موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب موسى كليم الله-4
 
السبت - 4 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب موسى كليم الله-4  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 13 / محرم / 1434 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
هجرة موسى (ع):
أثار قتل القبطي التساؤل في المدينة عمن قتله، ولا سيما أن القبطي كان من خدام البلاط الفرعوني، وحاول موسى (ع) أن يخفي ما وقع فيه، وبقي في المدينة ((خَائِفاً يَتَرَقَّبُ)) يستطلع ماذا يقول الناس؟ ولمن توجه التهمة؟ وبينما هو يترقب وإذا بالإسرائيلي الذي استنصره بالأمس واستغاث به أيضا في شجار مع رجل آخر فاستصرخه كما استصرخه بالأمس . فبادره موسى (ع) قائلاً: ((إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ)) مثير للمشاكل، كثير المشاكسة والخصام، خائب فيما تطلب، جاهل فيما تصرف، وحين أخذته العزة والحمية عليه، وتصور ذلك الإسرائيلي أنه سيبطش به، وهو عارف بقوته بالأمس، قال له: ((أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ)) ولما سمع القبطي مخاطبة الإسرائيلي لموسى (ع) (علم أن موسى هو القاتل الذي قتل القبطي بالأمس فرجع إلى فرعون فأخبره الخبر فائتمروا بموسى وعزموا على قتله)(1) فحينئذ عرف موسى أن خبر قتله لذلك القبطي قد (وصل إلى قصر فرعون) وأصبحت حياته في خطر محدق، وأنهم سوف يقضون عليه . وبينما هو في هذا الحال مترقبا ومتوقعا أن توجه له ضربة في الحال، وإذا برجل يعرف صدقه ويخفي إيمانه - قيل إنه من داخل القصر - يعمل تقية جاءه مسرعاً إليه؛ ليحذره ويقول له: ((يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ)) (القصص:20) وما أن سمع موسى هذا التحذير الصادق عزم فورا وشد رحاله موجها إلى أرض مدين، التي لا تخضع لسلطان فرعون ... ولما لم يكن له خبرة سابقة بذلك الطريق الوعر الطويل ذات الأبعاد الشاسعة، ولم يسعه الوقت ليتأمل في الأمر، أو يتخذ دليلا، ويحمل زادا فليس هناك من هاد إلا الله لذا تحرك بسرعة، متوكلا على الله قائلاً: ((عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ)) (القصص:22)
وبهذا صار (وحيداً مجرداً من قوى الأرض الظاهرة جميعاً يطارده فرعون وجنده، ويبحثون عنه في كل مكان؛ لينالوا منه ما لم ينالوه منه طفلاً، ولكن اليد التي رعته وحمته هناك ترعاه تحميه هنا، ولا تسلمه لأعدائه أبدا، فها هو يقطع الطريق الطويل ويصل إلى حيث لا تمتد إليه اليد الباطشة بالسوء)(2) بعد سفرة شاقة مريرة(3) في أرض غريبة لا يعرف من أهلها أحداً ليس له مأوى، ولا ملجأ . مرهقاً مجهداً مكدود لطول المسير، وصل في موضع ماء ازدحم عليه الناس ؛ ليستقوا منه هم ومواشيهم وإذا به يبصر امرأتين من دون الناس، اعتزلن جانبا تنتظران أن يَنْفَضَ الناس؛ لينالا من الماء شيئاً، ويثير هذا المشهد نفسه الأبية ومروءته القوية . فلم يصبر أن يرى الظلم أمام نواظره، فتقدم إلى تلك المرأتين متسائلاً: ((مَا خَطْبُكُمَا)) وما شأنكما لماذا لا ترتويان من الماء وتسقيان أغنامكما ((قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ)) الذين لا يفسحون المجال لنا ونحن ليس لنا من أحد يعيننا ((وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ)) أقعدته الشيخوخة فلا استعداد له على مجادلة الرجال، ومدافعة الرعاة، فاضطررنا إلى ذلك وما أن سمع كلامهما حتى هب مسرعا، وقد أخذ الدلو بقوة، لائما لهؤلاء الناس الذين لم يرعوا حق ضعيف، وكأنه يقول لهم: أما للإنسانية عندكم من حق ترعونه ؟ لماذا يستبد القوي بحق الضعيف ؟ أما في نفوسكم من مروءة ورحمة، واخترق الجمع وأزالهم، وملأ الدلو الكبير بوحده، وسقى للمرأتين، وكفاهما كل مؤونة ذلك الزحام المدافعة . وانصرفت البنتين شاكرتين مسرورتين، وأما موسى فقد ((تَوَلَّى إِلَى الظِّلّ)) وجلس يستريح، ثم رفع يديه متوسلاً بربه: ((رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)) يصور لنا الإمام علي (ع) هذه الضراعة من موسى قائلاً: ((وإن شئت ثنيت بموسى كليم الله موسى (ص) إذ يقول: ((رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)) والله ما سأله إلا خبزاً يأكله؛ لأنه كان يأكل بقلة الأرض. ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه، لهزاله وتشذب لحمه)(4)
وعن مجاهد في قوله تعالى حكاية عن موسى: ((رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)) قال: ما سأل الله إلا طعاما يأكله . وقال: كان يومئذ فقيرا إلى شق تمرة ولزق بطنه بظهره من شدة الجوع . وقيل: ما كان معه رغيف ولا درهم . وقيل: سأل الله فلقا من الخبز يشد بها صلبه من الجوع . ولقد قال ذلك وهو من أكرم خلق الله ولقد أصابه من الجوع حتى لصق ظهره ببطنه حتى تبين خضرة البقل من أعلى الجلد حتى أتته الجارية .(5)
وبينما هو مستغرق في مناجاة ربه سابح في رحاب قدسه و في أرض لا يعرفها ولا تعرفه لا مأوى ولا زاد، يفيق فجأة على صوت خجول عذب من إحدى المرأتين وهي تتقدم بخجل شديد وحياء غالب ((إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا)) (القصص:25) (وأراد أن لا يتبعها، ولم يجد بدا من أن يتبعها، لأنه كان في أرض مسبعة(6) وخوف . فخرج معها، وكانت الريح تضرب ثوبها، فتصف لموسى عجزها . فجعل موسى يعرض عنها مرة، ويغض مرة، فناداها: يا أمة الله ! كوني خلفي، وأرني السمت بقولك . فلما دخل على شعيب، إذا هو بالعشاء مهيئا، فقال له شعيب: اجلس يا شاب فتعش . فقال له موسى: أعوذ بالله . قال شعيب: ولم ذاك ألست بجائع ؟ قال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من عمل الآخرة بملك الأرض ذهبا، فقال له شعيب: لا والله يا شاب، ولكنها عادتي وعادة آبائي، نقري الضيف، ونطعم الطعام . قال: فجعل موسى يأكل)(7)
وما إن استقر موسى وشعر بالأمن والأمان حتى راح يقص على الشيخ قصته الطويلة، واستمع الشيخ له بتأمل ودقه وقرأ فيه كل ملامح الصدق والأمانة، فأجابه قائلاً: ((قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) (القصص:25) فلا يصل إليك جند فرعون ولا سيطرة له على هذه الأرض ... وهكذا في كل زمان ومكان يأتي لدعاة الله اليسر بعد العسر، والفرج بعد الكرب، والأمان بعد الخوف ...
وحيث رأت تلك العائلة الكريمة معالم الفروسية الكاملة بارزة في مُحَّيا موسى (وها هو ذا شاب غريب طريد، وهو في الوقت ذاته قوي أمين، رأت من قوته ما يهابه الرعاء، فيفسحون له الطريق، ويسقي لهما وهو غريب، والغريب ضعيف مهما اشتد، ورأت من أمانته ما يجعله عف اللسان والنظر حين توجهت لدعوته فهي تشير على أبيها باستئجاره، ليكفيها وأختها مؤونة العمل والاحتكاك والتبذل وهو قوي على العمل أمين على المال، فالأمين على العرض هكذا أمين على ما سواه)(8)
وما أن يسمع الشيخ طلب ابنته التي أعجبت أيما إعجاب بأمانة وعفة وقوة موسى، حتى بادر لموسى قائلاً: ((أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ)) (القصص:27) وما أن سمع موسى (ع) هذا العرض من الشيخ الصالح وهو يعرض المصاهرة، وحسن الصحبة والوفاء بالعهد يجيب على الفور: ((ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ)) ... وتتم المصاهرة المباركة الكريمة، ويسكت النص القرآني عن أحداث هذه الفترة التي قضاها موسى مع الشيخ الصالح دون أن يفصح بشيء عنها وبقيت أحداثها غامضة إلا ما كشفت عنه بعض النصوص التفسيرية . فقد روي ابن عباس قال: (سئل رسول الله (ص) أي الأجلين قضى موسى ؟ قال: أوفاهما وأبطأهما)(9)
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: (قال لي رسول الله (ص): إن سئلت: أي الأجلين قضى ؟ فقل: خيرهما، وأوفرهما)(10)

الهوامش:
(1) العلامة الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن: 16/21 .
(2) سيد قطب: في ظلال القرآن: 6/335 .
(3) عن ابن عباس في قوله تعالى: ((وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى))، قال: جاء حزبيل بن نوحابيل، وكان خازن فرعون وكان مؤمنا يكتم إيمانه مائة سنة، وكان هو حاضر فرعون حتى ائتمروا في قتل موسى قال فخرج فأخذ طريقا آخر فأخبر موسى بما ائتمروا من قتله وأمره بالخروج وقال له: ((إني لك من الناصحين)) فخرج موسى على وجهه فمر براعي فألقى عليه كسوته، وأخذ منه جبة من صوف بغير حذاء ولا رداء فخرج "فمضى" ((خائفا يترقب)) يقول يخاف فرعون، وهو يتجسس الأخبار، ولا يدري أين يتوجه، ولا يعرف الطريق إلا حسن ظنه بربه فذلك قوله ((عسى ربي أن يهديني سواء السبيل)) يعني الطريق إلى المدينة للذي قضى عليه، وما هو كائن من أمره، فخرج نحو مدين بغير زاد ((قال رب نجني من القوم الظالمين)) ليس معه زاد، ولا ظهر قال فتعسف الطريق يأخذ يمينا وشمالا يأكل النبت من الأرض وورق الشجر حتى تشقق شدقاه، وكان يرى خضرة النبت بين جلده وأمعائه فأصابه الجهد والجوع حتى وقع إلى مدين فذلك قول الله عز وجل: ((ولما ورد ماء مدين)) تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر 61 / 32 .
(4) الشريف الرضي: نهج البلاغة: خطبة: 160 .
(5) ابن منظور: مختصر تاريخ دمشق: 25/313 ط/دار الفكر بيروت .
(6) كثيرة السباع.
(7) الطبرسي: مجمع البيان: 7/429 .
(8) سيد قطب: في ظلال القرآن: 6/338 .
(9) الطبرسي: مجمع البيان: 4/391 .
(10) ابن منظور: مختصر تاريخ دمشق: 25/314 .

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com