موقع الصراط ... الموضوع : الحسن (ع) سبط الرسول
 
الأحد - 16 / رجب / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الحسن (ع) سبط الرسول  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 13 / صفر / 1434 هـ
     
  بقلم عادل الأديب
تعريف شخصيته: هو الحسن بن علي بن أبي طالب، ولد في الخامس عشر من شهر رمضان المبارك من السنة الثالثة للهجرة بالمدينة المنورة، عاش سبعاً وأربعين سنة وقيل خمسين، وتوفي في السابع من شهر صفر متأثراً بالسم الذي دسته له زوجته جعدة بنت الأشعث بأمر من معاوية، ودفن في المدينة المنورة.
أمه: فاطمة الزهراء (ع)بنت رسول الله (ص). وقد عاصر الإمام الحسن جده الرسول (ص)سبع سنين, وأنتقل بعدها لأبيه علي (ع), وكان جده النبي (ص)يؤكد في الناس وفي كل مناسبة أن يحفظوه فيه وفي أخيه الحسين (ع)ويقول مشيراً إليهما "هذان إمامان قاما أو قعدا ,الهم إني أحبهما فأحبهما".

مكانته من خلال الكتب والسنة النبوية:
أ)- في الكتاب: آية المودة "قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى".
ب)- في السنة / روى البخاري ومسلم عن البراء قال: رأيت رسول الله (ص)والحسن على عاتقه وهو يقول "الهم إني أحبه فأحبه".
ج)- وعن الغزالي في الأحياء , جاء أن النبي (ص)قال للحسن "أشبهت خلقي وخلقي".

الإمام وظروف استلامه للحكم:
تولى الإمام الحسن (ع)مسؤولية الخلافة في مناخ قلق غير مستقر ,وفي ظروف الشك والتعقيد التي برزت في أواخر حياة أبيه (ع). وذلك على شكل بذور ـ شك ـ في تجربته السياسية التي تزعم قيادتها في إعادة كامل الصيغة الإسلامية للحياة ,حيث أخذت ظاهرة الشك تتوسع وتأخذ مديات أوسع في عهد الإمام الحسن (ع).
ومما لا شك فيه أن ظاهرة الشك بالقائد ونظريته ,وأطروحته ,التي كافح من أجلها المنحرفين والقاسطين والناكثين ,لم يكن شكاً حقيقياً واقعياً ,بل كان شكاً ذاتياً مصطنعاً ,جاءت نتائج موضعية خلقتها ظروف الحرب النفسية الطويلة القاسية ,وإرهاق قاعدته وقصر نفسها في مواصلة خط الجهاد المضني الطويل.
والذي نريد أن نلقي الضوء عليه الآن هو أن هذا الشك تفاقم وتصاعد - بحكم ظروف الإمام الحسن (ع) الجديدة - من شك بسيط ذي أثر محدود إلى شك ذي دوائر متنامية واسعة، كان شكاً بسيطاً في زمن الإمام علي (ع)، انعكس في زمانه (ع) على مستوى التخاذل والتميع والتثاقل لنداء الجهاد، والتلكؤ في تلبية الأوامر العسكرية للإمام علي (ع)، بينما نرى هذا الشك يتحول إلى ظاهرة خطرة, وتأخذ مدى أوسع، تنعكس انعكاساً متنامياً؛ ليشمل قطاعات عريضة من المجتمع، وتشتد حالتها بالتدريج, وتمتد إلى قواعده الشعبية التي كان يفترض بها أن تساهم في مواصلة الجاهد لدعم التجربة السياسية التي يقودها الإمام الحسن (ع).
ونود أن نشير في هذا المجال بأن بداية الشك اكتسبت مضمونها ومحتواها في عهد الإمام علي (ع)، حيث اكتسبت مضمونها من موقف الإمام من معاوية من خلال معركة الإسلام مع الجاهلية التي تقنعت بإسلام السقيفة، حيث إن معركة الإمام (ع) مع معاوية كانت معركة الصيغة الإسلامية الكاملة للحياة، مع منهج الجاهلية وأطروحتها والكسروية والهرقلية للحياة، هذه الجاهلية التي لم تكن تؤمن يوماً بالنبوة وبأفكار الإسلام إيماناً حقيقياً، بل خضعت لسلطان الإسلام بعد أن أكمل سيطرته التامة على مقاليد كسرى وقيصر، وأصبحوا بإزاء كلمة الإسلام أمام الأمر الواقع، فكانت مبادئها الماكرة إلى تعديل موقفها، فبدلاً من أن ترفض الإسلام وتنكره ككل، بدأت تتآمر وتحاول أن تنكره بمبدأ "خطوة إلى الوراء خطوتين إلى الأمام" ، فأنكرت بعضاً أو جزءاً منه وخصوصاً تلك الأجزاء التي تتعارض صراحة مع واقع مصالحها السياسية ومكاسبها الاجتماعية تمهيداً للقضاء على الإسلام.
وقد أدرك الإمام علي (ع) أبعاد خطورة هذه المعركة، وقد أعطاها كل وجوده ومشاعره، ولم يكتفِ بالقول والشعارات، بل عاش قرار المعركة بكل سلوكه وعمله المتواصل، موعياً قواعده الشعبية على أهداف وطبيعة هذه المعركة، ليجعلهم مواكبين لأهداف الإسلام في مسيرته المظفرة.
وقد ركز الإمام علي (ع) وأكد اهتمامه على شعب العراق، لأنه كان حديث العهد بالإسلام، ولم يكن قد عاش الكثير من أيام الإسلام الأولى، حيث نجح (ع) في كسب قواعده - بدرجة ما - إلى قناعاته، ولكن سرعان ما أخذت هذه القناعة بالتميع والتزئبق والنزول، وذلك بظهور حالة الشك التي ترافقت مع صراع الإمام ومعاوية، حيث تم تصوير هذا الصراع في نظر السذج وحديثي العهد بالإسلام من الأمة، على أنه صراع بين شخصين أو اتجاهين متحاربين قبل الإسلام، وهي في نظرهم استمرار لذلك الاتجاه التأريخي من الصراع، وهي نتاج لعلاقة تأريخية متأخرة بين قبيلتي أمية وبني هاشم.
هذه الحالة من الشك "الذاتي" - الذي كان سببه انقطاع نفس خط الجهاد عند أصحاب الإمام علي (ع) ورغبتهم الجامحة لإيقاف النزيف وموادعتهم وحبهم في حياة السلام والدعة-بدأت تستفحل وتشتد كمّاً وكيفاً بعد استلام الإمام الحسن (ع) لمسؤولية الحكم، وذلك بتأثير عوامل عديدة نذكر منها ما يأتي:
1- عندما تسلم الحسن (ع) مقاليد الحكم بعد أبيه، تسلمها وهناك كيان سياسي منشق قائم وحاكم في الشام، وقد اكتسب هذا الكيان "المنفصل" في نظر كثير من أهل الشام وحاكمها معاوية شرعية الخلافة، على إثر حادثة تحكيم المصاحف المشهورة في معركة صفين، ومن هذه الواقعة بالذات رأينا معاوية يسلك ويعيش مع قاعدته والشاميين بالذات كما يعيش الخليفة مع رعيته، وعندما خلت الساحة السياسية من الإمام علي (ع) وجاء ابنه الحسن (ع) كان إحساس العامة من الناس بضرورة ملء الفراغ السياسي، وكانوا أمام خيارين.
إما الشروع ببناء كيان سياسي جديد أو الالتحاق بهذا الكيان القائم هذا الإحساس أو اللون من التفكير لم يكن موجوداً أيام حكم علي (ع)؛ لأن الكيان السياسي المنشق بزعامة معاوية كان كياناً طارئاً لا شرعياً، بينما الآن أصبح كيان الإمام الحسن (ع) يعد في ذهن الإنسان المسلم العادي هو الطارئ.
هذا الواقع النفسي، حاول استغلاله معاوية بمكره ودهائه، وكتب بمضمونها رسالة مطولة إلى الإمام الحسن (ع)، محاولاً أن يضع لنفسه فيها مخرجاً مما خطط له تجاه الرأي العام الإسلامي وأن يُحَمِّل الحسن (ع) تبعة كل خلاف وشقاق كما يبدو من مقتطفات رسالته التالية التي استخدم فيها كل أدوات الخداع والتظليل والدعاء.
"لقد ذكرت وفاة النبي وتنازع المسلمين الأمر من بعده، وتغلبهم على أبيك، فصرحت بتهمة أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وأبي عبيدة الأمين، وجواري رسول الله وصلحاء المهاجرين والأنصار، فكرهت ذلك لك، إنك امرئ عندنا وعند الناس غير الظنين ولا المسيء ولا اللئيم، وأنا أحب لك القول السديد والذكر الجميل".
ومضى يقول: إن هذه الأمة لما اختلفت بينها لم تجهل فضلكم ولا سابقتكم ولا قرابتكم من نبيكم ولا مكانتكم من الإسلام، فرأت الأمة أن تخرج هذا الأمر لقريش لمكانتها من بينها، ورأى صلحاء الناس من قريش والأنصار وغيرهم وسائر الناس وعوامهم أن يولوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاماً، وأعلمها بالله وأحبها إليه... الخ.
ويصل القول: "وقد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح، والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال الذي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد وفاة النبي (ص) فلو علمت أنك أضبط مني للرعية وأحوط على هذه الأمة وأحسن سياسية وأقوى على جمع الأموال، وأكيد للعدو لأجبتك، ورأيتك لذلك أهلاً، ولكني قد علمت أني أطول منك ولايةً وأقدم منك بهذه الأمة تجربة، وأكبر منك سناً، فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني، فادخل في طاعتي، ولك الأمر من بعدي.. إلى أن يقول.. أعاننا الله وإياك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء".
وكتب معاوية رسالة أخرى بعد تلك الرسالة، والتي لم يتلقَّ ردَّها، مما أثار الحسن (ع) بإهماله له أخلاقية معاوية الدنيئة، التي كتب على أثرها رسالة يتوعد فيها الإمام قائلاً: "فاحذر أن تكون منيتك على أيدي رعاع الناس، وإن أنت أعرضت عمّا أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت".
هذا الأسلوب الاستعلائي الماكر لم يكن يستعمله أو يجرأ عليه مع الإمام علي (ع) من قبل، ولم يخاطبه بمثله، أما من عهد الحسن (ع) فلقد كان يتكلم بلغة الخليفة المهيمن على الكيان السياسي للدولة الإسلامية، وقد اطمأن معاوية على مصيره وعلاقته المتينة مع أكثر القادة الذين التمسوا الأمان لأنفسهم وعشائرهم.
هذا الواقع الذي تحدثنا عنه أصبح مثار شك لدى المسلمين العاديين غير الواعين وأثار تساؤلهم فيما إذا كان من الضروري الحفاظ على هذا الكيان القائم بزعامة معاوية الوالي القديم والحاكم المجرب، أو بناء كيان جديد إلى جانب ذلك الكيان الذي سيكلفهم حرباً ونزيفاً جديداً من الدماء، أم بالإمكان الانسحاب من ذلك الكيان؟
وخصوصاً بعد أن تَعَوَّدَ المسلمون تدريجياً من خلال حكم الخلفاء الثلاثة، على النظر إلى أهل البيت (ع) بوصفهم أشخاصاً اعتياديين أمكن الاستغناء عن مرجعيتهم أساساً وإسنادها إلى بديل معقول، وهذا البديل ليس هو شخص الخليفة بل الصحابة، وهو بديل يستسيغه النظر بعد تجاوز المرجعية المنصوصة؛ لأن هؤلاء هم الجيل الذي رافق النبي (ص)، وعاش حياته وتجربته، ووفى حديثه وسنته.
2- بدأ الإمام الحسن (ع) مسؤولية الحكم مع جماهير لا تؤمن إيماناً واضحاً كاملاً برسالية المعركة وبأهدافها، ولا تتجاوب دينياً وإسلامياً مع متطلبات هذه المعركة.
ومن الأسباب التي دعت إلى تعميق الشك بأهداف المعركة هو تريث الإمام (ع) لظروف موضوعية بعدم الإسراع بإعلان عزمه ومبادرته لمواصلة القتال ضد معاوية إلا بعد أن كتب إليه أكثر من مرة يدعوه إلى جمع الكلمة وتوحيد الصف، حتى لا يبقى لأحد عذر أو حجة في التخلف عن نصرته.
وقد كتب الإمام الحسن يخاطب معاوية بقوله: " إن علياً لما مضى لسبيله.. ولاني المسلمون الأمر من بعده، فأسأل الله أن لا يؤتينا من هذه الدنيا الزائلة شيئاً ينقضاه في الآخرة بما عنده من كرامة، وإنما حملني على الكتابة إليك الأعذار فيما بيني وبين الله عز وجل في أمرك ولك في ذلك أن فعلته الحظ الجسيم والصلاح للمسلمين، فدع التمادي في الباطل وادخل فيما دخل فيه الناس من بيعتي، فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك عند الله.. واتقِّ الله ودع البغي واحقن دماء المسلمين وادخل في السلم والطاعة.. وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيّك سرتُ إليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين".
فتريث الإمام (ع) في إعلان الحرب على معاوية، كانت من المسائل التي استغلها معاوية بدهائه ومكره الميكافيلي الخبيث، حيث خطط لإشاعة أخبار دسّها بين أصحاب الإمام، مفاد الإشاعة بأن الحسن (ع) يفكر بالصلح معه وستظهر نتائج صلحه بعد حين.
هذه الإشاعة المزيفة أدت دوراً تخريبياً ومعمقاً لحالة الشك عند المسلمين غير الواعين وترددهم في محاربة معاوية.
3- الفارق التأريخي بين شخصية الإمام الحسن وأبيه (ع)، ونعني بالفارق التأريخي هو رصيد كل واحد منهما في أذهان الناس، إذ ليس هناك فارق بينهما في حساب الله عز وجل، فإن كل واحد منهما أمام معصوم، ولكن بمنطق وحساب الجماهير لم يكونا سواء، فالجماهير كانت تحمل وتعيش اعتبارات كثيرة عن الإمام علي (ع) دون أن تعيش نظيراً لها عن الحسن (ع)، فسوابق الإمام علي (ع) أيام رسول الله (ص) وصحبته الطويلة له، ومواقفه العظيمة في أيام الرسالة الأولى، وسلطته الروحية والعلمية على كثير من الصحابة، كل هذه الاعتبارات جعلت من الإمام علي (ع) في نظر الجماهير رجلاً عظيماً وقائداً مؤهلاً لتسلم الحكم، أما الحسن (ع) لصغر سنّه، وعدم وجود تأريخ مماثل من هذا القبيل وهو بعد لم يملك القدرة النفسية والتجربة التأريخية التي امتلكها أبوه (ع) في إخضاع المسلمين لقيادته.
والمسلمون آنذاك لم يكونوا يؤمنون بفكرة النص على إمامة الإمام سوى القلة القليلة منهم، ولذلك لم يعاملوا الإمام الحسن (ع) كإمام مفترض الطاعة منصوص عليه، وإنما عاملوه على أن إمامته إمامة عامة وامتداد لخط السقيفة ومفهومها للخلافة العامة.
وكذلك الفارق الذي جاء من البيعة التي حصل عليها الإمام علي (ع) كانت أوضح شرعية في نظر الجماهير من بيعة الإمام الحسن (ع) وخصوصاً أن بيعة الإمام علي (ع) تمَّت في المدينة التي كانت مركز الكثير من الصحابة حيث لم يتخلف عن بيعة الإمام علي إلا القلائل، أما الباقون فكلهم بايعوا، مما أعطى لخلافة الإمام علي من الشرعية والوضوح، القدرة على التأثير والنفوذ وإخضاع النفوس لسلطانه، وهذا الأمر ما لم يمتلك نظيره الإمام الحسن (ع) في نظر الجماهير.
4- تسلم الإمام الحسن مقاليد الحكم بعد استشهاد أبيه مباشرة، كان الدافع والسبب المباشر في تقوية وتعميق موجة الشك في رسالية المعركة التي يخوضها الإمام الحسن (ع)، حتى أن إيحاء الشك كان لديهم قوياً بأن المعركة هي معركة بيت مع بيت، أمويين مع هاشميين، وهي بالتالي ليست معركة رسالة مع رسالة.
هذه الحقيقة بالذات هي التي دعت الإمام علي (ع) بأن يكتم أمر معالنة الجماهير رسمياً وبصورة شعبية واسعة، بخلافة ولده الحسن (ع)، وإشغاله لمركزه السياسي حتى يتفادى أي حساسية أو شعور ذاتي، ولكنه (ع) عالن فقط ثلة من جماعته المخلصين ممن يؤمنون بالنظرية الإسلامية الصحيحة لمفهوم الإمامة، حيث أوصى إليهم بإمامة ولجه الحسن (ع) وعرفهم بأن الحسن هو الإمام والحجة من قبل الله من بعده، وكان الإمام علي (ع) بوصفه حاكماً ورئيساً للدولة، لم يعلن إعلاناً رسمياً بضرورة تسلم الإمام الحسن (ع) الأمر من بعده.
هذه العوامل هي التي أدّت إلى توسيع نطاق الشك الذاتي المصطنع في عهد الإمام الحسن (ع) حيث توسع كمّاً وكيفاً، ليتحول من شك يعيشه بعض الأفراد والجماعات إلى شك تعيشه قطاعات واسعة من المجتمع الإسلامي الذي حكمه الإمام (ع) هذه الظاهرة اتضحت معالمها بشكل مكبر منذ اللحظة الأولى لتسلم الحسن (ع) لمقاليد الحكم وحتى اللحظة الأخيرة من صلحه مع معاوية.

هل كان صلح الحسن مع معاوية تخاذلاً؟
هذه الأسباب والملابسات السابقة عقّدت موقف الإمام (ع) من مسألة الحكم، وبات الإمام (ع) أمام خيارات أربعة لا خامس لها:
الخيار الأول: هو إغراء الزعامات وأصحاب النفوذ بإعطائهم الأموال ووعدهم بمناصب لاستمالتهم إلى جانبه، وهذا الخيار اقترحه البعض على الإمام (ع) لكنه رفضه بقوله: "أتريدون أن أطلب النصر بالجور فوالله ما كان ذلك أبداً".
الخيار الثاني: وهو أن يتجه الإمام إلى الصلح من أول الأمر ما دامت الأمة قد أنست بحياة الدعة، وما دامت زعاماتها قد بدأت تتصل بمعاوية، متعاونة معه إلى حد تسليمه حيّاً أو ميتاً، وأن يوقف العمل بالخيار العسكري نزولاً للأمر الواقع.
ولكن الإمام (ع) استبعد العمل بأحد هذين الخيارين نهائياً لعدم جدواهما، وبقي عليه أن يفتش ويدرس الخيارين الآخرين.
الخيار الثالث: وهو أن يواصل العمل في الساحة العسكرية حتى يستشهد كما استشهد أخوه الحسين (ع) في ميدان كربلاء، وأن يخوض معركة بائسة يستشهد فيها هو وجماعته.
الخيار الرابع: وهو أن يصالح معاوية بعد أن يستنفد أطول وقت ممكن ليسجل المواقف وليبين للناس من يثبت ومن ينحرف.
كان لا بد للإمام (ع) وهو يدرس هذين الخيارين أن يضع في حسابه كل اعتباراته وما يتمثل بوجوده من الأمور الآتية:
أ- باعتباره أميناً على أطروحة الإسلام وعلى صيغتها الكاملة للحياة بوصفها الخط الفكري والروحي الذي يجب أن يمتد متجذراً إلى أكبر قدر ممكن من قلوب الناس وعقولها.
ب- باعتباره أميناً على التجربة السياسية والتي جسدت تلك الأطروحة في واقع الحكم "فهو أمين على النظرية والتطبيق معاً ووارث للمفهوم والخط الفكري والتجسيد العملي للنظرية في واقع الحياة".
ج- باعتباره أميناً على الوجود الشيعي الذي حدد معالمه النبي (ص) في حفظ مستقبل الدعوة، حيث نماها ورعاها قائد الدعوة الثاني الإمام علي (ع)، وكان من المفروض أن تواصل على يديه ويد خلفائه نموها الثوري، وأن تواصل امتداداتها عبر التأريخ الإسلامي.
هذه الاعتبارات وغيرها كانت موضع اهتمام وتقييم الإمام، وهو يدرس ويوازن أفضل الخيارين، خيار التضحية والاستشهاد الفاجع، أو خيار تجميد التجربة والحركة مؤقتاً.
وها نحن نسأل بدورنا: هل خوض معركة يائسة كانت تؤدي إلى مفعول أو إلى تغيير للواقع الإسلامي آنذاك؟
والإجابة: كلا، لم تكن تلك المعركة اليائسة تؤدي إلى أي مفعول، ما دامت سوف تتم في ظل شك الجماهير بهذه المعركة.
ومن هنا جاء لوم كثير من المؤرخين للإمام الحسن (ع) منددين بتكاسله وضعفه وتنازله عن حقه، حسماً للفتنة، وقبوله لحياة الدعة والراحة.
وجواباً على هذا الافتراء نقول: إن خوض الإمام (ع) ودخوله في معركة يائسة سلفاً، يجعل معركته في نظر كثير من المسلمين بمستوى المعركة التي خاضها عبد الله بن الزبير، حتى قتل وقتل معه كل أصحابه الخواص.
ونسأل، هل أن أحداً من المسلمين فكر بابن الزبير؟ وهل أن معركته التي خاضها حققت مكسباً حقيقياً للإسلام أو قدمت زخماً جديداً للعمل؟
الجواب: كلا لم يفكر فيه أحد، لأن الناس كانوا يعيشون مفهوماً واضحاً تجاه عبد الله بن الزبير، فهو في نظرهم خاض المعركة لزعامته الشخصية ضد عبد الملك بن مروان، ولم تكن من أجل إنقاذ الرسالة أو حماية الإسلام أو تعديل الحكم المنحرف.
فنفس الشك، بل بدرجة أقوى وجد عند الجماهير التي عاشت مع الإمام الحسن (ع).
إن تأريخ الحسن (ع) ومواقفه الإيجابية تدين كل من يتهمه بالضعف والتنازل عن حقه راضياً، أو أنه سلم الحكم إلى معاوية دون أن يتصدى لتصفيته ومحاربته.
ونحن نؤكد موقف الإمام (ع) الإيجابي وموقفه متحدياً الانحراف واستعداده لمحاربة معاوية عندما قال (ع): "بلغني أن معاوية بلغه أن كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك، اخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظرون ونرى وترون".
وفي مجال آخر يشير الإمام (ع) إلى استحالة خوض معركة منتصرة في هذا الجو من الشك وقلة الأعوان المخلصين: "والله إني ما سلمت الأمر إلا لأني لم أجد أنصاراً، ولو وجدت أنصاراً لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه".
فالمؤشرات الاجتماعية كلها تشير بأن أي معركة يخوضها الإمام لا تؤدي إلى أي نتيجة على الإطلاق، ولن تؤدي مفعولاً على مستوى أهداف الإمام (ع) من التغيير الذي تتطلبه الرسالة كحضارة وممارسة حياتية لكل الأجيال وعلى مدى العصور.
ولا بد أن نتساءل عن أهداف هذه المعركة خصوصاً، والأمة تعيش ظروف محنة الشك وقسوة المواجهة، واستحالة النصر.
ما هي أهدافها؟ وما هي طبيعتها؟ أهي مجرد عناد، أم هي رسالة وأمانة؟ يقول الحسن (ع): "إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر".
ويجيب (ع) عندما سأله سائل عن الجهل فأجابه: "سرعة الوثوب على الفرصة قبل الاستمكان منها، والامتناع عن الجواب، ونعم العون الصمت في مواطن كثيرة، وإن كنت فصيحاً".
وفي حديث آخر له (ع) يبين لنا المواقف أكثر وضوحاً، عندما سئل عن معنى العقل قال (ع): "التجرع للغصة حتى تنال الفرصة".
وعلى ضوء هذه الحقائق التأريخية الثابتة يحق لنا أن نطمئن إلى النتيجة القائلة لو أن الحسن (ع) خاض المعركة اليائسة لكانت معركته تشبه إلى درجة كبيرة معركة ابن الزبير اليائسة التي لم تكن لتقدم أي عطاء للإسلام ولرسالته الخالدة.
ومن هنا جاءت قرارات الإمام (ع) الصائبة بأن يهادن مؤقتاً، ويقبل بالصلح ويفسح المجال لمعاوية أن يستولي على العالم الإسلامي، لكي يكشف واقعه وواقع أطروحته الجاهلية ولكي يعرّف هؤلاء المسلمين البسطاء والذين لم يكونوا يعرفون إلا ما يرون بأعينهم وحواسهم، من هو معاوية وما هو واقعه وواقع حكمه، ومن كان علي بن أبي طالب وماذا كانت أطروحته.
وبناء على هذا استجاب الإمام لدعوة الصلح في وقت أصبحت فيه الاستجابة نصراً على معاوية، وفضحاً لسياسته المخادعة، وكشفاً لخلقه أمام الجماهير، فقد كان معاوية في ذلك الوقت يتلبس وجه من يريد حقن دماء المسلمين، بعد أن أدرك أن نتائج الحرب ستكون لصالحه، وهو يرى تصلب الحسن (ع) وإصراره على خوض المعركة، فأراد أن يبرز كمحب للصلح، ولحقن دماء المسلمين، ولكن سرعان ما فاجأته استجابة الإمام الحسن (ع) لعقد الصلح، فشعر بخيبة في تحقيق سياسته الماكرة، خاصة أن بنود الصلح ألزمته بأمور لم يكن له بد إلا القبول بها.
ونجحت خطوة الإمام الحسن (ع) وبدأ معاوية يساهم إلى درجة كبيرة بكشف نفسه وواقعه المنحرف، ولم ينتظر الوقائع والظروف لتساهم في كشف حقيقته، بل أعلن منذ اليوم الأول عن مضمون أطروحته الجاهلية، وأخذ يواصل الإعلان عنها وفي مختلف المجالات السياسية: "والله إني ما قاتلتكم لتصلّوا ولتصوموا ولتحجّوا ولا لتزكّوا، ولكني قاتلتكم لأتأمرَّ عليكم، وقد أعطاني الله ذلك، وأنتم لها كارهون، ألا وإني كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء، وجميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها".
وبهذا الإعلان أخذ المسلمون يشعرون شعوراً واضحاً بأن أطروحة معاوية ما هي إلا امتداد للجاهلية، التي تريد هدم الإسلام، وإن الإمام علي (ع) هو الممثل الحقيقي لأطروحة الإسلام حتى أن تجربته القصيرة في الحكم بقيت أملاً وحلماً في نظر الجماهير الإسلامية، وهم في خضم بؤسهم الذي كانوا يعيشون فيه.
المصدر: مجلة الجهاد، العدد السابع عشر.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com