موقع الصراط ... الموضوع : العفو
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  العفو  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 21 / محرم / 1434 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
كل إنسان مهما بلغ من الكمال والسمو النفسي - إلا من عصم الله - معرضاً للاشتباه، والخطأ، والتقصير، ولا يمكن أن يتجنب ذلك في كل حالاته ما دام معرضاً للغفلة، والنسيان، أو لغلبة العادة والشهوة، أو ثوران الغضب والانفعال ولذلك جعل الله تعالى العفو بينه وبين عباده باباً مفتوحاً ؛ ليلجوه متى شاءوا وحث عباده على التعافي بينهم؛ لتستقيم حياتهم، وتتم سعادتهم بالتعارف والتآلف، والتعاون,والتناصح ،والتراشد، والتعاطف،والتوادد،والتكافل ...الخ .
والعفو صفة إلهية وصف الله تعالى بها نفسه فقال تعالى:
((إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً)) (النساء:43)
((وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً)) (النساء:99)
((فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً)) (النساء:149)
ولا شك أن صفة يصف الله تعالى نفسه بها لهي من العظمة بمكان لا يدانى... وكما هي من صفات الله تعالى فهي من صفات أنبيائه، ورسله، وأوليائه ودعاته بل هي من أحسن أخلاق كرام بني آدم...
والعفو هو التجاوز عن زلات الآخرين وعثراتهم، وغفران ذنوبهم وجرائمهم مع القدرة على معاقبتهم والانتقام منهم، أما إذا كان العفو عن عجز فلا يسمى عفواً بل عجزاً.
وقد أوجز الإمام الصادق (ع) فيما نسب إليه في مصباح الشريعة معنى العفو بقوله: (العفو عند القدرة من سنن المرسلين، وأسرار المتقين. وتفسير العفو: أن لا تلزم صاحبك فيما أجرم ظاهراً، وتنسى من الأصل ما أصيب منه باطناً، وتزيد على الاختيارات إحساناً، ولن تجد إلى ذلك سبيلاً إلا من قد عفى الله عنه، وغفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر عنه، وزيَّنه بكرامته وألبسه من نور بهائه؛ لأن العفو والغفران صفتان من صفات الله تعالى أودعهما في أسرار أصفيائه ليتخلقوا مع الخلق بأخلاق خالقهم وجاعلهم؛ لذلك قال الله عز وجل: ((وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) (النور:22) ومن لا يعفو عن بشر مثله كيف يرجو عفو ملك جبار …)(1)

لماذا أكد الإسلام على العفو ؟
والإسلام إنما أكد على هذه الخصلة الكريمة؛ ليجعل المؤمن به مناراً يؤمه المتحيّرون الذين قست عليهم دنيا الناس، فأظلمت الدنيا بأعينهم فبينما هم في حيرة وانخذال يدخلون رياض الرحمة في قلوب العافين لتفيض عليهم من الرقة والرأفة، والشفقة فتشعرهم بالأمن والأمان حتى تستقر أرواحهم في تلك الضلال الوارفة، وهذا ما كان يجده التائهون في ظلمات الجاهلية في رحاب الدعاة إلى الله من الأنبياء، والمرسلين، والشهداء، والصالحين؛ ولهذا صار العفو عند الله تعالى خير خلائق الدنيا والآخرة في دار رحمة الله تعالى، فعن أبي عبد الله (ع) قال: (قال رسول الله (ص) في خطبته: ألا أخبركم بخير خلائق الدنيا والآخرة ؟ العفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك، والإحسان لمن أساء إليك، وإعطاء من حرمك)(2)
وفي حديث أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين (ع) قال: سمعته يقول: (إذا كان يوم القيامة جمع الله تبارك وتعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد ثم ينادي مناد: أين أهل الفضل؟ قال: فيقوم عنق من الناس فتلقاهم الملائكة فيقولون: وما كان فضلكم؟ فيقولون: كنا نصل من قطعنا، ونعطي من حرمنا ونعفو عمن ظلمنا، قال: فيقال لهم: صدقتم ادخلوا الجنة)(3)
ولما لهذه الخِلة الكريمة من الفضل العظيم عند الله تعالى فقد وصفها الإسلام بأنها (أحسن الإحسان، وعنوان النبل، وتاج المكارم، وأخلاق الكرام والأخذ بجوامع الفضائل)(4) كل هذه الفضائل للعفو؛ لأنه تَخَلُق بأخلاق الله تبارك تعالى وتسامي إلى عالم الرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء وتجاوز للأنانية الضنكة والإنية المقيتة .

دلالات العفو :
للعفو دلالات نفسية وأخلاقية، تبرز على الشخصية فهو يدل على السمو والطهارة النفسية، والأخلاقية العالية، وبعد الأفق، وقوة الإرادة، وتحرر من الأنانية، ومن أغلال عبودية النفس، فإذا رأيت إنساناً تحلى بهذه الخِلة فاعلم بأنه ممن هذبوا أنفسهم ،وزكوها من الحقد والبغضاء ، وتخلقوا بأخلاق الله تعالى وتنزهوا عن الظلم، واللؤم، والحقد، وتساموا إلى المجد والكرامة والشرف بأعلى درجاته ؛ لأن النفوس الكبيرة هي وحدها التي تعفو، وتصفح، وتغفر، بل تحسن إلى من أساء إليها، وتصل من قطعها، وتعطي من حرمها، وأما النفوس الصغيرة الصاغرة فهي التي تحمل البغض، والحقد، والانتقام؛ ولذا قيل:
(من عادة الكريم إذا قدر غفر، وإذا رأى زلة ستر)
وقالوا: ليس من عادة الكرام سرعة الغضب والانتقام)
وقيل: (من انتقم فقد شفى غيظه، وأخذ حقه فلم يجب شكره، ولم يحمد في العالمين ذكره ، والعرب تقول (لا سؤدد مع الانتقام …)(5)
وقيل لبعضهم: (هل لك في الإنصاف، أو ما هو خير من الإنصاف ؟ قال: وأي شيء خير من الإنصاف ؟ قال: العفو فالإنصاف ثقيل)
وقيل: (من كرم الأخلاق أن تغفر الذنب ،من شكر الموهوب العفو عـن الذنوب)(6)
يقول البحتري:
إذا أنت لم تضرب عن الحقد لم تفز * بشكر ولم تسعد بتقريظ مادح

آثار العفو:
للعفو آثار إيجابية على العافين وعلى المعفو عنه … أما على العافي ذاته فيمنحه لذة نفسية عالية لا سيما إذا كان من ذوي النفوس الصافية ؛ولهذا قيل: لذة العفو أطيب من لذة التشفي؛ لأن لذة العفو يتبعها لذة العافية، ولذة التشفي يتبعها غم الندامة، وقيل للإسكندر: (أي شيء أنت به أسَرْ مما ملكت ؟ قال: مكافأة من اَحْسَنَ إِليَّ بأكثر من احسانه، وعفوي عمن أساء بعد قدرتي عليه)(7)
وكما يمنحه لذة فإنه يكسبه عزاً ومجداً اجتماعياً، وذكراً طيباً فعن الإمام أبي عبد الله (ع) قال: (قال رسول الله (ص): عليكم بالعفو فإن العفو لا يزيد العبد إلا عزاً فتعافوا يعزكم الله)(8)
وعن ابن فضال قال: (سمعت أبا الحسن الرضا (ع) يقول: ما التقت فئتان قط إلا نصر أعظمهما عفواً)
وعن أبي جعفر (ع) قال: (ثلاث لا يزيد الله بهن المرء إلا عزاً: الصفح عمن ظلمه، وإعطاء من حرمه، والصلة لمن قطعه)(9)
ويقول أمير المؤمنين (ع):
(العفو يوجب المجد)
(العفو يوجب الحمد)
(تجاوز عن الزلل، وأقل العثرات، ترفع لك الدرجات)(10)
هذا عند الناس ، وأما عند الله تعالى فهو الأعظم ،وهو الفوز العظيم. وقد ورد في الأحاديث الشريفة أن من يعفو عن الناس رجاء رحمة الله تعالى فإن الله تعالى يعفو عنه، ويغفر ذنوبه، يقول رسول الله (ص): (من أقال عثرة أخاه في الدنيا أقال الله عثرته يوم القيامة)... وفي حديث آخر قال (ص): (فاعفوا يعف الله عنكم)(11)
وأما آثاره على المعفو عنه فيختلف باختلاف النفوس ودرجة تزكيتها وتهذيبها فمن كانت نفسه زكية سليمة من ذمائم الأخلاق ، وأدران الذنوب كان للعفو عنه أثر طيب في نفسه لا ينساه بل يلقنه درساً يربيه ويرفعه ويعلمه الأخلاق الطيبة، والعفو في النفوس الزكية كالماء في الأرض الخصبة إذا نزل عليها اخضرت ، وأزهرت، وأثمرت ،وأما النفوس الوضيعة الخبيثة الملوثة بالأدران فللعفو عليها أثر سلبي قد لا يزيدها إلا ضعة وخسة ،ومثله كمثل الماء العذب في الأرض السبخة لا تزيدها عذوبة الماء إلا عفونة وخشونة؛ ولذلك حذر أمير المؤمنين (ع) ولده الحسن (ع) في وصيته أن لا يضع ذلك في غير أهله، يقول (ع): (احمل نفسك من أخيك عند صرمه على الصلة، وعند صدوده على اللطف والمقاربة، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على الدنو، وعند شدته على اللين، وعند جرمه على العذر، حتى كأنك له عبد، وكأنه ذو نعمة عليك، وإياك أن تضع ذلك في غير موضعه، وأن تفعله بغير أهله)(12) ولذلك ينبغي لمن أراد أن يعفو عن مسيء له أن يعرف طبيعة نفسه كي يتعامل معها بحكمة وروية .

الهوامش:
(1) مصباح الشريعة: 158 .
(2) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 2/107.
(3) المصدر نفسه: 2/107.
(4) الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 244.
(5) المستطرف في كل فن مستظرف: 1/188 .
(6) الراغب الإصفهاني، محاضرات الأدباء: 1/226.
(7) الراغب الإصفهاني، محاضرات الأدباء: 1/226. (8) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي:2/ باب العفو .
(9) المصدر نفسه.
(10) الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 246.
(11) المتقي الهندي، كنـز العمال: 6/777.
(12) نهج البلاغة كتاب: 31.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com