موقع الصراط ... الموضوع : ابن عباس، مدرسته ومنهجه في التفسير-3
 
الأحد - 2 / صفر / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  ابن عباس، مدرسته ومنهجه في التفسير-3  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 6 / محرم / 1434 هـ
     
  الكاتب: الأستاذ حسن السعيد
5.الرجوع إلى أهل الكتاب :
كان ابن عباس كغيره من الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير،ويرجعون في فهم معاني القران إلى ما سمعوه من رسول الله (ص)، والى ما يفتح الله به عليهم كمن طريق النظر والاجتهاد، مع الاستعانة في ذلك بمعرفة أسباب النزول والظروف والملابسات التي نزل فيها القران. وكان رضي الله عنه يرجع إلى أهل الكتاب ويأخذ عنهم، بحكم اتفاق القران مع التوراة والإنجيل في كثير من المواضع التي أجملت في القران وفصلت في التوراة او الإنجيل , ولكن كما قلنا فيما سبق ان الرجوع إلى أهل الكتاب كان في دائرة محدودة ضيقة، تتفق مع القران وتشهد له، أما ما عدا ذلك ما يتنافى مع القران، ولا يتفق مع الشريعة الإسلامية، فكان ابن عباس لا يقبله ولا يأخذ به(83).
بيد أن هذه الدائرة المحدودة الضيقة-والطبيعة أيضا في مقياس أهل العلم-حاول إلى بعض ان يضعها خارج نطاقها الصحيح توظيفا لها في خدمة إغراض معروفة، تتنافى وابسط متطلبات المنهج العلمي.
فهذا المستشرق جلودزيهر يحاول جاهدا إقناع الاخرين بان اللون اليهودي قد صبغ مدارس التفسير القديمة، وبالأخص مدرسة ابن عباس، بسب اتصالهم بمن دخل في الإسلام من أهل الكتاب(84) إذ يقول: وكثيرا ما ذكر انه كان يرجع (كتابة) في تفسير معاني الألفاظ إلى من يدعى أبا الجلد... وكثيرا ما نجد بين مصادر العلم المفضلة لدى ابن عباس اليهوديين اللذين اعتنقا الإسلام: كعب الأحبار، وعبد الله بن سلام. ثم يقول: ومن الحق ان اعتناقهم للإسلام قد سما بهم على فطنة الكذب. ورفعهم إلى مرتبة مصادر العلم التي لا يثير ارتيابا، ولم يعد "اونولوث" شاكلة الصواب إذ يتحدث عن مدرسة ابن عباس ذات المسحة اليهودية(85).
ولئن كانت غايات "جولدزيهر" البعيدة معروفة في سياق حركتي الاستشراق والتبشير. فان ما لا نفهمه هو انخراط بعض المسلمين في هذا المنحى المشبوه اللهم الا ان نقول ك إنها التبعية في المنهج.. ان لم تكن العمالة الفكرية في أجلى صورها.
وعلى سبيل المثال لا الحصر.. فان كلا من احمد وأمين احمد خليل قد تابعا جولدزيهر في رأيه ان يكلفا نفسيهما بمناقشته او حتى التشكيك باتهامه،فيما حشد الأول كتبه باتهام طائفة كبيرة من المسلمين !!(86).
ولسنا هنا بصدد الرد على تخرصات جولدزيهر ومعابره الفكرية من أمثال الكاتبين احمد أمين واحمد خليل.. وقد انبرى العلماء إلى تنفيذ هذه الآراء المتهافتة(87).
بل أن ابن عباس نفسه، قد كفانا مؤونة الد، إذ كان يؤيد على خطورة الرجوع إلى أهل الكتاب بقوله: "كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيه (ص) بين أظهركم أحدث الكتب بربه غضا لم يشب.. ألم يخبركم الله في كتابة إنهم قد غيروا كتاب الله وبدلوه وكتبوا الكتاب بأيديهم فقالوا هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا. الا ينهاكم العلم الذي جاءكم عن مسألتهم والله ما رأينا رجلا منهم قط يسألكم عما انزل الله إليكم(88).
ولكن، أليس من حقنا ان نتساءل: كيف نوفق-إذن-بين رجوع ابن عباس إلى أهل الكتاب وبين دعوته إلى عدم الرجوع إليهم ؟
الواقع أن لا خلاف بين ما يقول ابن عباس وما فعل.. ذلك انه كان حين يرجع إلى أهل الكتاب مستفسرا فإنما يرجع رجوع العالم الذي يعير سمعه لما يقال ثم يعمل فكره وعقله فيما سمع، ثم ينخله مبعدا عنه الزيف، وقد وضع أساس منهج الاختيار العلمي بقوله: العلم أكثر من ان يحاط به فخذوا منه أحسنه.
بل ان موقف ابن عباس من الكتابيين يصوره معتزا بدينه كريما على نفسه وثقافته، فيروى ان رجلا أتى ابن عباس يبلغه زعم كعب الأحبار انه يجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في النار..فغضب ابن عباس وقال: كذب كعب الأحبار. قالها ثلاثا، بل هذه يهودية يريد ادخلها في الإسلام.. وقد اعتذر له كعب بعد وتعلل.
ومن هذا الوادي-أيضا –ما روى من انه ذكر الظلم في مجلس ابن عباس فقال كعب: إني لا أجد في كتاب الله المنزل ان الظلم يخرب الديار. فقال ابن عباس: أنا اوجدكه في القران. قال الله عز وجل (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا)هذه هي حقيقة موقف ابن عباس من أهل الكتاب كما نرى.. وهو إذا كان يدعوا إلى تجنب الرجوع إلى أهل الكتاب فلما يدخل بسبب ذلك من فساد على عقول العامة. أما العلماء أمثال ابن عباس فان معهم من الأسباب ما يجعلهم يقفون طويلا قبل ان يصدقوا ما يلقى إليهم من قول(89).
هذه هم أهم معالم المنهج التفسيري عند ابن عباس. وقد ساهمت ثقافته المعمقة في كثير من جوانب المعرفة على ان يتألق في منهجه. ومما ساعده على ذلك-إضافة إلى ما ذكرنا-تبجره في معرفة المكي والمدني من سور القران، واستيعابه للتأويل والمتشابه، والقرارات، والأحكام، والتاريخ، والجغرافية. إذ كان يهتم الاهتمام كله بتعريف قصة كل اسم او موطن او موضع جرى له ذكر في القران ان مبهما او صريخا يقول ابن عباس: الاحقاف المذكور في الكتاب العزيز رمل فيما بين عمان إلى حضرموت.
..وهكذا كان ابن عباس بمعارفه الوسيعة يهتم بتعريف كل شيء في القران حتى ليقول: إني على آية من كتاب الله تعالى فوددت ان المسلمين كلطهم يعلمون منها مثل ما اعلم ز ويقول مصورا قدر اقتداره على التفسير: لو ضاع لي عقال بعبر لوجدته في كتاب الله تعالى. وما كان له ان يقول ذلك لوى أخذه من كل ثقافة بطرف وتسخيرها جميعا لخدمة التفسير القرآني(90).

وقفة مع التفسير المنسوب إليه :
ينسب إلى ابن عباس (رض) جزء كبير في التفسير. طبع في مصر مرارا بإسم: "تنوير المقياس من تفسير ابن عباس" جمعه "أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزابادي الشافعي" صاحب القاموس المحيط.
ويتضح من التفسير المنسوب إلى ابن عباس ان معظم ما روي عن ابن عباس في هذا الكتاب-ان لم يكن جميعه-يدور على محمد بن مروان السدي الصغير، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس(91).. وقد شكك الكثير من العلماء برواية السدي الصغير عن الكلبي. وقد قيل فيه: اجمعوا على ترك حديثه، وليس بثقة، ولا يكتب حديثة، واتهمه جماعة بالوضع، ولذا قال السيوطي في الاتقان فان انضم إلى ذلك-أي إلى طريق الكلبي-رواية محمد بن مروان السدي الصغير عنه في سلسلة الكذب(92).
وقد روي من طريق ابن عبد الحكم قال: "سمعت الشافعي يقول: لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائه حديث"(93) وهذا الخبر-ان صح عن الشافعي-يدلنا على مقدار ما كان عليه الوضاعون من الجرأة على اختلاق هذه الكثرة من التفسير المنسوبة إلى ابن عباس، وليس أدل على ذلك من انك تلمس التناقص ظاهرا بين أقوال في التفسير نسبت إلى ابن عباس ورويت عنه..(94).
وفي ذكره لتفسير ابن عباس قال شيخ المحدثين المعاصرين آغا بزرك الطهراني انه عن الصحابة لأبي احمد عبد العزيز يحيى بن احمد بن يحيى الجلودي (المتوفي332)، ويأتي "تفسير الجلودي" عن علي عليه السلام؛ وتفسيره عن ابن عباس وهما غير هذا التفسير، كما يظهر من ذكره بعدهما في "رجال النجاشي" وهو أيضا غير "تفسير ابن عباس" الموسوم بـ"تنوير المقياس" من تفسير عبد الله بن عباس في الأربعة أجزاء الذي نسبة الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي في "الضوء اللامع" إلى محمد بن يعقوب الفيروزآبادي صاحب "القاموس" (المتوفي 817)، وكذا في "كشف الظنون" وكذا في المطبوع من هذا التفسير في بولاق في (1290) ؛ وقبل ذلك طبع في بومبي إلى عمار بن عبد المجيد الهروي الرواي عن علي بن اسحق والسمرقندي (المتوفي 237) كما أرخه في هامش ص129 من "خلاصة تذهيب التهذيب"؛ والسمرقندي يروي عن محمد بن مروان السدي الصغير (المتوفي 186) عن محمد بن السائب الكلبي (المتوفى 146) عن أبي صالح ميزان البصري عن ابن عباس؛ والسيوطي أورد في النوع الثمانين من كتابة "الاتقان" طرقا إلى تفسير ابن عباس؛ وجعل طريق الكلبي عن أبي صالح عنه أوهن الجميع، لكن قال ابن عدي في "الكامل": "للكلبي أحاديث صالحة وخاصة عن ابي صالح وهو معروف بالتفسير؛ وليس لأحد تفسير أطول منه، ولا أشبع، وبعده مقاتل بن سليمان إلا ان الكلبي يفضل عليه لما في مقاتل مذاهب رديه"(95).
وبعيداً عن الخوض في مدى صحة او عدم صحة هذا التفسير المنسوب لابن عباس فان مما لا شك فيه ان الناس تزيدوا في الرواية عن ابن عباس، وتجرأ بعضهم على الوضع عليه، والدس في كلامه(96) ويبدو ان السر في كثرة الوضع على ابن عباس، هو انه كان من بيت النبوة، والوضع عليه يكسب الموضوع ثقة وقوة أكثر مما لو وضع علي غيره، أضف إلى ذلك ان ابن عباس كان من نسله الخلفاء العباسيون، وكان من الناس من يتزلف إليهم، ويتقرب منهم بما يرويه لهم عن جدهم(97).
جدير ذكره ان احد الباحثين قد تتبع هذا الموضوع-انتساب تفسير "تنوير المقباس" إلى ابن عباس-وأشبعه بحثا وتمحيصا، وخلص بالأدلة التي تربو على التسعة والثلاثين، إلى النتيجة التي تقول ليس هناك من علاقة بين ابن عباس والتفسير المنسوب إليه(98).

كلمة أخيرة :
بالرغم من هذه الوقفة الطويلة-نسبيا-مع ابن عباس، ومدرسته، ومنهجه في التفسير، فان الكلمة الأخيرة لم تقل بعد في حبر الأمة، ولا تزال الحاجة ماسة إلى دراسة معمقة لهذه الشخصية العملاقة التي ساهم في ظلامتها الموتورون والمتزلفون والدارسون. أما الطرفان الأولان فقد تطرفنا اليهما في "إشكالية منهجيه" من هذا الموضوع. واما الطرف الثالث فنقصد به هذا الحشد من الدارسين والباحثين الذين يحاولون-وبإصرار عجيب-تقييمه بعيدا عن أجواء مدرسة أهل البيت (ع) حتى ليبدو للرائي انه يتقاطع معها وكأنه لم يكن وليدا يف مدارجها ومنضويا للاساءه إلى ابن عباس ومدرسته الحقيقية على حد سواء، ناهيك عما تشكله هذه الظاهرة من بادرة مدانة على صعيد البحث الموضوعي المجرد.
والصلة الخاصة بين ابن عباس وأستاذه علي بن أبي طالب يشهد بها التاريخ وابن عباس نفسه كما مر وقد ذكر ابن طاووس في كتاب "سعد السعود" انه اشتهر بين أهل الإسلام ان ابن عباس كان تلميذ علي (ع) وذكر محمد بن عمر الرازي في كتاب الأربعين ان ابن عباس رئيس المفسرين كان تلميذ علي بن أبي طالب عليه السلام(99).
ذلكم هو حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس (رض).. الذي كف بصره لانكبابه على العلم فعيره المعيرون: انتم يا بني هاشم تصابون في أبصاركم. فقال ابن عباس: وانتم يا بيني أميه تصابون في بصائركم(100) فرحم الله ابن عباس وأدخله في الصالحين.

الهوامش:
83.التفسير والمفسرون 70:1.
84.م.س: 72:1.
85.المذاهب الإسلامية في تفسير القران: 85-88، نقلاً عن لغة القران: 433.
86.للمزيد من الإطلاع على رايهما انظر للأول كتابه: (فجر الإسلام)، 248:1، ط3، وللثاني كتابه: (نشأة التفسير في الكتب المقدسة والقران)، ص27-38، ط1، 1954.
87.انظر: التفسير والمفسرون 72:1 وما بعدها.
88.ابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله 42:2، نقلاً عن مناهج التفسير 37.
89.مناهج في التفسير 38.
90.م.س: 40.
91.مناع القطان: مباحث في علوم القران 361 وما بعدها.
92.م.س: 362.
93.الاتقان 189:2.
94.التفسير والمفسرون 82:1.
95.الذريعة إلى تصانيف الشيعة 244:1، ط1، 1360هـ.
96.د. صبحي الصالح: مباحث في علوم القران 290ن ط8، بيروت، 1974.
97.التفسير والمفسرون 82:1-83.
98.بحث غير منشور للدكتور خضير جعفر.
99.الزنجاني: تاريخ القران 83، ط4، 140هـ.
100.من حوار جرى بين ابن عباس (رض) ومعاوية ابن أبي سفيان.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com