موقع الصراط ... الموضوع : الثورة الحسينية ومشروع إصلاح الأمة
 
الأربعاء - 8 / رمضان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الثورة الحسينية ومشروع إصلاح الأمة  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 11 / صفر / 1434 هـ
     
  بقلم الشيخ حسين الراضي
الثورة الحسينية من أهم أسباب إصلاح الأمة إن لم تكن هي المشروع الإصلاح لها.
قال الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) في أول بيان له قبيل ثورته وحينما أوصى أخاه محمد بن علي المعروف ببن الحنفية قال (عليه السلام): (إنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلا بَطِراً وَلا مُفْسِداً وَلا ظَالِماً)(1)

نعم لم يخرج أشِراً:
معنى الأشر: الأشر والبطر بمعنى واحد وقيل: البطر هو الأشر أي الفرح والمرح بشدة وتستعمل هاتان الكلمتان كثيراً لمن يخرج للصيد لهواً وبطراً.
قال الزبيدي: حول الأشر:
قالوا: الأشر: البطر، وقيل: أشد البطر، وقيل: الأشر: الفرح بطرا وكفرا بالنعمة، وهو المذموم المنهى عنه، لا مطلق الفرح. وقيل: الأشر: الفرح والغرور. وقيل: الأشر والبطر: النشاط للنعمة والفرح بها ومقابلة النعمة بالتكبر والخيلاء، والفخر بها، وكفرانها بعدم شكرها.(2)
معنى البطر:
وقال الزبيدي : البَطَر، محركة: النشاط، وقيل: التبختر، وقيل: الأشر والمرح.
قيل: قلة احتمال النعمة. وقيل: أصل البطر الدهش والحيرة يعتريان المرء عند هجوم النعمة عن القيام بحقها، كذا في مفردات الراغب، واختاره جماعة من المحققين العارفين بمواقع الألفاظ ومناسب الاشتقاق.
وقيل: البطر في الأصل: الطغيان بالنعمة، أو عند النعمة، واستعمل بمعنى الكبر، وفي بعض النسخ: أو بدل الواو.
وقيل: هو كراهية الشيء من غير أن يستحق الكراهة. وفعل الكل بطر كفرح فهو بطر. وفي الحديث: " لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا. في حديث آخر: " الكبر بطر الحق "، وهو أن يجعل ما جعله الله حقا من توحيده وعبادته باطلا، وقيل: هو أن يتخير عند الحق فلا يراه حقا، وقيل: هو أن يتكبر عنه، أي عن الحق. وفي بعض الأصول من الحق فلا يقبله، قلت: والحديث رواه ابن مسعود، وقال بعضهم: هو ألا يراه حقا ويتكبر عن قبوله، وهو من قولك: بطر فلان هداية أمره، إذا لم يهتد له وجهله، ولم يقبله، وفي الأساس: ومن المجاز: بطر فلان النعمة استخفها فكفرها، ولم يسترجحها فيشكرها، ومنه قوله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } قال أبو إسحاق: نصب معيشتها بإسقاط (في) وعمل الفعل، وتأويله: بطرت في معيشتها. وقال بعضهم: بطرت عيشك ليس على التعدي، ولكن على قوله: ألمت بطنك ورشدت أمرك وسفهت نفسك، ونحوها مما لفظه لفظ الفاعل ومعناه معنى المفعول، قال الكسائي: وأوقعت العرب هذه الأفعال على هذه المعارف العرب التي خرجت مفسرة لتحويل الفعل عنها وهو لها.(3)
وقال ابن منظور: بطر: البطر: النشاط، وقيل: التبختر، وقيل: قلة احتمال النعمة، وقيل: الدهش والحيرة. وأبطره أي أدهشه، وقيل: البطر الطغيان في النعمة، وقيل: هو كراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهية. بطر بطرا، فهو بطر. والبطر: الأشر، وهو شدة المرح. وفي الحديث: (لا ينظـر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا)
البطر: الطغيان عند النعمة وطول الغنى. وفي الحديث: (الكبر بطر الحق) هو أن يجعل ما جعله الله حقا من توحيده وعبادته باطلا، وقيل: هو أن يتخير عند الحق فلا يراه حقا، وقيل: هو أن يتكبر من الحق ولا يقبله. وقوله عز وجل:{وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } أراد بطرت في معيشتها فحذف وأوصل.
قال أبو إسحاق: نصب معيشتها بإسقاط في وعمل الفعل، وتأويله بطرت في معيشتها.
وبطر الرجل وبهت بمعنى واحد. وقال الليث: البطر كالحيرة والدهش، والبطر كالأشر وغمط النعمة.
والحاصل: أن الإمام الحسين (عليه السلام) أبعد ما يكون عن الأشر والبطر، بأي معنى من المعاني للأشر والبطر المتقدم.

الحفاظ على العقيدة:
في البداية لا بد من الالتفات إلى أن أغلى شيء في الحياة على الإنسان هي عقيدته وأفكاره وكثير من الناس يتمثل ذلك في دينه والحفاظ عليه والدفاع عنه.
والفرد المسلم لم يكن خارجاً عن هذا النظام الطبيعي للبشرية فالإسلام هو أهم شيء في حياة المسلم فالإسلام يمثل كل شيء في حياته يمثله عقيدةً ونظاماً وأخلاقاً ومبادئ واقتصاداً وأمناً وسعادةً، فإن الفرد المسلم بدون الإسلام لا قيمة له ولا عزة ولا كرامة.
وحينئذ فالحفاظ عليه من الأمور الضرورية التي لا هوادة فيها فالحفاظ على الإسلام والدفاع عن بيضة الإسلام ومقدسات المسلمين وأموالهم وأعراضهم وأراضيهم من أهم الواجبات.

دفع التوهمات الباطلة:
ومع هذا كله يوجد هناك نفوس مريضة أو جاهلة لا تعرف قدر الحسين وعظمته في ذلك الوقت وفي وقتنا الحالي فتتهم الإمام الحسين (عليه السلام) أنه خرج على يزيد إمام زمانه بل بعضهم تجنى فادعى أنه قتل بسيف جده وتابع فتوى شريح القاضي إما لمطامع دنيوية أو غير ذلك، ومن الأمور الدنيوية ما يلي:
1. لطلب الملك وزيادة الثروة والاستيلاء على بيت المال.
2. طلب السلطان: فكثير من الناس عنده عقدة النقص فيحاول أن يسدها بحب السيطرة على الآخرين والتسلط عليهم.
3. الظلم: إنَّ كثيراً من الناس يتلذذون بظلم الآخرين وكأنه لم يخلق إلا لذلك.
4. طلب الفساد: قد يكون الملك والسلطان وسيلة من وسائل تحقيق الفساد وبالأخص الفساد الجنسي فقد لا يتمكن من ذلك وبصورة مطلقة إلا إذا كان حاكماً.
5. طلب الزهو والفخر والطرب والاستطالة على الآخرين وهو المعبر عنه بالأشر والبطر.
لذلك نفى الإمام هذه الترهات والتوهمات بقوله: (أَنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلا بَطِراً وَلا مُفْسِداً وَلا ظَالِماً)
ونقول في مقام الجواب أيضاً: أن الإمام (عليه السلام) لم يكن من هذا النمط فهو أحد أفراد من تصدقوا بقوتهم على المسكين واليتيم والأسير وأصبح جائعا لمدة ثلاثة أيام وهو طفل صغير السن وأنزل فيه وفي أبيه وأمه وأخيه قرآنا يتلى آناء الله وأطراف النهار بقوله: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً *وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً}(4) الإنسان/7-10

عوامل الثورة الحسينية:
قال (عليه السلام): (وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي (صلى الله عليه وآله) وسلم أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أَسِيرَ بِسِيرَةِ جَدِّي وَ أَبِي‏ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فَمَنْ قَبِلَنِي بِقَبُولِ الْحَقِّ فَاللَّهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ وَ مَنْ رَدَّ عَلَيَّ هَذَا أَصْبِرُ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنِي وَ بَيْنَ الْقَوْمِ بِالْحَقِّ وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) (5)

وضع الأمة:
بعد مقتل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وما جرى بين الإمام الحسن (عليه السلام) ومعاوية وتسلم الأخير للأمر نصب ولده يزيد ولي عهده خلافا لما اتفق مع الإمام الحسن ويزيد معروف بالفسق والفجور وشرب الخمر واللعب بالقردة والفهود وقد أثبت التاريخ الشيء الكثير من الانحراف لهذا الرجل، فكيف يصل الحال بالأمة أن يتولى عليها كهذا.

مشروع إصلاح الأمة:
إصلاح الأمة عملية شاقة وليست بالشيء السهل فقد مضى على وفاة رسول لله (صلى الله عليه وآله) وسلم 50 سنة وهذه كفيلة أن ترجع الأمة إلى الجاهلية الأولى لعدم وجود الخليفة الفعلي ثم وصلت الحالة إلى أمر خطير جداً وهو الاستبداد وكم الأفواه فلا أحد يتمكن من الإصلاح أو الانتقاد أو يردع عن أمر محرم، ولم تجتمع صفات الخلافة في شخص غير الحسين بن علي (عليه السلام) كما تقدم.
تحدثنا في الموضوع السابق عن أهمية التعرف على أهداف ثورة الإمام الحسين (ع) وأهم أهدافه أيضاً ونضيف هنا أبرز عوامل ثورة الإمام وهي عاملان أساسيان:
أ.الحفاظ على الدين من التحريف والطمس وتحويله إلى شيء آخر.
ب. إصلاح الأمة من الفساد الذي طرأ عليها بعد غياب القيادات الإلهية لها.
وفي سبيل علاج هذه الانحرافات وهذه الخروقات استعمل الإمام (عليه السلام) عدة آليات لعلاج الوضع المنحرف والخطير:
أولاً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو ينقسم على قسمين:
أ. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي يقام به لأجل دعوة الناس إلى تطبيق الواجبات التي قد تترك من قبل أفراد المجتمع كالصلاة والصيام أو ارتكاب بعض المحرمات مثل شرب الخمر أو الزنا، وهنا لا بد من توفر شروط في الآمر والمأمور والمأمور به أو المنهي عنه.
ب.الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعنى الأعم الشامل وذلك حينما تكون تلك الانحرافات:
1. تؤدي للقضاء على الإسلام والمسلمين من الداخل.
2. يهدد الإسلام و المسلمون ويعلن الحرب عليه من الخارج لتبديل مبادئه.
3. استعمار الكفار لبلاد المسلمين عسكريا أو سياسياً أو اقتصاديا أو ثقافياً ففي مثل هذه الحالات يجب القيام بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر وقد تكون هذه الحالة هي حالة الدفاع فلا يحتاج إلى الشروط التي تشترط في القسم الأول.
ثانياً: تطبيق سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم. فهي العامل المثبت والشارح لمجملات القرآن والأحكام التي جاءت في القرآن الكريم.
ثالثاً: تطبيق سيرة علي (عليه السلام). وهي عين سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم وشرح لما جاء في القرآن الكريم وتطبيق المفهوم على المصداق والعنوان على المعنون.
رابعاً: الوقوف أمام السلطان الجائر المتصف بالصفات التالية:
أ. المستحل لحرم الله بأن يحل الحرام ويحرم الحلال.
ب. الناكث لعهد الله أي الذي لا يلتزم بالعهود والمواثيق.
ت. مغيراً لسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم.
ث. ويعمل في الأمة بالإثم والعدوان.
ثم يستدل الإمام بحديث عن رسول الله في لزوم التحرك والثورة عندما تصل الحالة إلى وضع لا يمكن السكوت عليه كما قال(عليه السلام):
(أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) وسلم قَدْ قَالَ فِي حَيَاتِهِ مَنْ رَأَى سُلْطَاناً جَائِراً مُسْتَحِلًّا لِحُرُمِ اللَّهِ نَاكِثاً لِعَهْدِ اللَّهِ مُخَالِفاً لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ يَعْمَلُ فِي عِبَادِ اللَّهِ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ ثُمَّ لَمْ يُغَيِّرْ بِقَوْلٍ وَ لَا فِعْلٍ كَانَ حَقِيقاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَهُ)(6)
ثم يواصل الإمام كلامه في تطبيق المفهوم على المصداق وعلى الوضع الراهن له وذلك ضمن النقاط التالية:
1. طاعة الشيطان.
2. ترك طاعة الرحمن.
3. التجاهر بالفساد وانتشاره.
4. لا يقيمون الحدود على السارق والزاني والقصاص من القاتل.
5. الاستيلاء على بيت المال وعدم مشاركتهم للأمة فيه.
6. أحلوا المحرمات.
7. تحريم الحلال كما قال (عليه السلام) في خطابه لأصحاب الحر بن يزيد الرياحي في منزل (البيضة):
(وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ وَ تَوَلَّوْا عَنْ طَاعَةِ الرَّحْمَنِ وَ أَظْهَرُوا الْفَسَادَ وَ عَطَّلُوا الْحُدُودَ وَ اسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْ‏ءِ وَ أَحَلُّوا حَرَامَ اللَّهِ وَ حَرَّمُوا حَلَالَهُ وَ إِنِّي أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ لِقَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) وسلم) (7)
وهذه الأحقية التي أشار إليها الإمام تتصور على نوعين:
1. أنه أحق بالخلافة من يزيد وغيره.
2. أنه أحق بهذا الأمر أي جانب التغيير والإصلاح لأن هذا أمر يخصه وهو أولى من غيره بالإصلاح. وكلا الأمرين له (عليه السلام).

الموضوعية عند الإمام الحسين:
وبالرغم من أن الإمام (عليه السلام) له حق التصرف سواء كان بعنوان الخلافة أو الإصلاح لقربه من رسول الله ولم يكن على وجه الأرض ابن بنت نبي غيره وليعطي النَّصف من نفسه لعدوه ومخالفيه فيقول (فَمَنْ قَبِلَنِي بِقَبُولِ الْحَقِّ فَاللَّهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ وَ مَنْ رَدَّ عَلَيَّ هَذَا أَصْبِرُ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنِي وَ بَيْنَ الْقَوْمِ بِالْحَقِّ وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ)(8) فأرجع أمر مخالفه إلى الله حتى يحكم الله بينهما ولم يتعنت الإمام أو يستبد، وهذه غاية الموضوعية والعدل والإنصاف وترك الطرف الآخر ليفكر بدون قسر له على قبول الحق.

كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء:
إن المنكرات والانحرافات التي كانت في زمان الإمام الحسين (عليه السلام) وما بعده استوجب القضاء عليها أن يقدم (عليه السلام) دمه الطاهر ودماء أهل بيته وأولاده-حتى الصغير منهم-و دماء أصحابه كما سبيت عيالاته وطيف بهن من بلد إلى بلد وحمل رأسه الشريف ورؤوس أهل بيته وأصحابه على الرماح.
إن هذه المنكرات لم تكن مختصة بزمانه فصراع الحسين مع أعدائه هو صراع الحق مع الباطل وهذا موجود في كل مكان وزمان، فمن كان مع الحق كان مع الحسين ومن كان مع الباطل كان مع يزيد، أليس حري بمن يدعي الولاء والتشيع والمحبة للحسين أن يكون مع الحق ويلتزم بطاعة الله ويقلع عن معاصيه؟ أليس حري بالمؤمنين الموالين للحسين ولجده وأبيه وأمه وأخيه (عليه السلام) أن يقفوا في الخندق الذي وقف فيه الحسين وقدم الغالي والنفيس، وأن يبرز عليهم الإيمان والورع والتقوى حتى يصبحوا شيعة حقيقيين.
إن الشعائر الحسينية من البكاء والحزن واللطم وإقامة المآتم والعزاء ومواساة أهل البيت كل ذلك ضروري وهو مهم جدا ولكن لا يكفي ذلك عن العمل والالتزام بفعل الواجبات وترك المحرمات، فإن من يريد أن يدخل السرور على قلب الإمام الحسين (عليه السلام) ومناصرته ومعاداة عدوه هو أن يكافح الظلم والعدوان والفساد والاستبداد كما فعل الإمام الحسين وأن يلتزم بطاعة الرحمن ويترك طاعة الشيطان.

الفساد الأخلاقي:
إن عوامل ووسائل نشر الفساد وتأثيره وبالأخص الفساد الجنسي في فساد الأمة وتمزيقها قد كثرت وأصبحت في متناول كل يد وتنظر إليه كل عين وتسمعه كل أذن وتؤثر على أكثر أفراد المجتمع فأسباب فساد الرجل والمرأة والشاب والفتاة لا يحتاج أن يبحث عنها ولا تحتاج إلى ضرب الأمثلة بمشاهدة الفضائيات ورؤية المرئيات وسماع المسموعات.
إن الفتاة المنحرفة والتي تغري الشاب الأجنبي بأي لون وتكون سببا لانحرافه هي مناهضة لمبادئ الحسين ومناصرة لعدوه يزيد وإن حضرت المآتم الحسينية.
وعلى العكس الفتاة المؤمنة العفيفة الملتزمة المطيعة لأبويها أو زوجها فهي في خط زينب وأخوات زينب ومناصرة لهن وإن كانت بعيدة عنهن من حيث الزمان والمكان.
وكذلك الشاب الذي يتعدى على أعراض الناس وبقية المحرمات ويكون بعيدا عن طاعة الرحمن وملازم لطاعة الشيطان فيصبح عدوا للحسين ومناصرا لعدوه يزيد وعبيد الله بن زياد وإن كان يلطم على الحسين، والشاب المؤمن الملتزم المطيع لله ولرسوله فإنه سوف يدخل السرور على قلب الحسين (عليه السلام).
إن الفساد الجنسي أفسد المجتمعات وأخرجها عن دينها وسبب الانتكاسات لكثير من البلدان والمجتمعات القديمة والحديثة.
بلعم بن باعورا كان عالماً ومستجاب الدعوة ولكنه ابتعد عن الله وأخلد إلى الأرض ولما أراد أن يدعو على نبي الله موسى(عليه السلام) مع علمه بأحقيته ويعلم أن فرعون على باطل ولكن الله لم يستجب له ثم قال لأتباع فرعون أن يأتوا بفتيات حسناوات ويزينونهن ويجملونهن ويرسلونهن إلى جيش موسى (عليه السلام) حتى يفقد السيطرة عليه وفي مقام تذكير المولى سبحانه بمثل هذه المنكرات التي تقضي عليها وتجعلها في مقام الذل والهوان وتسيطر عليها الأعداء نزل قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} الأعراف / 175-176

الأندلس:
كذلك الصليبيون حاولوا التغلب على الأندلس التي دخلها المسلمون وأصبحت بلدة إسلامية ولكن الشباب وقفوا كالجبل الشامخ حتى عجز الصليبيون أن يستولوا عليها ثم فكروا في طريقة (بلعم بن باعورا) فعملوا هجوما على الشباب فجلبوا الخمر ووزعوها مجاناً وجلبوا لهم فتيات نصرانيات واختلطن مع الشباب ولم يمض وقت طويل حتى تمكنوا من فتح الأندلس بدون حرب وأغلقوا بوابة أوروبا على المسلمين.. وأمثال هذه قصص كثير في زماننا.

كلمة حق:
َقَامَ الْحُسَيْنُ خَطِيباً فِي أَصْحَابِهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: (إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ تَرَوْنَ وَ إِنَّ الدُّنْيَا تَغَيَّرَتْ وَ تَنَكَّرَتْ وَ أَدْبَرَ مَعْرُوفُهَا وَ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ وَ خَسِيسُ عَيْشٍ كَالْمَرْعَى الْوَبِيلِ أَ لَا تَرَوْنَ إِلَى الْحَقِّ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَ إِلَى الْبَاطِلِ لَا يُتَنَاهَى عَنْهُ لِيَرْغَبِ الْمُؤْمِنُ فِي لِقَاءِ رَبِّهِ حَقّاً حَقّاً فَإِنِّي لَا أَرَى الْمَوْتَ إِلَّا سَعَادَةً وَ الْحَيَاةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إِلَّا بَرَماً)(9)
هذا النص يعطينا ويصور لنا الحالة المتردية للأمة الإسلامية في ذلك الوقت. وأن الحق لا يعمل به وإنما يعمل بالباطل والباطل لا يتناهى عنه حينئذ يتمنى الشريف أن يموت وهو سعادة له والحياة في ظل هذه الأوضاع برما أي سئم وضجر منه.
وهذه الكلمة من أبي الضيم أحيت الشعوب ورفعت رؤوسهم عالية وحررت الكثير منهم بعد أن كانوا يعيشون تحت نير الظلم والعدوان.

أهل البصائر:
ولكن الأمة لم تعدم أهل البصائر الذين أصبحوا يتسابقون للمنية ويستأنسون بها استئناس الطفل بمحالب أمه.
يقول علي (عليه السلام): (لا يحمل هذا العلم إلا أهل البصر والصبر والعلم بمواضع الحق) من هؤلاء:
1. العباس بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) حامل لواء الحسين ورئيس عسكره.
2. ولده علي الأكبر الذي قال: لا نبالي وقعنا على الموت أو وقع الموت علينا.
3. زهير بن القين، حيث قَالَ: قَدْ سَمِعْنَا هَدَاكَ اللَّهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَقَالَتَكَ وَ لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا لَنَا بَاقِيَةً وَ كُنَّا فِيهَا مُخَلَّدِينَ لَآثَرْنَا النُّهُوضَ مَعَكَ عَلَى الْإِقَامَةِ فِيهَا.
4. وَ هِلَالُ بْنُ نَافِعٍ الْبَجَلِيُّ الذي قَالَ: وَ اللَّهِ مَا كَرِهْنَا لِقَاءَ رَبِّنَا وَ إِنَّا عَلَى نِيَّاتِنَا وَ بَصَائِرِنَا نُوَالِي مَنْ وَالاكَ وَنُعَادِي مَنْ عَادَاكَ.
5. وَبُرَيْرُ بْنُ خُضَيْرٍ قَالَ: وَ اللَّهِ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ بِكَ عَلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلَ بَيْنَ يَدَيْكَ فَيُقَطَّعَ فِيكَ أَعْضَاؤُنَا ثُمَّ يَكُونَ جَدُّكَ شَفِيعَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

النتيجة.. الحسين فاتح:
كتب (عليه السلام) لما كان في مكة لبني هاشم في المدينة: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مِنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ مَنْ لَحِقَ بِي مِنْكُمْ اسْتُشْهِدَ وَ مَنْ تَخَلَّفَ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الْفَتْحِ وَ السَّلَامُ) (10)

الهوامش:
(1) بحار الأنوار ج: 44 ص: 330.
(2) انظر: تاج العروس - الزبيدي - ج 6 - ص 24.
(3) انظر: تاج العروس - الزبيدي - ج 6 - ص 97 - 98
(4) قمطرير: الشديد.
(5) بحار الأنوار ج44 ص329 و العوالم ترجمة الإمام الحسين(ع) ص179 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص188 و الفتوح لابن أعثم ج5 ص21 واللفظ للأول.
و في الفتوح لابن أعثم ج5 ص21 بعد هذا (وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنهم) وكلمة الخلفاء الراشدين: اصطلاح متأخر عن ذلك العصر فيبدو أنها أدخلت في كلام الإمام الحسين (ع) وهي أجنبية عنه.
(6) بحار الأنوار ج: 44 ص: 382
(7) بحار الأنوار ج: 44 ص: 382
(8) بحار الأنوار ج: 44 ص: 330
(9) بحار الأنوار ج: 44 ص: 381
(10) بحار الأنوار ج: 44 ص: 330
المصدر: موقع المقالات الخاص بالدراسات الشيعية
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com