موقع الصراط ... الموضوع : الداعية الشهيد السيد عباس الحلو
 
الخميس - 7 / شوال / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الداعية الشهيد السيد عباس الحلو  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 15 / ذي الحجة / 1433 هـ
     
  attar
بقلم الشيخ جميل الربيعي
في سنة 1970م رحل إلى ربه العالم العارف الشيخ عبد الحسين آل خليفة إمام جماعة ناحية أبي صيدا في محافظة ديالى في العراق، ولِما كان يتحلى به الشيخ الراحل من علم غزير، وأدب جم، وزهد واعٍ، وعمل متواصل ترك فراغاً كبيراً في مسجده والمنطقة أجمع، فهرع أهل المنطقة إلى النجف الأشرف، وخاطبوا المرجعية الدينية وكانت آنذاك مرجعية الإمام الحكيم رحمه الله بواسطة ولده السيد مهدي رحمه الله؛ لسد فراغه وبعد اللتي واللتيا رُشح شيخ شاب قليل العلم والخبرة، ولم يدم طويلاً في أبي صيدا؛ لأنه عجز أن يلبي المطالب الفكرية والاجتماعية في المنطقة، فما كان من أهالي المنطقة إلا أن عاودوا مطالبة المرجعية بسد الفراغ، وقد ذهب وفد من أهالي أبي صيدا ضم أربعة من شخصياتهم وهم الحاج مجيد صريوي، والحاج جبار جاسم، والحاج عبود، والحاج حسين الطيب وزاروا المراجع العظام برفقة العلامة السيد عبد الرحيم الياسري وكيل المرجعية في (جيزاني الچول)، واستقبلهم السيد الشهيد الصدر وتحدث معهم حول الموضوع بحرارة منقطعة النظير, وكان الحديث عبارة عن محاضرة في بيان أسباب انحراف الناس عن الجادة الشرعية، ولحرارة الحديث ملك السيد الشهيد رحمه الله ألبابهم، فما حَدى بالناطق باسم الوفد الحاج عبود أن يتلو قوله تعالى: ((الله أعلم حيث يجعل رسالته)) ثم التفت السيد الشهيد إليّ, وقال: تحدثت مع السيد عباس الحلو, ورشحته ليكون ممثلنا في ديالى فاذهبوا إليه، ولم أكن أعرفه من قبل، وفي طريقنا إليه فهمت من السيد الياسري أنه عالم عامل، وداعية مجاهد، وخطيب مفوه، يعيش من عرق جبينه حيث يَدرس في الحوزة العلمية الدروس العالية، ويُدرس في المدارس الرسمية، وكان يتقاضى راتباً ضخماً.
استقبلنا الشهيد الحلو في بيته استقبالاً جميلاً حاراً ضمنا إلى صدره، وأشعرَنا بأبوة حانية, وكان بيته في حي كندة في الكوفة بيتاً ضخماً جداً يشتمل على حديقة رائعة، وما أن جلسنا حتى راح يحدثنا بشوق أبوي، وكان رحمه الله فكهاً مرحاً مستبشراً بالتشريف الذي خصه به السيد الصدر... إلا أن الحاج عبود بقي ساكتاً متفكراً تنتابه الحَيْرة، ولم أكن أعرف السبب، ثم عرفته بعد أن وجه سؤالاً إلى السيد عباس قائلاً: سيدنا، أتريد بيتاً في أبي صيدا كبيتك هذا...؟
ضحك السيد وأجابه على الفور: يا حاج عبود، لا تغرك هذه الأحجار، وأشار إلى حائط البيت، ولا يغرك هذا الصوف، وأشار إلى السجاد المفروش، فوالذي تسجد له الجباه إذا أراد الإسلام هذه، وأشار إلى رقبته، أعطيتها، وإذا أراد الإسلام هذا، وأشار إلى ولده مسلم، أعطيته، وهكذا أخذ يؤشر إلى أولاده واحداً واحد بدون استثناء، وكأنه أعلن له أنه وما يملك فداء للإسلام.
بهذه الروح الفدائية كان يتسم السيد عباس الحلو رحمه الله، فماذا أريد أن أقول عن رجل ترك وظيفته التي تؤمن معيشته ومعيشة أولاده واستقال منها، وترك بيتاً ضخماً في مدينة الكوفة وسكن في بيت يتكون من غرفتين طينيتين، وانطلق مبلغاً وداعياً يتحرك في الليل والنهار على مختلف الصعد الاجتماعية مخاطباً كل شريحة بِلُغتها التي تؤثر فيها، فبينما تراه مع المثقفين يطرح الفكر الإسلامي بكل قوة، ووضوح، وجدارة، وقناعة حتى كان حديثه يأسر قلوبهم ويشرحها لله, وما هي إلا فترة قصيرة حتى امتلأ المسجد بالمثقفين من مدرسين وطلاب وغيرهم... ولم يقتصر على شريحة المثقفين وإنما كان يتحرك على العشائر جميعاً حتى ترك أثراً طيباً في القلوب... وبحكم التشكيلة السكانية في ديالى المتكونة من سنة, وشيعة، وعرب , وكرد، كانت حركته على الجميع على حد سواء فكان موضع تقدير واحترام وقبول من الجميع، فكما يتحرك على مساجد السنة كما يتحرك على مساجد الشيعة موجهاً ومرشداً ومعلماً، وكان القرآن الكريم والحديث الشريف زاده الذي يحمله مما أدى إلى انجذاب الجمهور إليه, والسر في ذلك أن سماحته كان يتمتع بجذوة إيمانية مشعة قوية، متجسدة في سلوكه، جارية على لسانه بدون تكلف، إضافة إلى ما كان يتسم به من ثقافة واسعة, وعلم غزير, وأسلوب جذاب, وأفق بعيد المدى، ولما يتحلى به من خلق رفيع يملك على الإنسان مشاعره, ويدخل إلى قلبه بدون مقدمات.
وبهذه السمات الرسالية: الجذوة الإيمانية، والثقافة الواسعة، والأفق البعيد، والخلق الرفيع استطاع أن يستوعب المخالف فضلاً عن المؤآلف . وهكذا انشد الناس إليه، ولَما رأى أهالي المنطقة ذلك راحوا يفكرون ببناء بيت واسع لاستيعاب الزائرين، وفعلاً بنوا له بيتاً كبيراً لا يزال قائماً في أبي صيدا، ولكن....
ولم يطق حزب البعث هذا النشاط، فراحوا يرصدون حركته بدقة، وتواصلت أكاذيبهم وافتراءاتهم إلى أن أخذوا يداهموا العناصر الفعالة حوله؛ ليطوقوه، وفعلاً سجنوا الكثيرين منهم وأعدم قسم منهم، وشرد قسم آخر، وبعد أن ضيقوا عليه بسجن طلابه، ومريديه حاولوا أن يلقوا القبض عليه إلا أنه انتقل من المنطقة، وأخيراً أوقعوه في كمين غدر لهم كما هي طباعهم وعاداتهم، فأعدموه هو وولديه الشابين مسلم وعبد الرزاق، وألقوا بعائلته في السجن، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ومن الوقائع المهمة في ذلك أن نهر ديالى في أواسط السبعينيات طغى ماؤه، وصار يهدد المنطقة بالغرق، وكان هناك منفذ يمكن أن يدخل الماء منه، ويغرق المنطقة، وكان يحتاج إلى ماكنة ضخمة (شفل) ليردم المنفذ إلا أن مسؤول حزب البعث آنذاك واسمه (عباس حبيب) رفض السماح بذلك، فما كان من السيد عباس الحلو إلا أن شد محزمه، ووضع على كتفه مسحاة وعمامته على رأسه, وخرج وسط الناس باتجاه المنفذ، فلما رآه الناس هرعوا معه، وما هي إلا ساعات حتى ردم المنفذ، ونجت المنطقة من الغرق.
ولما نقلت هذه الواقعة للسيد الشهيد الصدر أخذه العجب، فسجد شاكراً لله قائلاً: إلهي لك الحمد أن جعلت من طلابي وأولادي مثل سيد عباس، إلهي لك الشكر والحمد على هذه النعمة، ثم أردف قائلاً: وهكذا يجب أن يكون عالم الدين في وسط الناس.
وأخيراً لا بد أن أشير أن السيد عباس كان يرفض أن يتقاضى أجراً من أحد، أو يعتاش على الحقوق الشرعية، وإنما قد رتب معيشته بطريقة صانت وجهه من مد يده لأحد بل كان هو يعين الفقراء والمحتاجين، وينقذ ذوي النفوس الأبية من الإحراج، فكان بحق مصداقاً لقوله تعالى: ((قل لا أسألكم أجراً إن أجري إلا على رب العالمين))
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com