موقع الصراط ... الموضوع : المتخلفون عن ثورة الحسين (ع)
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  المتخلفون عن ثورة الحسين (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 29 / ذي الحجة / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضاقَتْ علَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)) (التوبة: 118)
في كل صراع بين الحق والباطل ينقسم الناس على أقسام عدة:
1- منهم من يقف في جبهة الحق، ويدافع عنها، ويضحي من أجلها بكل غالٍ ونفيس، وهؤلاء هم حملة رسالة الله الذين أوقفوا أنفسهم لها.
2- ومنهم من يقف إلى جنب الباطل خوفاً، أو طمعاً، أو انخداعاً، أو لحالة عدم الوعي ... 3- ومنهم من يقف موقف المتفرج لا (ينصر الحق، ولا يخذل الباطل)، وهؤلاء هم طلاب العافية والسلامة، ركوناً إلى الدنيا، وما فيها من مال وجاه وسلطان... والآية المتقدمة نزلت في معركة تبوك التي قادها رسول الله (ص) وكانت ظروف المعركة صعبة عسيرة حتى عبر عنها القرآن بـ(سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) يقول تعالى: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ والأنصار الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)) (التوبة: 117)
وأصناف الناس المتقدمة برزت واضحة في هذه المعركة فمنهم من سار مع النبي (ص) رغم الشدة والصعوبة وقلة العدة والعدد بحيث (كان العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يتعقبونه بينهم، يركب الرجل ساعة، ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك، وكان زادهم الشعير المسوس، والتمر المدود، والإهالة السنخة(1)، وكان النفر منهم يخرجون ما معهم من التميرات بينهم، فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه، فيمصها ثم يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى يأتي على آخرهم فلا يبقى من التمرة إلا النواة)(2)
بهذه الشدة، وهذه العسرة كان يتحرك المسلمون، وهنا برزت الغيرة الإيمانية على أبي خيثمة عبد الله بن خثيمة (تخلَّف إلى أن مضى من مسير رسول الله (ص) عشرة أيام، ثم دخل يوماً على امرأتين له في يوم حار في عريشين لهما، قد رتبتاهما، وبردتا الماء، وهيأتا له الطعام.
فقام على العريشين، وقال: سبحان الله! رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر في الفتح، والريح، والحر، والقر، يحمل سلاحه على عاتقه، وأبو خيثمة في ظلال باردة، وطعام مهيأ، وامرأتين حسناوين، ما هذا بالنصف! ثم قال: والله لا أكلم واحدة منكما كلمة، ولا أدخل عريشاً حتى ألحق بالنبي (ص).
فأناخ ناضحة، واشتدَّ عليه، وتزود، وارتحل، وامرأتاه تكلمانه، ولا يكلمهما، ثم سار حتى إذا دنا من تبوك، قال الناس: هذا راكب على الطريق. فقال النبي (ص): كن أبا خيثمة أولى لك، فلما دنا، قال الناس: هذا أبو خيثمة يا رسول الله، فأناخ راحلته، وسلم على رسول الله (ص) فقال (ع): أولى لك، فحدثه الحديث، فقال له خيراً، ودعا له)(3) هذا صنف من الناس حركتهم ضمائرهم، ولم يرضوا بالراحة مقابل معاناة رسول الله (ص)، فأبو خيثمة رفض كل النعيم واللذة، والتحق بالمجاهدين؛ ليشاركهم معاناتهم.
والصنف الثاني الذين تخلفوا عن الرسول (ص) هم الذين نزلت فيهم هذه الآية، يقول المؤرخون: هذه الآية المتقدمة (نزلت في شأن كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وذلك أنهم تخلفوا عن رسول الله (ص)، ولم يخرجوا معه، لا عن نفاق، ولكن عن توانٍ، ثم ندموا.
فلما قدم النبي (ص) المدينة، جاءوا إليه، واعتذروا، فلم يكلمهم النبي (ص)، وتقدم إلى المسلمين بأن لا يكلمهم أحد منهم، فهجرهم الناس حتى الصبيان، وجاءت نساؤهم إلى رسول الله (ص)، فقلن له: يا رسول الله، نعتزلهم؟ فقال: لا، ولكن لا يقربوكنَّ، فضاقت عليهم المدينة، فخرجوا إلى رؤوس الجبال، وكان أهاليهم يجيئون لهم بالطعام، ولا يكلمونهم، فقال بعضهم لبعض: قد هجرنا الناس، ولا يكلمنا أحد منهم، فهلا نتهاجر نحن أيضاً، فتفرقوا، ولم يتجمع منهم اثنان، وبقوا على ذلك خمسين يوماً يتضرعون إلى الله تعالى، ويتوبون إليه، فقبل الله تعالى توبتهم، وأنزل فيهم هذه الآية)(4).
وهكذا نجد في كل زمان مع الأئمة الأطهار (ع) من يتفانى في الطاعة، والتضحية، والفداء، ومنهم من يتقاعس، ويبرر تقاعسه مع إيمانه بعدالتهم، وأحقيتهم حباً في الدنيا، وما فيها من المال والأولاد ... وهكذا تكرر بأجلى صورة في خروج الحسين (ع) على طاغية عصره حيث انقسم الناس على أقسام عدة:
1- منهم المشفقون الذين توجهوا إلى الحسين (ع) بالنصح له بترك المسير كمحمد بن الحنفية رضي الله عنه الذي أشار عليه بالتنحي عن بيعة يزيد، والفرار إلى المناطق البعيدة، ومراسلة الناس وتحريكهم؛ ليتخلص من بطش جيشه إلا أن الحسين (ع) قال له بقوة: (يا أخي، لو لم يكن في الدنيا ملجأ، ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية)...
ثم قال (ع): (يا أخي، جزاك الله خيراً لقد نصحت، وأشرت بالصواب، وأنا عازم على الخروج إلى مكة، وقد تهيأت لذلك أنا، وأخوتي، وبنو أخي، وشيعتي أمرهم أمري، ورأيهم رأيي، وأما أنت فلا عليك أن تقيم بالمدينة، فتكون لي عيناً لا تخفِ عني شيئاً من أمورهم)(5)
ومن المشفقين عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس، والمسور بن مخزمة، وجابر الأنصاري، وعبد الله بن مطيع، وأم سلمة .
2- المنددون بخروج الحسين (ع): وهؤلاء كانوا من الموالين لبني أمية على الأغلب أو من ذوي الهمم الهابطة الذين يطلبون الدنيا بالدين، ومن هؤلاء عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي صرح قائلاً: (غلبنا حسين بن علي بالخروج، فلعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، فرأى من الفتنة، وخذلان الناس لهما ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فإن الجماعة خير)(6)
ثم راح إلى الحسين (ع) وأخذ يحذره من القتل والقتال، فكان رد الحسين (ع) عليه مفحماً منطلقاً من منطق الرسالة، فقال (ع): (يا أبا عبد الرحمن، أما علمت أن من هوان الدنيا على الله أن رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل ...)
والحسين (ع) هنا أراد أن يقول له إنه وارث خط الأنبياء، وإنه سائر على نهجهم، ولا يمكن أن يحيد عنهم بأي حال حتى لو ضحى بكل غالٍ ونفيس.
ومن المنددين سعيد بن المسيب الذي قال: (لو أن حسيناً لم يخرج لكان خيراً له)
ومنهم أبو سلمة الذي قال: (كان للحسين أن يعرف أهل العراق، ولا يخرج إليهم ولكن شجعه ابن الزبير).
ومنهم عمرة بنت عبد الرحمن وكانت من الموالين لبني أمية، فأخذت تذكر الإمام (ع) بحديث رسول الله (ص) عن عائشة أنه قال: (يقتل ولدي الحسين) وما إن وصلت رسالتها للحسين (ع) قال: (لا بد إذن من مصرعي)
وهؤلاء المنددون بخروج الحسين (ع) لم يعوا الواقع الذي وصلت إليه الرسالة الإسلامية وما فيه من الخطر المحدق بها... ولم يتحسسوا المسؤولية الشرعية في إنقاذ الرسالة من مخالب النفاق الأموي، وإنما نظروا من زاوية المنفعة الدنيوية، وطمعاً في زخارف الدنيا التي سيطر عليها بنو أمية...
والقسم الثالث هم المتخلفون، وهم كثيرون وقد كان الإمام (ع) يناشد كل من يلتقيه، ويدعوه إلى النصرة، ويذكره بخطر بني أمية على الإسلام، إلا أن الكثير منهم لم يستجب ومن هؤلاء عبيد الله بن الحر، وقد تقدمت قصته، فراجع، ولكن نقول:
هكذا يفعل حيث الدنيا بالرجل رغم علمه بأن الحسين (ع) على الحق، وأن الناصر له السعيد بالآخرة، ورغم علمه بضلال بني أمية إلا أنه لم تطاوعه نفسه، فآثر الدنيا على الآخرة بعد أن صار على أعتاب الجنة، وفي ذلك من العبرة ما لا تعيه إلا القلوب الزكية؛ ولذا بعد ذلك ندم ابن الحر، وراح يتحسر على فوات تلك الفرصة إلا أنه لم يفده ذلك شيئاً.
وهناك صنف آخر من الناس ممن يُوقِف نصرته على شروط، ومن هؤلاء الضحاك المشرقي فقد وفد هو ومالك بن النضر الأرحبي على الحسين (ع) بعد وصوله إلى كربلاء، فرحب بهما، وسألهما عما جاء بهما، فقالا:
(جئنا؛ لنسلم عليك، وندعو الله لك بالعافية، ونحدِثَ بك عهداً، ونخبرك خبر الناس، وإنا نحدّثك أنهم قد جمعوا على حربك فرَ رأيك)
فقال الحسين (ع): حسبي الله ونعم الوكيل.
قال: فتذممنا، وسلمنا عليه، ودعونا الله له، قال: فما يمنعكما من نصرتي؟ فقال مالك بن النضر: عليَّ دين، ولي عيال. ثم قال الضحاك : إن عليَّ ديناً وإن لي لعيالاً، ولكنك إن جعلتني في حِلٍّ من الانصراف إذا لم أجد مقاتلاً قاتلت عنك ما كان لك نافعاً، وعنك دافعاً، قال: (فأنت في حل)(6)
وقاتل مع الحسين (ع)، وأبلى بلاء حسناً في القتال، وكان الحسين (ع) يدعو له، ولكنه لم يستمر على النصرة حين رأى أن أغلب أصحاب الحسين (ع) قد استشهدوا، وأن البقية مقتولون لا محال، فلم تطاوعه نفسه بالاستمرار، ورجع إلى الحسين (ع) وقال: (يا ابن رسول الله، قد علمتَ ما كان بيني وبينك، قلت لك: أقاتل عنك ما رأيت مقاتلاً فإذا لم أرَ مقاتلاً، فأنا في حل من الانصراف، فقلت لي: نعم، فقال الحسين (ع): صدقت، وكيف لك بالنجاء؟ إن قدرت على ذلك فأنت في حل)
قال: (فأقبلت إلى فرسي، وقد كنت حيث رأيت خيل أصحابنا تعقر أقبلت بها حتى أدخلتها فسطاطاً لأصحابنا بين البيوت، وأقبلت أقاتل معهم راجلاً، فقتلت بين يدي الحسين (ع) رجلين، وقطعت يد آخر، وقال لي الحسين (ع) يومئذ مراراً: لا تشلل لا يقطع الله يدك، جزاك الله خيراً عن أهل بيت نبيك (ص)، فلما أذن لي استخرجت الفرس من الفسطاط ثم استويت على متنها، ثم ضربتها حتى إذا قامت على السنابك رميت بها عرض القوم، فأفرجوا لي، واتبعني منهم خمسة عشر رجلاً حتى انتهيت إلى (شفيّة)، قرية قريبة من شاطئ الفرات، فلما لحقوني عطفت عليهم، فعرفني كثير بن عبد الله الشعبي، وأيوب بن مشرح الخيواني، وقيس بن عبد الله الصائدي، وقالوا: هذا الضحاك بن عبد الله المشرقي، هذا ابن عمنا ننشدكم الله لما كففتم عنه، فقال ثلاثة نفر من بني تميم كانوا معهم: بلى والله لنجيبنّ إخواننا، وأهل دعوتنا إلى ما أحبوا من الكف عن صاحبهم، قال: فلما تابع التميميون أصحابي كفّ الآخرون، قال: فنجاني الله)(7)
ومن خلال وقفة تأمل في موقف الضحاك هذا نفهم:
1- إنه وابن عمه كانا عارفين بموقع الحسين (ع) وفضله، ودوره في الإسلام، وموقعه من رسول الله (ص).
2- إن الحسين (ع) دعاهما إلى نصرته من خلال قوله: (ما يمنعكما عن نصرتي؟) ليثبت الحجة عليهما.
3- تحجج ابن عمه بوجود العيال والديون، وهو في الوقت نفسه ينظر إلى الحسين (ع) قد حمل معه أشرف عائلة على وجه البسيطة معه، ويعلم أنه ضحى بهم، بل نفس خروج الحسين (ع) بنفسه وعياله دعوة للاستنصار حتى لو لم يدعهما.
ويبدو أن حب المال والأولاد سيطر عليهما، فلم تطاوعهم أنفسهما لنصرة الحسين (ع) فهما قدّما الدنيا الزائلة على الآخرة الباقية.
4- أما موقف الضحاك فرغم قناعته بأحقية موقف الحسين (ع) إلا أنه وضع شرطاً لنصرته له، وهو أن يقاتل معه إلى فترة زمنية محدودة بحيث يبقى معه مقاتلون وقتاله ينفعه أي أنه يقول له: إذا قاتلت معك إلى حد أن أقتل فما الفائدة في قتالي، وهو موقف من لم ترتفع همته إلى مستوى التضحية، والفداء؛ ولذا تركه، وانصرف في اللحظات الأخيرة.
وهكذا يبقى أهل الدنيا يوازنون بين مصلحة الدين والدنيا، وغالباً ما تغلب مصلحة الدنيا من خلال التبرير، أو التراجع، أو القعود، والإحباط.
أما حين تنتصر مصلحة الإسلام في النفس على مصلحة الدنيا فإن الإنسان يتخلى عن كل شيء، ويذوب في رسالته، ويثور على نفسه، فيحطم كل ما يعيق مسيرته إلى الله.
بين الضحاك وزهير بن القين:
وهنا وجه آخر وصورة أخرى تعكس الفرق بين زهير بن القين والضحاك المشرقي.
لقد كان الضحاك من شيعة الحسين (ع) قصده بنفسه؛ ليسلم عليه ويودعه، ولما دعاه الحسين (ع) لنصرته لم يعطِ كل شيء إنما أعطى شيئاً محدوداً، أو مشروطاً وازن بين دينه ودنياه، وفي أخر أمره رجح دنياه على دينه، وفر من الزحف مع وجود الحسين (ع)، فلم يستطع أن يواصل السير؛ لأن الأمر ثقيل على نفسه، فلم تطاوعه أن يموت بين يدي الحسين (ع) ويفوز بنعيم الأبد؛ والسر في ذلك هو حب الدنيا.
(ولا يطلب الحسين (ع) أمثال الضحاك في حركته هذه، وإنما يطلب لنصرته أولئك الذين يبذلون كل ما عندهم من الأنفس والأموال لله تعالى من دون حساب وشروط وحدود وقيود، فقد خطب في الناس لما أراد الخروج من مكة إلى العراق، وقال: ألا من كان باذلاً فينا مهجته، موطناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإني راحل مصبحٌ إن شاء الله)(9)
هذا هو موقف الضحاك! أما موقف زهير بن القين: فإننا نجد أن زهير كان في كل مراحل حياته مخالفاً للنهج العلوي فقد كان عثماني الهوى... وكان يحاول أن لا يلتقي مع الحسين (ع) في طول الطريق بين مكة والعراق، فلا ينزل في المكان الذي نزل فيه الحسين (ع)... إلا أنه في الساعات الأخيرة حين يدعوه الحسين (ع)، ويلتقيه في واقعة معروفة، ولا ندري كم دام اللقاء القصير حيث قلب مجرى حياته، وحوَّله من المنهج الأموي إلى المنهج العلوي مع أن الظروف المحيطة به والتي كان يعيشها منعماً مرفهاً ووجيهاً معروفاً في بلده، بل كان زعيماً في قومه... وكان له عيال ومال ودنيا عريضة إلا أنه خلال لحظات ترك كل ذلك، وتجرد من الدنيا، وارتفع إلى مستوى مسؤولية؛ ولذا ما إن رجع من لقائه مع الحسين (ع) إلا وصرح لزوجته قائلاً: (الحقي بأهلك فأني لا أحب أن يصيبك بسببي إلا خيراً) ثم قال لمن معه بقوة وعزم وبصيرة: (من أحب منكم نصرة ابن رسول الله وإلا فهو آخر العهد).
ونحن نلحظ كيف انتفض على نفسه، وتجرد عن كل ما في الدنيا، وأقبل على التضحية والفداء، وواصل تصميمه إلى آخر لحظة من حياته، وكله عزيمة وصبر، ومضاء على بصيرة من أمره، فقد قال للحسين (ع) في ليلة عاشوراء بعد أن خطب فيهم، وأذن لهم بالانصراف والخلاص بأنفسهم: (قد سمعنا هداك الله يا ابن رسول الله مقالتك، والله لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنا فيها مخلدين إلا أن فراقها في نصرك ومواساتك لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها)(10)
وحين أكد لهم الحسين (ع) إذنه لهم بالانصراف عنه، وتَرْكه يواجه القوم بنفسه قال زهير: (والله لوددت أني قتلت، ثم نشرت، ثم قتلت حتى أقتل كذا ألف قتلة، وإن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك)(11)
هذا موقف وذاك موقف، وشتان ما بين الموفقين بين الإيمان المتزلزل، والعطاء المشروط وبين الإيمان الكامل والبذل غير المحدود بالغالي والنفيس (والجود بالنفس أقصى غاية الجود) وهذه الصورة تتجدد في كل زمان... وقد رأينا في عصرنا من حمل رسالة الإسلام، ودعا إليها، وأجهد نفسه لوعيها، وحفظها، والدفاع عنها فلما اشتدت المحن انهار وتراجع، كما رأينا العكس على آخرين ممن عاشوا حياة الانحراف والمجون ولما اشتدت المحنة على المؤمنين هداهم الله إلى نصرة دينه فأحسن عواقبهم في آخر أمرهم..
اللهم أحسن عواقبنا، واختم حياتي على ملتك ونهج رسولك وآل بيته الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.

الهوامش:
(1) ساس الطعام: وقع فيه السوس وهو دود يأكل الحب، والمدود: الطعام الذي صار فيه الدود وكل شيء من الأدهان مما يؤتدم به اهالة، وقيل: الدسم الجامد والسنخة: المتغيرة الريح.
(2) الطبرسي، مجمع البيان: 5/119-120 .
(3) المصدر نفسه: 120 .
(4) المصدر نفسه.
(5) القرشي، حياة الإمام الحسين (ع) : 2/263.
(6) ابن كثير، البداية والنهاية: 8/175.
(7) تاريخ الطبري: 5/ 418-419 .
(8) السيد العسكري، معالم المدرستين: 3/117.
(9) الشيخ محمد مهدي الآصفي، في رحاب عاشوراء: 2/308 .
(10) تاريخ الطبري: 4/305.
(11) المصدر نفسه: 318.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com