موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب موسى كليم الله-3
 
الإثنين - 5 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب موسى كليم الله-3  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 24 / ذي الحجة / 1433 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
منطلق الصراع في حياة موسى:
مضت طفولة موسى في حضن أمه ترعاه عين الله، وتصوغ شخصيته بعناية ورعاية ؛ لتجعل منه مشعلاً هادياً، وقوة رادعة ومغيرة وهادمة لعروش الظالمين ... وفي هذه الفترة كان يرفل مع أمه بالنعيم الذي يقدمه فرعون وأهله لأم موسى ؛ لخدمتها لربيبهم الذي يُعد للثورة عليهم بأموالهم ... وألقى الله على موسى محبة منه فلا يراه أحد من عباد الله إلا وأحبه، وأول من ألقى محبة موسى في قلبها زوجة فرعون آسية بنت مزاحم رحمها الله، وكانت تتفقده بين الحين والأخر، وتطلب من أمه أن تريه إياها، وتقول لها (أن تريني ابني، فوعدتها يوما تريها إياه، فقالت لحوا ضنها وقهارمتها: لا تبقين منكم أحد إلا استقبل ابني بهدية وكرامة، فلم تزل الهدايا والتحف تستقبله من حين اخرج من بيت أمه إلى أن ادخل على امرأة فرعون فأكرمته وفرحت به)(1)
هكذا تُسخر الإرادة الإلهية عدوها لوليها وتنشئه رغم أنفها، ويبدوا من بعض المؤرخين أن موسى لم تؤثر عليه الأجواء التي لبث فيها من عمره سنين في قصر فرعون، بل كان يتذمر، ويحاول أن يقف بوجه الظلم الفرعوني (ولم تسترح نفسه للحياة في ظل تلك الأوضاع الآسنة التي لا تستريح لها نفس مصفاة مجتباة، كنفس موسى (ع) ، وبخاصة أن أمه، لابد أن تكون قد عرّفته من هو ومن قومه وما ديانته وهو يرى كيف يسام قومه الخسف البشع، والظلم الشنيع، والبغي اللئيم، وهو يرى أبشع صورة للفساد الشائع الأثيم)(2)
وقبل هذا وذاك إن الله يصنعه على عينه وآتاه (الحكم والعلم) ليواصل بما آتاه الله العمل فيما كلفه .
ويخرج موسى في وقت يأوي الناس إلى بيوتهم ؛ لينالوا قسطاً من الاستجمام حيث الأسواق معطلة والشوارع خالية ؛ ليتفحص المنطقة ويتعرف على معالمها في خلوة من الناس ؛ ليحدد نقاط تحركه ... ولعل خروجه في هذا الوقت دون سواه لأن وضعه وانتسابه (ظاهراً) إلى قصر فرعون لا يمسح له الاختلاط الواسع بالناس كما هو المألوف عند أبناء الملوك والأمراء . وقد يكون قد انفصل عن القصر وعاش بعيداً عنه لفترة محدودة ... وتحرك ليدرس معالم المدينة ... ولا سيما أنه كان يرى بأم عينه كيف يستذل فرعون قومه، ويذيقهم أشد أنواع العذاب، وبينما هو يسير وإذا به يرى رجلين يقتتلان أحدهما إسرائيلي والآخر قبطي، وما يراه الإسرائيلي حتى يستغيث به ويتقدم ؛ لينقذه من يد القبطي الظالم له، فيدفعه عنه بقوة بجميع كفه ولم يكن قاصداً قتله إلا أن إرادة الله تعالى شاءت أن يكون أجله بتلك الوكزة ؛ لتُدْخل موسى في معترك الصراع ؛ ولتبرزه مدافعاً عن المظلومين، وناصراً وحامياً لهم(3) ... إلا أن موت القبطي ترك أثراً سلبياً في نفسه حيث شعر بتأنيب ضمير ؛ لأنه أزهق نفساً ... وهو صاحب النفس الشفافة الصافية من كل درن، والتي تحمل للناس كل خير وصلاح وإزهاق الروح عند مثل هذه النفس يترك أثراً من حيث يريد ومن حيث لا يريد، ولا سيما أنه لأول مرة يواجه مثل هذا الحدث، وهو (لم ينطلق في المعركة من موقع عدواني ذاتي ؛ لأنه لا يجد أي ضرورة أو مبرراً لدخوله معركة مع الأقباط في وعيه العقلاني بطبيعة التوازن في القوى الذي كان لا يسمح له ولا لغيره من أن يحل المشكلة القائمة في مجتمع بني إسرائيل ؛ ولذا لم يكن همه أن يدخل في معركة كان كل همه أن يدافع عن الإسرائيلي، ويخلصه من يدي القبطي الذي كان يريد قتله كما يبدوا ؛ ولهذا لم يكن في الأمر حريجة، بل كانت دخول شرعياً، ولم تكن النتيجة مقصودة له، ولكنه كان يفضل أن لا يحدث ما حدث)(4)
ويوضح هذا ما ورد عن الإمام الرضا (ع) حيث قال حين سأله المأمون قائلاً: (يا ابن رسول الله أليس من قولك أن الأنبياء معصومون، قال: بلى، قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل: ((فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)) (القصص:15) قال الرضا (ع): إن موسى دخل مدينه من مدائن فرعون على حين غفلة من أهلها وذلك بين المغرب والعشاء ((فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ)) (القصص:15) فقضى موسى على العدو بحكم الله تعالى ذكره ((فَوَكَزَهُ)) فمات ((قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)) يعنى الاقتتال الذي كان وقع بين الرجلين لا ما فعله موسى (ع) من قتله أنه يعنى الشيطان ((عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ)) فقال المأمون: فما معنى قول موسى ((رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي)) قال: يقول: إني وضعت نفسي غير موضعها بدخولي هذه المدينة ((فَاغْفِرْ لِي)) أي استرني من أعدائك ؛ لئلا يظفروا بي فيقتلوني ((فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) قال موسى (ع): ((رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ)) من القوة حتى قتلت رجلاً بوكزه ((فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ)) بل أجاهد في سبيلك بهذه القوة حتى ترضى)(5)

الهوامش:
(1) العلامة المجلسي، بحار الأنوار ج 13 ص 56 .
(2) سيد قطب، في ظلال القرآن: 6/329 .
(3) قال ابن عساكر:
فأنبت الله موسى نباتاً حسناً حتى " بلغ أشده فآتاه الله " حكما وعلما " يعني فهما في دينه ودين آبائه وشرائعهم وصار لموسى شيعة من بني إسرائيل يستمعون منه يقتدون برأيه، ويجتمعون إليه فلما عرف ما هو عليه من الحق واستبان له ما هو عليه من أمر فرعون وما هو عليه من الباطل وعرف عداوته له ولبني إسرائيل علم أن فراق فرعون خير له في دينه ودنياه وآخرته فتكلم موسى بالحق وعاب المنكر، ولم يرض بالباطل والظلم والإشراك بالله حتى ذكر ذلك منه في مدينة مصر وما صنع بأهلها وحتى علموا أن دينه ورأيه مخالف لدينهم فلما اشتد عليهم أمر موسى رفعوا أمره إلى فرعون فأمرهم فرعون أن لا يعرضوا له إلا بخير ونهاهم عنه حتى صار من أمر أهل مصر أنهم خافوا موسى خوفا شديدا وكان لا يلقى موسى أحدا منهم إلا هربوا منه حتى لا يستطيع أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل ولا يصل إلى ظلمه ولا يسخره قال وحتى امتنعت بنو إسرائيل في كنف موسى كل الامتناع فلما اشتد عليهم أمر موسى نصبوا له العداوة في كل نواحي المدينة ؛ ليقتلوه فصار من أمر موسى لا يدخل المدينة إلا خائفا مستخفيا قال فبينا موسى ذات يوم وهو داخل " المدينة على حين غفلة من أهلها يعني عند الظهيرة " فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته " يعني من شيعة موسى والآخر " من عدوه " يعني من آل فرعون كافرا " فاستغاثه الذي من شيعته " هو الإسرائيلي " على الذي من عدوه " يعني به القبطي، وكان موسى أوتي بسطة في الخلق وشدة في القوة فدنا موسى منهما فإذا هو بالفتى المؤمن الذي كان عاهده موسى وأفشى إليه سره، وقد تعلق به عظيم من عظماء الفراعنة يريد أن يدخله على فرعون فقال له موسى ويحك خل سبيله قال له الفرعوني هل تعلم يا موسى أن هذا الفتى سب سيدنا فرعون فقال له موسى كذبت يا خبيث بل السيد الله، ولعنة الله على فرعون، وعمله فلما سمع الفرعوني كلام موسى ترك الفتى، وتعلق بموسى، وزعم أن يدخله على فرعون فنازعه موسى فلم يخل عنه " فوكزه موسى وكزه على قلبه " فقضى عليه " يعني فمات ولم يكن يريد قتله، وليس يراهما إلا الله والفتى الإسرائيلي الذي كان من شيعة موسى، فقال موسى حين قتل الرجل " هذا من عمل الشيطان " يعني من تدبير الشيطان " إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي)تاريخ دمشق 61/20 .
(4) السيد فضل الله: من وحي القرآن: 17/277 .
(5) الشيخ الصدوق: عيون أخبار الرضا (ع) ، نقلاً عن الميزان في تفسير القرآن: 1/220 وأوردها الطبرسي في الاحتجاج: 2/218 .

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com