موقع الصراط ... الموضوع : أخطر المزالق في طريق الكدح إلى الله تعالى-1
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أخطر المزالق في طريق الكدح إلى الله تعالى-1  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 6 / محرم / 1434 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
الشيخ جميل الربيعي في نفس الإنسان أهواء ورغبات ونوازع مختلفة ومتنوعة, فيها أهواء مادية كبيرة وأهواء معنوية عريضة... فمن مصاديق الأهواء المادية الحرص على جمع المال والعقار, والمراكب, والأولاد, والنساء... وما إلى ذلك من عناوين مادية, وأما الأهواء المعنوية فهي حب الجاه, والمقام, والسمعة الطيبة, والشهرة الواسعة, والعلم الغزير والسلطان... وهلم جرى.
ومن خلال غريزة حب الذات يحرص الإنسان بشدة على تحصيل كِلا الجانبين المادي والمعنوي, وفي كثير من الأحيان تحاول النفس أن تسخر الأمور المعنوية، وتجعلها وسيلة لنيل الأهداف المادية, فتسخر الاعتبارات المقدسة كالعقيدة, والأخلاق والأحكام للحصول على المطالب المادية فنراها تدرس وتتعلم، وتترقى في مراتب العلوم؛ لتنال بها ثروة ضخمة, وسلطة قوية, وشهرة واسعة, وتتخلق بالخلق الحسن؛ لتستحوذ على قلوب الناس, وتتظاهر بالزهد والقداسة والورع؛ لتنال الشهرة والسمعة الطيبة في الوقت الذي تخفي أبشع الصفات وأرذلها وأحطها, وتفعل في السر جرائم فظيعة تهتز منها الجبال الرواسي, ورحم الله السيد عباس شبر إذ يقول:
بعداً لقوم يرون الدين قنطرة * لما يسد فراغ البطن والكيس
باتوا يحوطون دنياهم بحيطته * وهم على دخل منه وتدليس(1)
وهكذا تجد في (كل عصر مجموعة من أتباع هذا الدين, أو ذاك تلجأ إلى تأويل بعض النصوص الدينية, وتقدم اجتهادات شخصية, وتفسيرات ذاتية تمكنها من الوصول إلى السلطة, فتكون لها مقاليد الأمور, وهي تستخدم في الأعم الأغلب أحط السبل كالدسائس والقتل والرشوة واستمالة الأشخاص بالمال, أو الإرهاب والنفاق والكذب على الله)(2) ورسوله وأهل بيته (ع) ولما كان التمسك بدين الله تعالى يمنح الإنسان في الوسط الاجتماعي مكانة كبيرة ورصيداً اجتماعيا عريضاً يحقق له إشباع غرائزه وأهوائه, لذلك يحاول كثير من الناس أن يتلبس بثوب الدين, ويظهر التدين؛ لينال في قلوب الآخرين مساحة واسعة, ويكون له تأثير كبير باسم الدين فيتخذ الدين وسيلة لنيل المراتب العليا في ذلك الوسط سواء كانت مادية أو معنوية؛ ولهذا نرى طالب الدنيا بالدين دائماً وأبداً, يلهث وراء العناوين البراقة؛ لينال الجاه والمقام والسمعة والشهرة والمال, أو القوة باسم الدين قد (نصب الدين فخاً للدنيا) ليخدع الناس, ويستحوذ على قلوبهم, ويمتص أموالهم وجهودهم, وقد وصف أمير المؤمنين (ع) هذا الصنف من الناس بقوله: (ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة, ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا قد طامن من شخصية, وقارب من خطوه, وشمر من ثوبه وزخرف من نفسه للأمانة، واتخذ سر الله تعالى ذريعة إلى المعصية)(3)
وفي نص آخر يقول (ع): (... وآخر قد تسمى عالماً وليس به, فاقتبس جهائل من جهال, وأضاليل من ضُلال, ونصب للناس أشراكاً من حبائل غرور وقول زور قد حمل الكتاب على آرائه, وعطف الحق على أهوائه, يؤمن الناس من العظائم، ويهون كبير الجرائم، يقول: أقف عند الشبهات, وفيها وقع, ويقول: أعتزل البدع وبينها اضطجع, فالصورة صورة إنسان, والقلب قلب حيوان, لا يعرف باب الهدى فيتبعه، ولا باب العمى فيصد عنه, وذلك ميت الأحياء)(4)
إن طلاب الدنيا بالدين يتظاهرون بالتدين, ويتباهون بالعلم, قد جعلوا الناموس الديني شبكة؛ لاقتناص الدنيا (يريدون أن يتوسلوا بأشرف الأشياء, وهو العلم بالله وأحكامه إلى أخس الأشياء, وهو الجاه والمنزلة في الدنيا, والتفاخر بما فيها، والركون إلى زخارفها, والإخلاد إلى الأرض, وهذه أمور وهمية باطلة كما قال الله تعالى: ((وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)) (العنكبوت:64) )(5) ولخطر هؤلاء على الإسلام والمسلمين طالما شكا أمير المؤمنين (ع) وتحسر بشدة من هؤلاء, يقول (ع): (إن هاهنا - وأشار بيده إلى صدره- لعلماً لو أصبت له حَملة بلى أصبت له لقناً غير مأمون يستعمل آلة الدين في طلب الدنيا، ويستظهر بحجج الله على خلقه, وبنعمه على عباده, ليتخذه الضعفاء, وليجة من دون ولي الحق...)(6)
وقد علق المحدث المجلسي على الحديث المتقدم بقوله: (لعل المراد بالحجج والنعم أئمة الحق أي يستعين بهؤلاء, ويأخذ منهم العلوم؛ ليُظهر هذا العلم للناس, فيتخذه ضعفاء العقول بطانة ووليجة, ويصد الناس عن ولي الحق ويدعوهم إلى نفسه, ويحتمل أن يكون المراد بالحجج والنعم العلم الذي آتاه الله, ويكون الظرفان متعلقين بالاستظهار أي يستعين بالحجج للغلبة على الخلق, وبالنعم للغلبة على العباد, وغرضه من هذا الاستظهار إظهار الفضل؛ ليتخذه الناس وليجة)(7)
نعم رأينا - فضلاً عما قرأنا- في عصرنا هذا لما راج سوق العلم والدين وصار للعلماء دور فعال, ومكانة مرموقة في الساحة العالمية ببركة الثورة الإسلامية العظيمة بقيادة العارف بالله الإمام الخميني قدس سره راح كثير من الناس يتزيّا بزي أهل العلم, وصار يدعي بما هو أكبر من حجمه آلاف المرات, لاهثاً وراء المسميات الفارغة من المحتوى الروحي والفكري, وصار شأن بعضهم شأن طلاب الشهادات العليا الذين يسعون بكل سبيل, لنيل الشهرة مهما كلفته من انتحالات ومدعيات لا حقيقة لها, ولا يقرها عقل ولا شرع؛ ولهذا وغيره اهتزت قداسة أهل العلم, والتي كانت توضع في قِمة الاعتبارات الروحية والأخلاقية والاجتماعية, وهان أهل العلم في بعض الأوساط؛ لسوء تصرف البعض منهم وقد أشار إلى ذلك أمير المؤمنين علي (ع) بقوله: (لو أن حملة العلم حملوه بحقه لأحبهم الله, وملائكته, وأهل طاعته من خلقه, ولكنهم حملوه لطلب الدنيا فمقتهم الله, وهانوا على الناس)(8) وحَمْلُ العلم بحقه هو العمل به قبل الحديث فيه؛ لتعبيد الناس به إلى الله تعالى من خلال إرشادهم ووعظهم وهدايتهم وتفقيههم امتثالاً لأمر الله, وطاعة له, ورغبة في نيل رضوانه, دون ميل إلى طلب مال، ولا جاه ولا سمعة ولا رياء وإنما يتعلم ويُعَلم لله وفي الله, وفي سبيل الله تعالى. فعن أبي عبد الله (ع) أنه قال: (من تعلم العلم، وعمل به, وعلم لله . دعي في ملكوت السماوات: عظيماً فقيل: تعلم لله, وعمل لله, وعلم لله)(9)
وأما حَمله للدنيا فهو اكتسابه, أو نشره بقصد التنعم بالدنيا, والتوصل إلى الجاه والمنـزلة والقبول, ونيل الثروة والعزة للتقدم على الأقران باسم العلم والدين وما يتفرع عنهما, فقد ورد عن نوف البكالي, وكان ممن يقرأ الكتب قال: (إني لأجد صفة ناس في هذه الآية من كتاب الله المنـزل ((وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)) (البقرة:8) قوم يحتالون على الدنيا بالدين... ألسنتهم أحلى من العسل, وقلوبهم أمر من الصبر, يلبسون للناس مسوك الضان وقلوبهم قلوب الذئاب)(10) وأدق وصف لهذه الحقيقة ما جاء عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: (يا حملة القرآن، اعملوا به, فإنما العالم من عَلِمَ ثم عمل بما عَلم ووافق علمُه عمَله, وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم, يخالف سريرتهم علانيتهم, ويخالف عملُهم علمَهم يجلسون حلقاً, فيباهي بعضهم بعضاً حتى إن الرجل يغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه, أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله)(11)

الهوامش:
(1) السيد جواد شبر, أدب الطف: 10/262.
(2) د. إمام عبد الفتاح, كتاب الطاغية: 27.
(3) المحدث المجلسي, بحار الأنوار: 78/5.
(4) نهج البلاغة: خطبة: 87 .
(5) صدر المتألهين, تفسير القرآن الكريم: 6/210.
(6) المحدث المجلسي, بحار الأنوار: 1/188.
(7) المصدر نفسه: 1/192.
(8) المصدر نفسه: 2/37.
(9) ثقة الإسلام الشيخ الكليني, الأصول من الكافي: 1/35, ح/ 6.
(10) حسن عبد الغني, المنافقون: 66.
(11) ترجمة الإمام علي بن أبي طالب (ع) من تاريخ دمشق، تحقيق: محمد باقر محمودي: 3/281.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com