موقع الصراط ... الموضوع : أخطر المزالق في طريق الكدح إلى الله تعالى-2
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أخطر المزالق في طريق الكدح إلى الله تعالى-2  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 21 / محرم / 1434 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
خطورة هذا المسلك:
مما لا شك فيه أن طلب الدنيا بالدين من أخطر المسالك وأشنعها وأقبحها في حياة الإنسان , وأخطر من ذلك أن هذا المسلك أخطر على الإسلام من جيوش الأعداء والمخالفين. أما على الفرد فإنه يُعَرِضُه لمقت الله وغضبه, فإن الله لا يحب إلا المخلص، ولا يقبل إلا العمل الخالص لوجهه مهما بلغت نتائج ذلك العمل؛ لأن (قيمة العمل في الإسلام بدوافعه لا بمنافعه), وبالتالي يخسر الدنيا والآخرة, يقول أمير المؤمنين (ع):
(عامل الدين للدنيا جزاؤه عند الله النار)(1)
وقال (ص): (من تعلم علماً مما يُبتغى به وجه الله عز وجلّ لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا, لم يجد عرف الجنة يوم القيامة)(2)
وقال الإمام زين العابدين (ع): (بئس القوم قوم ختلوا الدنيا بالدين وبئس القوم قوم عملوا بأعمال يطلبون بها الدنيا)(3)
ثم إن طالب الدنيا بالدين لابد أن تُكتشف حقيقته للناس, وحينئذ يسقط اعتباره، وتسقط قيمته ومكانته الاجتماعية التي أتعب نفسه من أجلها, ويصبح موضع احتقار وازدراء, لأنه تلبس بالفضيلة، وأخفى تحتها الرذيلة, وبذلك تسلب منه الثقة الاجتماعية، ويخسر الدين والدنيا في آن واحد, قال أمير المؤمنين (ع): (إن جعلت دينك تبعاً لدنياك أهلكت دينك ودنياك, وكنت في الآخرة من الخاسرين)(4)
ويقول (ع): (طالب الدنيا بالدين معاقب مذموم)(5)
وأما خطورة هذا المسلك على الإسلام: فإن الطالب للدنيا بالدين يتخذ الإسلام والإيمان جسراً يعبر به إلى أهدافه الدنيوية, فهو يسخر أقدس المقدسات؛ لأجل أهداف زائلة وضيعة, وبتعبير الإمام السجاد (ع): (... نصب الدين فخاً لها [الدنيا]) فهو لا يهمه أمر الدين والإسلام فتراه يلون الدين ويصوره بكل صورة تنسجم مع الهدف الذي يسعى لتحقيقه فلا يبالي ما فات من دينه إذا سلمت له دنياه؛ (فهو يحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله, لا يبالي بما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي قد يتقي من أجلها, فأولئك الذين غضب الله عليهم, ولعنهم وأعد لهم عذاباً مهيناً)(6) يتحايلون على الشرع المقدس؛ ليبرروا سوء تصرفهم؛ وليجعلوا الدين ذريعة وستراً لأعمالهم فيصونون الدنيا الدنيئة بالدين المقدس السامي, وقد حذر أمير المؤمنين (ع) من هذا المسلك الوبيء فيقول (ع):
(من الشقاء أن يصون المرء دنياه بدينه)
(صن دينك بدنياك تربحهما, ولا تصن دنياك بدينك فتخسرهما)
(صن الدين بالدنيا ينجك, ولا تصن الدنيا بالدين فترديك)
(إن جعلت دينك تبعاً لدنياك, أهلكت دينك ودنياك, وكنت في الآخرة من الخاسرين)(7)
وتأسيساً على ذلك نستطيع القول وبضرس قاطع إن ما تعرض له الإسلام والمسلمين من نكبات ومصائب من رواد هذا المسلك أشد وأنكى وأفظع مما تعرض له من أهل الشرك والكفر المطلق... فما حورب أهل البيت المعصومين (ع) بعد رسول الله (ص) إلا من طلاب الدنيا بالدين, وما قضوا صلوات الله عليهم وسلامه بين مقتول ومسموم, ومسجون, ومشرد إلا بيد هؤلاء الذين يظهرون الإيمان, ويبطنون الكفر، ويتظاهرون بالصلاح, وهم منبع الفساد والإفساد ورحم الله السيد الإمام الخميني قدس سره حين قال: (فمن كانت له ملكة الاستطالة والترفع وحب الرئاسة , والتزوير, وخداع الناس كانت لها علامات وآثار ظاهرية أيضاً حيث ذكر بعضها الإمام الصادق (ع) وهي: الخدعة والاحتيال على الناس, فإنه يجعل نفسه من أهل الصلاح في حين أنه لم يكن في الحقيقة منهم, وهؤلاء الناس ذئاب في زي الأغنام، وشياطين في هيكل الإنسان، وأنهم أسوأ خلق الله وإساءتهم إلى دين الناس أكثر من إساءة جيوش المخالفين الأعداء)(8)
ولهذه الخطورة الفظيعة على الإسلام من طلاب الدنيا المتسترين بثياب الدين والعلم ممن يبذلون أقصى جهودهم؛ لتطويع الإسلام لمصالحهم الذاتية حذر الرسول الأعظم (ص) وأهل بيته الطاهرين (ع) من هؤلاء تحذيراً شديداً من حيث الأخذ منهم، والتعامل معهم, أو حبهم والميل إليهم. فعن الإمام موسى بن جعفر (ع) عن آبائه (ع) قال: (قال رسول الله (ص): الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا, قيل يا رسول الله: وما دخولهم في الدنيا؟ قال: إتباع السلطان فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم)(9)
وعن أبى عبد الله (ع) قال: (إذا رأيتم العالم محباً لدنياه فاتهموه على دينكم فإن كل محب لشيء يحوط ما أحب)(10)
وقال رسول الله (ص): (أوحى الله إلى داود (ع): لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا, فيصدك عن طريق محبتي فأن أُُولئك قطّاع طريق عبادي المريدين, إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنـزع حلاوة مناجاتي عن قلوبهم)(11)

الهوامش:
(1) الآمدي, تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 130.
(2) المحدث المجلسي, بحار الأنوار: 2/38.
(3) تاريخ اليعقوبي: 2/304.
(4) الآمدي, تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 130.
(5) المصدر نفسه.
(6) المحدث المجلسي, بحار الأنوار: 2/84 من حديث طويل للإمام السجاد (ع).
(7) الآمدي, تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 130.
(8) الإمام الخميني, الأربعون حديثاً: 345-346.
(9) بحار الأنوار: 2/36, ونفس الحديث ورد عن الإمام الصادق (ع) في الأصول من الكافي: 1/46.
(10) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 1/46.
(11) المصدر نفسه.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com