موقع الصراط ... الموضوع : الأستاذ الداعية الشهيد مجيد جواد الربيعي
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الأستاذ الداعية الشهيد مجيد جواد الربيعي  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 7 / محرم / 1434 هـ
     
  m
بقلم الشيخ جميل الربيعي
في سنة 1970م كنت مُبْعداً في قرية (منصورية الجبل) قرب (جبل حمرين) عند المنطقة المعروفة باسم (الصدور)، وقد جعل البعثيون منها مركزاً لنشر الفساد، فإذا أرادوا محاصرة أحد أبعدوه إليها، وفي أحد الأيام كنت جالساً في غرفة مدير المدرسة, وكان بعثياً متعجرفاً , وفي هذه الأثناء دخل شاب لا يتجاوز عمره الخامسة والعشرين فسلم، وسأل المدير: هل هذه هي متوسطة حسان بن ثابت؟ فأجابه المدير: أتريد أن تسجل فيها؟ ففاجئه بضحكة ساخرة: أنا مدرس فيزياء يا أستاذ، فاعتذر المدير إليه، وطلب منه الجلوس، وسأله: ما اسمك الكريم؟ قال: (مجيد جواد) من أهالي قرية (جديدة الشط) قرب بغداد، وما أن جلس حتى انطلق يتعارف مع المنتسبين إلى المدرسة، وفي هذه اللقاء تعارفت معه، وحدث تجاذب نفسي، فراح يسألني عن المنطقة, وعن المعلمين الذين أسكن معهم، ولم يفاجأ كما فوجئت بكون المعلمين يلعبون القمار في الليل، ويشربون الخمور في كازينو (الصدور) المعروفة,وفورا راح يفكر, ويخطط كيف ينقذهم من هذا المستنقع الآسن، وما مضى شهر على وجوده بينهم حتى هدى الله به سبعة منهم، فصاروا يؤدون الفرائض، وبقي واحد منهم يعتنق الفكر الإلحادي، ويدعو إليه، فدخل معه في نقاشات يومية مستمرة، ولم يستطع إقناعه، وحين قلت له: أتريد أن تهدي من أضل الله؟! اتركه وليذهب إلى جهنم، كان جوابه: أسألك به، أيهما أفضل هذا أم أبا جهل؟ قلت: هذا، قال: فإن رسول الله (ص) دعا أبا جهل، وهو أكثر عنتاً من هذا، ثم أردف قائلاً: أتدري لِمَ هذا الرجل متمرد علينا وعلى الله؟ قلت: لا، قال: إنه مغرور معجب بقوته؛ لأنه مصارع قوي، ويُراد له أن ندخل معه بمصارعة بدنية نمرغ أنفه بالتراب، قلت: هو يرفعك بيد واحدة فكيف تستطيع مصارعته، قال: أفكر، وفي اليوم الثاني راح يتدرب على (العُقلة) في الصباح والمساء، قلت: ما الخبر؟ قال: أتدرب لأصارع هذا المتعفرت، ومضت ثلاثة أسابيع،واستعد لخوض حلبة الصراع ودخل معه في مصارعة عنيفة استطاع أن يصرعه، فقال له: كيف استطعت أن تصرعني، فقال : أنا صارعتك لا بعنوان أنا مجيد، وأنت فلان، وإنما بعنوان أنا أمثل علي بن أبي طالب، وأنت تمثل لينين، ولا يمكن أن يصرع علياً أحد.
بهذه الروح الشفافة الطافحة بالإيمان، كان أستاذنا يتحرك في الوسط الجماهيري بحيث إنه كان يعتقد أنه يستطيع أن يطوع حتى الشيطان!!، ويقنعه بأحقية الإسلام، وسر قناعته هذه هو وعيه للإسلام بكل أبعاده بحيث يمكن القول أنه بلغ درجة العارف الكامل الذي لا يرى مؤثراً في الوجود إلا الله، ولا يرى معنى للحياة بدون حمل الإسلام رسالة وعقيدة؛ ولذا نذر نفسه للإسلام، وسخرها لخدمته، فقد كان مدرساً للفيزياء، فإذا ما دخل إلى الصف استقبله طلابه بشوق منقطع النظير، فقد دخل إلى قلوبهم، لأنه كان يتعامل معهم كأنهم أولاده الأعزاء، وكان برنامجه التبليغي أن يقدم لطلابه في كل درس نصيحة تربوية, ومفهوما إسلاميا بخمسة دقائق قبل الدرس، مع طرح فكاهة ترفيهية يشرح بها صدورهم.
وعندما طارده البعثيون, وغاب عن المدرسة فترة من الزمن , ثم عاد إليها هرع طلاب إعدادية بعقوبة لاستقباله, وحملوه على أكتافهم، وراحوا يلثمون أياديه بحرارة، فلما رأى معاون مدير المدرسة آنذاك السيد عبد الله، وكان أحد أساتذته في المرحلة الثانوية من قبل قال له: يا مجيد، ماذا عملت للطلاب أنا منذ 28 سنة أدرس ولم أستطع أن أؤثر فيهم كما أثرت، ماذا فعلت لهم ؟ فأجابه ضاحكاً: هذا هو تأثير الإسلام الحقيقي يا أستاذ، وليس تأثيري أنا...
لقد كان الأستاذ مجيد مؤمناً ، واعياً ، متحركاً بجدية , وإخلاص ذا نفس زكية,ونية صادقة, وقلب سليم منشرح للإسلام؛ وخلق رفيع, وسلوك مستقيم؛ وكان طيب المعشر يدخل إلى قلبك بمجرد أن تلقاه، ويُذَّكرك بالله منظره مبادراً لفعل الخير إلى كل أحد، لم يعرف الحقد إلى قلبه سبيلاً حتى على الذين كانوا يعذبونه, ويكتبون التقارير الحزبية عليه, بل رأيت العجب العجاب في سجن مديرية أمن بعقوبة حيث كان أحد الجلادين قاسياً فظاً استمر في تعذيبه لي وللأستاذ مجيد خمسة عشر ليلة، وفي أحد الليالي رأيته واقفاً في باب زنزانة مجيد, وهو يضحك بصوت مرتفع، تأملت قليلاً وإذا بأستاذ قد جذبه إليه بالكلام الطيب، وبالفكاهة وبعد ساعة جاءني هذا الجلاد بورقة من مجيد كتب فيها (إنه ملتزم عندي)، وما طال هذا الحال حتى ترك هذا الجلاد العمل الإجرامي، وفرَّ من السجن وبعد ثلاثة أشهر التقيته، وهو يبكي ويقول: أبرئني الذمة لما أذيتك أنت ومجيد، وقد تاب إلى الله تعالى.
أما ثقافته فقد كان واسع الإطلاع في العقيدة الإسلامية والعقائد الأخرى، متفقهاً في دينه، متبحراً في دراسة سيرة الرسول محمد (ص) وأهل بيته الكرام عارفاً بالمذاهب الفكرية المناقضة للإسلام، دائم المناقشة فيها مع حملتها حتى كان البعثيون يَحذرون من الدخول معه في نقاش، ولم يفلحوا بذلك, بل تأثر بعضهم به وراح يدافع عنه.
وقبل هذا كله كان دائم الذكر لله في أغلب حالاته, يكثر قراءة القرآن، ومطالعة أحاديث أهل البيت (ع) ويحفظ الكثير الكثير منها، وألطف ما رأيته فيه تهجده في سواد الليل وبكاؤه من خشية الله، فقد جاء في ليلة من الليالي إلى محل اختفائنا، فرآني نائماً فبادرني قائلاً: قم، صلِّ صلاة الليل، فالعمر قصير، والموت قريب، ثم أسبغ وضوءه وراح يناجي ربه في محرابه.
كما كان كريم النفس يتحلى بالأريحية والشهامة، سخياً بما في يده، ساعياً في قضاء حوائج الناس، لا يعتذر عن إحسان يدعى إليه.
وهكذا استمر رضوان الله عليه داعياً للإسلام، منافحاً عنه بكل قوة وبراعة, ولم يتوقف لحظة حتى في السجون، وفي أواخر سنة 1979م وعلى وجه التحديد في الشهر التاسع أَجرنا بيتاً في حي الشعب في بغداد؛ لأجل الاختفاء به أنا وعائلتي وعائلة الشهيد حسين معن، وكان هو يتردد علينا في كل يوم حيث كان رابطاً للدعاة في جامعة بغداد، وحينما داهمنا جلاوزة صدام وأنجاني الله منهم بأعجوبة جاء أستاذ مجيد في اليوم الثاني إلى البيت فوقع في الكمين، وأخذ إلى السجن وضرب المثل الأعلى في الصمود والمقاومة إلى أن استشهد على أيديهم الآثمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com