخ عبد الواحد الأنصاري، المنشور في الموسوعة اياها 201:1.
65.محمد أبو زهرة: (المعجزة الكبرى، القران) (د.ت)، ص586.
66.نقلاً عن كتاب أصول التفسير وقواعده للشيخ خالد عبد الرحمن العك، ص46. 67.م.س.
68.القران وعلومه في مصر: 278.
69. م.س: 16.
70.د. عبد الجليل عبد الرحيم: (لغة القران الكريم)، عمان، 1981، ص421.
71.مناهج التفسير: 25.
72.لغة القران الكريم، نقلاً عن الموافقات للشاطبي، 201:3.
73.م.س: 422 وما بعدها.
74.مناهج التفسير: 28.
75.لغة القران الكريم: 425.
76.التفسير والمفسرون: 75:1 وما بعدها.
77.لغة القران الكريم: 427.
78.بشيء من التصرف: المرجع السابق: 431.
79.انظر: التفسير والمفسرون: 89:1.
80.المحدث القمي: سفينة البحار 150:2.
81.مناهج التفسير: 36.
82.لغة القران الكريم: 432.


يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com