موقع الصراط ... الموضوع : معالم دور المرأة في التصور الإسلامي-8
 
السبت - 10 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  معالم دور المرأة في التصور الإسلامي-8  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 18 / ذي الحجة / 1433 هـ
     
  الكاتب: الأستاذ عبد الرحمن العلوي
الطّلاق:
الطلاق لفظة غير محببة إلى النفس الإنسانيّة ويعد من أبغض الخطوات التي يقدم عليها المرء خلال حياته الزوجية لأنه يعني انفصام عرى الزواج وافتراق شريكين كانا. بمثابة نفس واحدة وشعور واحد، يجمعها هدف واحد ويتطلعان إلى أفق رحب يجسد ذلك الهدف ويرسم صورة المستقبل.
ويقف الإسلام موقفاً متشدداً من الطلاق ولا يسمح به إلاّ في ظل ظروف خاصة لا يعد معها ممكناً استمرار الحياة الزوجية وفي حالة تحول تلك الحياة إلى جحيم لا يطاق. والمطلاق (الكثير الطلاق) من وجهة نظرة الإسلام شخص منبوذ من قبل الله تعالى. فقد ورد عن الإمام الصادق(ع): (إن الله يبغض المطلاق الذواق)
وهناك دعوات حاد ترتفع من هنا وهناك ـ لا سيما من عالم الغرب ـ تدين الإسلام لسماحه بالطلاق، معتبرة هذا السماح انتهاكاً لحقوق المرأة وظلماً لا يرقى إليه ظلم. غير أننا يجب أن نؤكّد ثانية أن الإسلام دين واقعي يأخذ كافة القضايا والاحتمالات والظروف الطارئة بنظر الاعتبار، وليس ديناً تعسفياً يولي ظهره للمشاكل، ويفرض على الأشياء حالة خاصة بعينها لا يمكن تجاوزها في شتى الظروف. والطلاق الذي يقرّه الإسلام هو جزء من الموقف الإسلامي العام من الحالات والظواهر الطارئة.
فالإسلام لم يفتح باب الطلاق على مصراعيه ولم يغلقه نهائياً.. بل يفتحه أحياناً إذا لم يكن هناك بد من فتحه، وحينما يصبح اللجوء إليه أمراً ضرورياً ولازماً شأنه شأن العملية الجراحية التي تستأصل عضواً مهماً من أعضاء بدن الإنسان في حال الضرورة القصوى.
فلا يختلف اثنان في قدسية الزواج ووجوب دعمه والمحافظة عليه.. ولكن قد تطرأ أمور ومتغيرات تجعل من استمرار هذا الرباط المقدس أمراً مستحيلاً.. فماذا يمكن أن يُفعل في هذه الحالة؟ هل يجب أن يُقال لهما عيشاً هكذا في حالة صراع وتقاتل إلى الأبد ولا حق لكما في الخروج من هذه الحالة المأساوية لأن قدركما أن تعيشا إلى الأبد في ظل وضع كهذا؟ وهل من المنطقي أن يُفرض على مثل هذين الزوجين العيش معاً بقوة القانون؟ ثم هل يصح أن نطلق على علاقة غير حميمة كهذه (علاقة زوجية)؟ ألا يُعد مثل هذا التعامل الجائر إساءة لمفهوم الزواج والأسرة.
إن الزواج عقد واتفاق يختلف عن باقي العقود والاتفاقات الاجتماعية الأخرى كالبيع والضمان والكفالة والوكالة. فمثل هذه العقود لا دخل للطبيعة والغريزة فيها، على العكس من عقد الزواج الذي يجب أن يصاغ على أساس رغبة طبيعية من الجانبين. ولهذا ليس عجيباً إذا كان لعقد الزواج قوانين خاصة تختلف عن باقي العقود والاتفاقات.
فاتفاق الزواج بما أنّه قائم على الحب المتبادل والود، فهو يفقد مصداقيته عندما يختفي هذا الحب.. والحب أمر نفسي لا يمكن فرضه على الزوجين ولا يمكن شراؤه من السوق، بل نابع من الذات والوجدان والعاطفة.
فالآلية الطبيعية للزواج والتي وضع الإسلام قوانينها بما يتناس معها، هي أن تحب الزوجة الزوج ويحب الزوج الزوجة.. فهذا الحب هو وقود استمرارية الزواج والمشغل لما كنته. فلو أطفئت شعلة الحب بسبب أو بآخر فهذا يعني انطفاء شعلة رابطة الزواج أيضاً.. ولا معنى لاستمرار رابطة ميتة وعلاقة لا حس فيها ولا حركة. وعلى هذا الأساس لا يرى الإسلام أي فائدة تُرجى من استمرار وضع مأساوي لا ينبض فيه الحب ولا تتفاعل فيه العاطفة.. بل إن وضعاً مثل هذا سيكون بؤرة للمشاكل والمشاحنات الاجتماعية. ورغم هذا لا يستعجل الإسلام أبداً في إطلاق رصاصة الرحمة على زواج متعثر كهذا، بل يبذل المحاولة تلو المحاولة لإنقاذه وإعادة الحياة إليه، ويماطل كثيراً قبل أن يتخذ قراره النهائي في الفصل بين الزوجين بعد أن يكون قد اقتنع نهائياً أن لا جدوى من كافة أساليب المصالحة، ويتضاءل أمل احتمال إعادة المياه إلى مجاريها حتى يصل إلى الصفر.
الإسلام يستقبل برحابة صدر أي خطوة تحول دون طلاق الرجل لزوجته، ووضع من الشرائط والقيود ما يعمل على تأخير حدوث الطلاق ومن ثم إلغائه وإعادة الحياة الطبيعية إلى أجواء الأسرة. إنّه يمنح الزوجين مزيداً من الوقت لمراجعة نفسيهما والخروج من حالة التأثر النفسي والأزمة النفسية وفسح المجال للعقل والحكمة لكي يقولا قولهما.
وهنا لا بد أن نشير إلى قضية مهمة يعتمد عليها الإسلام في آليّة الطلاق، وهي أنّه قد وضع مفتاحه بيد الرجل. وهذا يعتمد بالدرجة الأولى على التفاوت بين نفسية الرجل والمرأة. فتشير الدراسات النفسية إلى طبيعة العلاقة بين الزوجين قائمة على أساس استجابة المرء للرجل. ولا يخرج عن هذه الاستجابة حبها للرجل وتعلقها به. أي إن حبها له بالأساس إنما هو استجابة لحبه لها ومدى تعلقه بها. فالرجل متى ما أحب المرأة ووفى لها، فمن الطبيعي أن تحبه أيضاً وتفي بحبها له.
ومن هذا نفهم أن الرجل يمتلك مفتاح الحب أيضاً، فحبه للمرأة يقودها إلى حبه، ومقته لها وعدم رغبته فيها سيخلق لديها ردة فعل تنعكس على شكل مقت وكراهية وصدود. أما إذا كان العكس وهو شعور المرأة بالبغض تجاه الرجل.. فقد ذكرت الدراسات النفسية أن ذلك لن ينعكس على الرجل على شكل بغض ونفور... بل قد يؤجج أحياناً رغبة الرجل فيها وحبه لها. وبعبارة أخرى فان بردود الرجل وانطفاء شعلة الحب فيه سيؤدي إلى موت الزواج والحياة الزوجية، غير أن برود المرأة وانطفاء جذوة الحب عندها سيؤدي إلى إصابة العلاقة الزوجية بوعكة هناك أمل في أيجاد علاج لها. فبإمكان الرجل المحب أن يعيد الحب إلى قلب زوجته من خلال إظهار الحب لها، والتودد إليها، وإشعارها بأنه يفهمها ويشاطرها مشاعرها وآمالها وآلامها. فحب الرجل وحنانه لزوجته ومحاولة التفاهم معها وتلبية مطالبها العادلة كلها أمور ضرورية لاستمرار الحياة الزوجية، وقادرة على كسب قلب الزوجة والاحتفاظ به.
الإسلام يعارض بشدة الطلاق اللئيم (الطلاق حباً في الاستبدال لا غير)، لكن الحل من وجهة نظره ليس في إجبار الرجل العازف عن زوجته على الاحتفاظ بها رغم انفه. فمثل هذا الإرغام سيكون مغايراً للقانون الطبيعي للحياة الزوجية.
فلو ظلت الزوجة بقوة القانون في بيت الزوج، فبإمكانها أن ترغم الزوج على الاحتفاظ بها، لكن ليس بإمكانها أن ترغمه على حبها واحترامها. والإسلام غير مستعد لإجبار المرأة على الالتصاق بهكذا رجل تحت مطرقة القانون، وغير مستعد أيضاً على إجبار الرجل على العيش مع زوجة لا يشعر بالحب نحوها، لأنه يكون قد ظلم المرأة فضلاً عن الرجل.
ونلفت الانتباه هنا إلى أن الإسلام ومثلما وضع مفتاح الطلاق بيد الرجل، إلاّ انّه لم يغلقه نهائياً بوجه المرأة. فللمرأة في حالات خاصة محددة سلفاً حق الطلاق والانفصال عن الرجل، ويكون ذلك بشرط شرط مكتوب ضمن عقد الزواج تشترط فيه أموراً إذا أخل فيها الرجل تعتبر نفسها مطلقة عنه.
هذا فضلاً عن أن الرجل لو اظهر عدم استعداده لأداء التكاليف الزوجية، وخرجت علاقته الزوجية عن مجراها الطبيعي ولم يؤد حقوق الزوجة ولم يحسن معاشرتها.. فلا بد له في هذه الحالة إما أن يغير سلوكه ويعيد للحياة الزوجية طابعها وطبيعتها.. أو أن ينفصل عنها بإحسان. أما إذا جعل منها هدفاً لصبّ جام غضبه وانتقامه، فلا بد في هذه الحلة من تدخل الحاكم الشرعي لفرض الطلاق على الزوج.. فالإسلام لا يتحمل أن يسيء الرجل استخدام حق الطلاق.. بل يفرض عليه أن يطلّق عندما يتحوّل مفتاح الطلاق الذي يمتلكه إلى أداة لتعذيب المرأة وتحطيمها.. وهذا نابع من القاعدة القرآنية التي تتحكّم في العلاقة الزوجية (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)
المصدر: مجلة الفكر الجديد، العددان: 13-14 .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com