موقع الصراط... نهج السعادة والتقدم موقع الصراط ... الموضوع : الشهيد الشيخ محمد علي الجابري
 
الأحد - 7 / ذي الحجة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الشهيد الشيخ محمد علي الجابري  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 5 / صفر / 1434 هـ
     
  الشهيد محمد علي الجابري كثيراً ما يسعى الإنسان لتحقيق أمنيته، فتستهلك حياته، وتنهي عمره، فلا يجد نفسه إلا وقد جاوز الستين، والأماني لم تتحقق، والجهود ذهبت هباء، عند ذاك يضرب الإنسان يداً بيد، متأسفاً على العمر الذي انقضى، والسنين التي استهلكت، والتي دفع ثمنها عرقاً، وجهداً، وتفكيراً، وألماً، ومعاناة.
مثل هذه الأحداث تمر كل يوم، حتى باتت مملة لا تُلفت انتباه الإنسان التائه وسط ضجيج الحياة، وآهات المستضعفين، وضحكات المترفين والمستكبرين، في وسط أمة أصبح فيها الإنسان كقطرة ماء في بحر لجي، يقضي حياته بأكملها لكي يقف على قدميه ليس إلا.
ولكن في مقابل هذه الصورة، صورة أخرى، صورة هي لنا قدوة، ووسيلة هي لنا مناراً، ومصباحاً وهّاجاً، تلك هي ملحمة الشهادة التي حولت الفناء إلى خلود، وكل الزمن إلى حاضر، ماضيه وحاضره ومستقبله، هذه الملحمة التي فتحت طريقاً جديداً قصيراً يحقق الآمال، ويلبي الطموح، ويقطف الثمر الناضج في أسرع وقت، هذه الملحمة التي أصبحت اليوم حلم الجماهير المؤمنة في بلاد الإسلام.
وشهيدنا أطروحة في سجل هذه الملحمة الأزلية، لقد نال ثقة أستاذه الشهيد المرجع الكبير السيد الصدر (قده)، فانتخبه وكيلاً عنه في ناحية الفهود في محافظة ذي قار، هذه الناحية المتواضعة، التي انتفضت انتفاضة أكبر من حجمها، وهكذا المجاهدون الثائرون في طريق الله، هم أمة رغم قلتهم، فليس المقياس أرض أو عدد، بل الروح التي تسري في العروق، وحرارة الدم الساخن الذي هيجته سنين الظلام، فعرج إليها الشهيد، وفي ذهنه آمال وآمال، وفي جعبته أكثر من منهج عمل، وطريق إصلاح وثورة حمراء ضد الظلم والطاغوت.
وهناك لا بد من العمل الدؤوب ليسبق الزمن القاتل، فعبّأ الجماهير لخدمة العقيدة، وهيّأ المخلصين لخوض المعركة الحاسمة المرتقبة، وركّز الطاقات المتشعبة، ورعى الأطفال، ووطّن الآباء على تحمل آلام فقد الأهل والأحبة، وحافظ على كل ما من شأنه أن يخدم الحركة الإسلامية المتصاعدة.
فكان وكيلاً يؤدي ما عليه من مسؤولية شرعية بأمانة وإخلاص، وثائراً في روحه معالم الانتفاضة، ومن فيضه تنطلق كل الاشعاعات الثورية والنشاط السياسي الإسلامي، والتفَّ حوله الشباب، ونسّق العاملون معه جهودهم، ووجدوا فيه خير ملاذ وموجه وقائد للحركة الجهادية هناك، فسرت بوادر الوعي الإسلامي في كل دار من هذه الناحية المجاهدة، وانتقل فيض من روح التحدي والصمود في وجه الباطل التي كان يحملها بين جنبيه إلى نفوس الأمة المستضعفة، ففي كل بيت حديث، وفي كل زاوية كلام، وفي كل حقل همس وتخطيط، الأيام سريعة متلاحقة، والأحداث متوالية لا تنتظر حتى التفكير فيها، والآمال أوشكت أن تتحقق آمال إقامة حكم الله في أرض الله.
شهيدنا رحمه الله، ورث من ماضيه شخصية قوية مؤثرة، فمدينة النجف الأشرف الصامدة الثائرة في وجه الظلم منذ أمد بعيد، هي التي ولدته عام 1942م، وهي التي ربته، وهي التي غذته من معينها العذب، ومن جوها العلمي الديني، الذي يزخر بمعالم الجدية والمثابرة والتسابق إلى مرضاة الباري بالعلم والعمل، وهذه المدينة التي قضى فيها طيلة فترة دراسته الابتدائية والثانوية، وحتى الجامعية التي أمضاها في كلية الفقه، التي حوت خيرة المجاهدين الأبطال أمثال عارف وعبد الجبار والسماوي وغيرهم من الكواكب المنيرة التي حولت هدوء الأجواء إلى صخب، والرماد إلى جمر حارق، هذه المدينة هي التي علمته معنى الإباء والتضحية والإيثار، وقول الحق أينما حلَّ وفي أي زمن يكون، التي علمته أن الشهادة حياة، والسعي لها طريق واحد لا طريق آخر سواه.
أيام الدراسة الجميلة التي تنقلك حين تتذكرها إلى خيال جميل، كانت هذه الأيام بالنسبة لشهيدنا أيام حركة عمل كالنحل في خلاياه، فبين دروس كلية الفقه المنهجية، إلى دروس الحوزة العلمية في ربوع الروضة النجفية المقدسة، التي يكفي حين تعيشها أن تلهب فيك معاني الثورة والجهاد، وتزيدك التصاقاً بالأمل القريب في العودة إلى أرض الوطن الحبيب، النائم الذي ينتظر مقدم الفارس من الأفق البعيد إلى مجلة الأضواء الإسلامية التي كان الشهيد يكتب فيها إلى مهمات الدعوة المباركة الجسيمة.
وأجواء العلم والعلماء ليست جديدة على شهيدنا الغالي، فلقد تربى عليها منذ صغره، فأصبح محباً لها، ومقدراً لعلمائها، ولأسرته المؤمنة المجاهدة دور كبير في زرع حب الحسين (ع) في قلبه، ودفعه إلى المشاركة في إقامة شعائر العزاء التي تعجّ بها أجواء النجف العزيزة، والتي ملأت الشوارع والأزقة، حتى باتت قطعة من الروح، لا تنفك منها، وباتت سمة أن زالت، زالت النجف بأسرها، والتي منعتها سلطات البغي والفجور، فكانت لوحدها تكفي لإدانة النظام والثورة عليه، وقطع جذوره، هذه الأسرة المجاهدة التي أعطت الكثير للإسلام، أعطت شهيدنا، وأعطت شهيداً آخر لعل الباري يقبل القربان، ولم تكتفِ بذلك، فذاقت مرارة الاعتقال وقسوته، وبعد تعذيب وحشي عسير استشهدت زوجته المجاهدة وأفرج عن بعض منهم، وتوسعت دائرة الظلم لتشمل الأقارب والأصدقاء.
في سنين الدراسة المتعبة الجميلة، أدرك شهيدنا أهمية العمل التنظيمي لخدمة الرسالة السمحاء، وأدرك أن من الضروري تعبئة الأمة حزبياً لمقارعة الطاغوت المنظم الشرس، ووسائله الجهنمية المدروسة، وأدرك أنه بحاجة لأن يقولب عمله في قالب جماهيري؛ ليعطِ ثماراً أينع ومحصولاً أوفر، فانظم إلى صفوف حزب الدعوة المباركة الثائر في وجه الظلم والطاغوت، والذي أبت حروفه إلا أن تخط بالدم الأحمر الفاني الطري، وأن يؤطر بسلاسل القيود وقضبان السجون، وآلام السياط، وتحمل أعباء مسؤوليته الرسالية ضمن صفوفه، وأيقن أن هذا الطريق هو الأمثل لإقامة دولة المهدي عجل الله فرجه في أرض العراق الجريح، وأي أعباء في تلك الظروف العصيبة من تأريخ الحركة الإسلامية الفتية، أعباء تثقل الظهر، وتدمي البدن، وتحبس الأنفاس، ولكن شهيدنا كان أهلاً، فبكل رحابة صدر، وقوة عزيمة، وإدراك لما يجري في الساحة، تحمل مسؤولياته، وأدى أمانته، فكان قائداً وقدوة، ومثالاً قل أمثاله.
ونعود إلى التأريخ؛ لنجعله يعيد نفسه بين آونة وأخرى، بالأمس كان موسى الكاظم (ع) وهارون، واليوم كان أحفاد موسى (ع) وأحفاد هارون، ففي انتفاضة صفر الغراء، انتفاضة الأمة التي كتمت أفواهها بالحديد، حطمت القيود، فسالت من بدنها الدماء في صفر عام 1397هـ ، اليوم الذي وجد فيه كل مسلم مجاهد سبيلاً لقول لا إله إلا الله والله أكبر علناً، رغم القيود ورغم الكبت، الذي فتح الراغبون للشهادة فيه صدورهم لرصاص جند البعث الزنيم.
اشترك شهيدنا، فهو أولى بها، واعتقل، وفي سجون الظالمين ذاق تجربته الأولى، تجربة الثبات على العقيدة، فكان ناجحاً في الامتحان بتوفق، فأفرج عنه بعد 6 أشهر من المعاناة والألم، وبعد أن تأكد لهم أنه بريء في قوانين حكومة البعث الغريبة التي لم تُكتب في كتاب، ولم تُقرأ في صحيفة، بل طبعت في مطابع الأهواء والمطامع الشخصية، وحفظت في أرشيف الطواغيت كنموذج غريب معقد, أفرجوا عنه، وعيونهم خلفه، تعد عليه أنفاسه، وترسم في ذهنها خطاه، وعاد الشهيد كما كان، بل زاده الاعتقال فهماً لعدوه، وإدراكاً أعمق للمرحلة، وعمقاً في الطريق الذي سلكه، وخبرة في العمل الحركي، وعزيمة لا تلين في سبيل الحق الذي نذر نفسه لأجله، وسار الركب، وعيون الملايين تتطلع للفجر الآتي من قريب، من إيران الإسلام، إيران القرآن، إيران الجماهير الثائرة، والمظاهرات المليونية الفريدة، وكان الانتصار العظيم وكانت الدولة الإسلامية العظيمة، وكان القدر الذي كان رغم صعوبة الظروف وبعد الاحتمال، وحدثت المعجزة التي هزت العروش الخشبية المنخورة في كل مكان، وباتت الأرانب تخشى على أوكارها وهي في جحورها.
وتصاعدت الحركة الإسلامية، ونما الوعي الإسلامي وتطور، وكان أكثر ثورية وعنفاً وعرف أن طريق القوة طريق مستقيم ينتهي بإسقاط نظام العفالقة الفاسد، وخطّط المجاهدون الصابرون، وبرمجوا أعمالهم لمرحلة جديدة، مرحلة أكثر تعقيداً وأكثر جهداً، ولم تمهل السلطات شهيدنا ليؤدي دوره القيادي، فاعتقلته عام 1399هـ ، لتودعه السجن لخمسة أيام بلا مبرر، سوى الخشية من نشاطه والخوف من شخصه الذي بات يؤرقهم، ويأخذ مجالاً في تفكيرهم.
وكانت الانتفاضة الكبرى الثانية، الانتفاضة الأم، في 17 رجب 1399هـ ، وكان شهيدنا هذه المرة في ناحية الفهود، ولا بد أن ينقل بصماته إلى هناك، فيكون ثورة كما كان، وأمة كما كان، واعتقل أستاذه الشهيد المرجع الصدر قدس سره، وثارت الجماهير المكبلة وفتحت أفواهها بعد صمت قاتل رهيب، وكان لهذه الناحية الثائرة حديث خاص.
حديث حوّلها من عداد ناحية صغيرة إلى مدينة كبيرة، بصمودها وجهادها وتضحيتها، وكتب اسمها في سجل الثائرين، وأشير إليها بحبر أحمر في أرشيف الطغاة الجبارين.
وانطلقت الجماهير المؤمنة، شبابها وكهولها ونساؤها وأطفالها تُكبّر وتُهلّل: الله أكبر.. الله أكبر، لا إله إلا الله، الحكم لله، لا شرقية ولا غربية، جمهورية إسلامية، الموت لصدام، النصر للإسلام، واتجهت بجموع غفيرة مخيفة باتجاه مؤسسات النظام وبيوت دعارته النتنة، وكان يوم الحشر لأزلام الطغاة، وهرب الظالمون يلتمسون الأمان في كل مكان، في كل بيت، في كل زاوية مشردين لا يلوون على شيء، كأنهم في حلم لا يصدقون ما يرونه حقيقة، دموعهم تسيل، وأبدانهم ترتجف، ووجوههم صفراء باهتة، قد جمعت لون الذل، ولون الخزي، وكانت هذه نهايتهم المرة، وسيطر الثائرون بأيديهم، وبأصواتهم وبشعاراتهم، وبتأييد الجبار القادر، سيطروا على كل شيء في الناحية التي نزعت ثوب الذل، ولبست ثوب العز والخلود، وكان الشيخ الشهيد من قيادي الانتفاضة الجبارة، وانطلق المذعورون بعيداً إلى النواحي القريبة، وإلى مركز المحافظة يطلبون العون، ليمسحوا العار الأزلي الذي لا يُمحى، وعاد الجبابرة من جديد وبعد أكثر من 24 ساعة إلى الناحية، وكأنهم عائدون لتحرير أرض، جاؤوا وكأنهم سيقابلون جيشاً جراراً مستعداً للقتال والمواجهة، وما جيش الأبطال إلا ثلّة من المجاهدين الذين وجدوا في الشهادة دواء لجروحهم العميقة، وتحيط بهم جماهير الأمة التي أدركت أين الحقيقة، وأين الخلود، وليس في أيديهم إلا سلاح الإيمان والعقيدة، عاد الجلادون فحولوا البيوت الطينية البسيطة إلى مآتم، وأطفؤوا بصيص الحركة في أزقتها الترابية، فحولوها موحشة مقفرة، واقتادوا الكثير من الشباب والأطفال والنساء والشيوخ إلى المعتقلات الكئيبة، وفي مديرية أمن الناصرية، ثم في مديرية الأمن العامة، ذاق الشهيد ما ذاق من آلام التعذيب الوحشي والأساليب الوضيعة، وصب الجلادون غضبهم على الشيخ الشهيد؛ لينتزعوا منه حرفاً يدلهم إلى ثائر ويرشدهم إلى مجاهد، ولكن دون جدوى، وبعد اليأس نقلوه وثلة من أخوانه المجاهدين إلى محكمة الثورة الجائرة بتهمة قتل 7 مجرمين وجرح الكثير، وبتهمة الانتفاضة ضد النظام، والانتماء إلى حزب الدعوة المباركة وتهماً أخرى، أتعبت المدعي العام حين قرأها، فحكم على بعض منهم بالإعدام ومنهم شهيدنا الصابر.
وكانت الأيام العظيمة منذ يوم اعتقاله في 25 رجب إلى يوم إعدامه في رمضان من عام 1399هـ رمياً بالرصاص، وكانت أياماً عظيمة من أيام الله الخالدة، وكانت حياته سجلاً حافلاً بالصمود والإباء والتحدي، فهنيئاً له الشهادة وهنيئاً لأمته هذا القربان العظيم، وهنيئاً للمجاهدين هذه الهدية المقدسة، وعهداً أننا سائرون على الدرب الطويل الشائك، لنثأر للدم الذي أريق بلا ذنب إلا أن يقول ربي الله.
المصدر: مجلة الجهاد، العدد الثامن.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com