موقع الصراط ... الموضوع : أخطر المزالق في طريق الكدح إلى الله تعالى-3
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أخطر المزالق في طريق الكدح إلى الله تعالى-3  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 14 / صفر / 1434 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
صفات طلاب الدنيا بالدين:
قلنا إن هؤلاء يُسَخِرون الدين, ويطوعون أحكامه؛ لتحقيق أهدافهم, فهم يتظاهرون بكل ما يكسبهم الدنيا, ولو كان كذباً وزوراً وخداعاً وحيلة, بل تراهم يلهثون وراء ذلك, ويبذلون غاية جهدهم؛ لنيل السمعة والجاه... وأدق وصف لهذه الحالة ما جاء في وصف بلعم بن باعوراء حيث وصفه تعالى في كتابه الكريم ((فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) (الأعراف:176)
وهذه الآية وأن نـزلت في شخص معين إلا أن دلالتها لا يمكن أن تنحصر به، وإنما تمتد لكل زمان، وكل مكان؛ لأن (تخصيص الوارد لا يخصص المورد؛ ولأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) كما قال الأصوليون, وفي تفسير الآية الكريمة ورد عن الإمام أبي جعفر (ع): (في الأصل بلعم, ثم ضرب مثلاً لكل مؤثر هواه على هدى الله من أهل القبلة)(1)
ويمكن أن نحصر صفات أصحاب هذا المسلك بالنقاط التالية:
1- الإدعاء العلمي: وهذا يبرز في سلوكهم بأشكال مختلفة. فمرة يدعي بأنه من أعلم الناس وأدقهم في العلوم العقلية والنقلية, ويحاول أن يفرض آراءه على الآخرين، وإن كان خطأ, ويسفه آرائهم، وإن كانت صحيحه, وقد تنبأ رسول الله (ص) بذلك فقال: (يظهر الدين حتى يجاوز البحار, ويخاض البحار في سبيل الله, ثم يأتي من بعدكم أقوام يقرؤون القرآن، يقولون قرأنا القرآن, من أقرأ منا؟ ومن أفقه منا؟ ومن أعلم منا؟ ثم التفت إلى أصحابه, فقال: هل في أولئك من خير؟ قالوا: لا, قال: أولئك منكم من هذه الآية: ((وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ)) )(2)
أو يحاول أن يثبت ادعاءه في غرائب الأمور, وفي دقائق بعيدة عن حاجة الناس، وإثارتها لجلب الأنظار إلى نفسه, يقول الفيلسوف الإسلامي العظيم صـدر المتألهين: (وأما علماء الدنيا فأكثر اهتمامهم بتتبع غرائب التفريعات في الأقضية والحكومات، والتعب في استنباط الصور الدقيقة, والاحتمالات البعيدة التي تنقضي الدهور ولا يقع مثلها, وإن وقع كان لغيرهم لا لهم, ومع ذلك لا تخلو الأرض عمن يقوم باستنباطه والشغَف بتحصيله طلباً للجاه والشهرة حسبما قدره الله, وأودع في غريزة كل أحد ما يناسبه, وينتظم به أمور غيره في عالمه- وما أبعد عن السعادة من باع مهم نفسه اللازم بمهم غيره النادر إيثاراً لخدمة الخلق, وقبولهم على القرب من الله, وحضوره عنده, وتهالكاً على أن يسميه البطالون فاضلاً عالماً بالدقائق, وجزاؤه من الله تعالى ما ذكره بقوله: ((لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) (آل عمران:77))(3)
2- التهالك في طلب الشهرة: وهذه السمة من أبرز صفات طلاب الدنيا بالدين, حيث يحاول, وبشتى السبل أن ينال شهرة واسعة إما بمخالفة العلماء بالله والتوهين بهم, ومعاكسة آرائهم, ومناقشتها والطعن بها, أو الجد في نيل الألقاب العلمية العالية مما تطلق على أهل العلم الحقيقيين, وحملة الشهادات العالية وتسطيرها على كتبه إن كان له تأليف , ويغضب أشد الغضب إن لم تذكر في مخاطبته, ومن هؤلاء من يتفانى في جمع الثروات الواسعة من المال والعقار, أو البروز بلباس أقرب ما يكون إلى لباس الجبابرة، يقول أحد الزهاد: (إن كثيراً من علمائكم زيه أشبه بزي كسرى وقيصر منه لمحمد (ص), إن محمداً لم يضع لبنة على لبنة, ولا قصبة على قصبة, ولكن رفع له علم فسموا إليه)(4)
إن التظاهر بصفات الكمال، والتصنع بها سواء كان علماً, أو عبادة , أو زهداً أو عملاً صالحاً من دون نية خالصة لله من أي شائبة من شوائب الرياء لهي أخطر على دين المسلم من النار في الهشيم, يقول رسول الله (ص): (ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأكثر فساداً فيها من حب الشرف والمال والجاه في دين الرجل المسلم)(5)
وعن أبي عبد الله (ع) يقول: (ما ذئبان ضاريان في غنم, قد فارقها رعاؤها أحدهما في أولها, والآخر في آخرها بأفسد فيها من حب المال والشرف في دين المسلم)(6)
وعن أبي الحسن (ع) أنه ذكر رجلاً , فقال: (إنه يحب الرئاسة, فقال: ما ذئبان ضاريان في غنم تفرق رعاؤها بأضرّ في دين المسلم من الرئاسة)(7)
ولعل السر في ذلك أن حب الجاه والسمعة ينشأ من حب المدح والثناء والسيطرة والتقدم على الأقران والتعالي على الأخوان, بل حتى إذا اقتضى ذلك ظلم المؤمنين والتجاوز على حقوقهم, وهتك حرماتهم إذا وقفت عقبة في طريق انتشار الشهرة والسمعة, والأخطر من ذلك كله أن الانشغال بذلك ينسي الإنسان ربه, فإن من جعل همه الاستحواذ على قلوب الآخرين؛ لينتشر ذكره انشغل بالتصنع بمختلف الوسائل حتى يستغرق في ذلك, ويفقد توازنه, وينسى الله تعالى, وهنا الطامة الكبرى والكارثة العظمى ((نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) (الحشر: 19)
ومن هنا نجد أئمة الحق الذين أذهب الله عنهم الرجس, وطهرهم تطهيراً يتوسلون بالله تعالى كي يعينهم على تجاوز عقبات الذات والإنية والأنانية, وما تجر إليه من أمراض نفسية خطيرة كالعجب والتكبر, ولنستمع بتأمل دعاء سيد الساجدين (ع) حين يقول: (اللهم صلى على محمد وآل محمد, ولا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلها, ولا تحدث لي عزاً ظاهراً إلا أحدثت لي ذلة باطنة عند نفسي بقدرها)(8)
هكذا يعلمنا إمام الهدى كي نحفظ توازننا في حالة إظهار الله لنا مكانة مرموقة أو ذكراً كريماً؛ لئلا نقع في شباك الغرور والإعجاب والتكبر, يقول رسـول الله (ص): (بحسب المرء من الشر إلا من عصمه الله من السوء أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه, إن الله لا ينظر إلى صوركم, ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم)(9)
وقال الإمام أمير المؤمنين (ع): (تبذل ولا تشتهر, ولا ترفع شخصك, لتذكر وتعلم, واكتم, واصمت تسلم تسرّ الأبرار, وتغيظ الفجّار)(10)
ولا يقتصر طلب الشهرة في جانب العلم والمال والجاه, وإنما قد يأخذ شكلاً آخر كالتظاهر بالقداسة, والتشدد في الاحتياط فوق المعتاد والمتعارف ليجلب الأنظار إليه، وهذا ما أوضحه إمام الأمة السيد الخميني قدس سره بجلاء ودقة حيث وصف هـؤلاء بقوله: (إن بعض الرجعيين المتظاهرين بالقدسية يعتبرون كل شيء حراماً, وليس بوسع أحد أن يقف بوجههم إن المرارة التي تجرعها أبوكم الشيخ من هؤلاء المتحجرين لم يتجرعها مطلقاً من كل الضغوط والصعوبات الأخرى)(11)
كما أكد الأمام الخميني (قدس سره) خطر هؤلاء على الإسلام بوضوح ودقة ووصفهم بالأفاعي الناعمة الملمس, والسم ناقع في أجوافها. قال رحمه الله: (وما هو بالضئيل خطر المتحجرين والحمقى من المتظاهرين بالقدسية في الحوزات العلمية, فلا يغفل الأعزاء طلاب العلوم الدينية, ولا للحظة عن هذه الأفاعي ذات الظاهر المغري والخداع فهؤلاء هم مُرَوجوا الإسلام الأمريكي, وأعداء رسول الله (ص)... وما قطعته هذه الفئة المتحجرة من نياط قلب أبيكم الشيخ هذا لم تستطع -أبداً- أن تقطعه كل ضغوط الآخرين والمشاق التي سَبَبوها) ثم يشير قدس الله روحه الزكية إلى الصدمات الخطيرة التي وجهها هؤلاء إلى الحركة الإسلامية على طول التاريخ الإسلامي قـائلاً: (وإن ما تلقاه الإسلام من ضربات من هؤلاء المتلبسين بزي العلماء والمرائيين بظاهر القدسية لم يتلق مثيلاً من أية فئة أخرى, والنموذج البارز لهذه الضربات يتجلى في مظلومية أمير المؤمنين (ع) وغربته المعروفتين في ثنايا التاريخ)(12)
3- التصنع والتظاهر بالمظاهر الدينية: ومن أقبح الخصال أن يتزيا الإنسان بغير زيّه, ويدعي ما ليس له, ويتظاهر بشيء هو خال منه, كما وصف الإمام الصادق (ع) بعض طلاب العلم بقوله: (قد تسربل بالخشوع، وتخلى من الورع)(13)
فرغم تظاهره بالخشوع, وتماوته في منطقه, وتخاضعه في حركاته إلا أنه خالي من تقوى الله تعالى, وتلك حقيقة طالب الدنيا بالدين؛ ليستولي على قلوب الناس ويخدعهم, ولكن المسكين نسي أو تناسى أن الإنسان مهما حاول إخفاء جوهره لابد أن تنكشف شخصيته على حقيقتها... ومنشأ هذه الآفة هو الشعور بالنقص والذلة الداخلية, أو ما يعبر عنه علماء النفس (بعقدة الحقارة)؛ ولذلك يحاول المبتلى بذلك أن يسد هذا النقص بالتصنع والتظاهر بالخصال الحميدة, أو بالأخلاق الرفيعة, أو بالأعمال الصالحة عله يظفر بمراده الكامن في نفسه, والذي أخفاه عن الناس, ونسي أن الله تعالى لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء, فقد روى الإمام الصادق (ع) عن أبيه (ع): (إن الله تبارك وتعالى أنـزل كتاباً من كتبه على نبي من أنبيائه وفيه أنه سيكون خَلقٌ من خَلقي يلحسون الدنيا بالدين, يلبسون مسوك الضان على قلوب كقلوب الذئاب أشد مرارة من الصبر وألسنتهم أحلى من العسل, وأعمالهم الباطنة أنتن من الجيف, أفبيَّ يغترون؟ أم إياي يخادعون؟ أم عليَّ يجترون؟ فبعزتي حلفت لأتيحن لهم فتنة تطأ في خطامها حتى تبلغ أطراف الأرض تترك الحليم منهم حيراناً)(14)
4- حب المدح والإطراء: ولو بصفات لم يتصف بها, وبأعمال لم ينجزها... إن من خصال هذا الصنف حب المدح بحيث أنه يحب أن يمدح على كل عمل يقوم به, بل على عمل لم يعمله بمجرد أن تبرز شخصيته, وتلك صفة يهودية أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: ((لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) (آل عمران:188)
والرغبة في حب المدح والثناء ناشئ من حب النفس, يقول العارف الكبير الإمام الخميني قدس سره: (علينا أن ندرك أن منشأ ارتياحنا للمدح والثناء, واستيائنا من الانتقاد، ونشر الشائعات إنما هو (حب النفس) الذي تعد من أخطر الشراك التي ينصبها إبليس)(15) ولهذا منع الإسلام أشد المنع من كثرة المدح, أو الفرح به, بل والارتياح إليه، وأمر بحث التراب في وجوه المدّاحين, فقد قال رسول الله (ص): (أحثوا في وجوه المداحين التراب)(16) لأنه من (أوثق فرص الشيطان) و(يحدث الزهو, ويدنى من الغرة)(17)
وسأل رجل الإمام الحسن بن علي (ع) أن يخيله (كناية عن الموعظة), قال (ع): (إياك أن تمدحني فأنا أعلم بنفسي منك)(18) وقال الإمام أبو الحسن الثالث (ع) لرجل وقد أكثر من إفراط الثناء عليه: (اقبل على شانك, فإن كثرة الملق يهجم على الظنّة, وإذا حللت من أخيك في محل الثقة فاعدل عن الملق إلى حسن النية)(19)
وفي بعض الروايات نفى أئمة الهدى حقيقة الولاء ممن يفرح ويسْتَر بمدح المداحين يقول الإمام الباقر (ع) في وصية لجابر الجعفي: (واعلم بأنك لا تكون لنا ولياً حتى لو اجتمع عليك أهل مصرك, وقالوا: إنك رجل سوء لم يحزنك ذلك، ولو قالوا: إنك رجل صالح لم يسرك ذلك)(20)
والسر في حب المدح؛ لأنه يبرز معالم الإنسان وخصاله أمام الملأ ويكسبه شهرة وسمعة واسعة؛ ولذلك ترى طلاب الدنيا يضفون على أنفسهم وعلى ألسن المتملقين أسمى الألقاب, وأرفع المراتب سواء كان حقيقة أو وهماً وأما الصالحون وأولياء الله المقربين فإنهم يمقتون ذلك أشد المقت, ويفرون منه فرارهم من الحيّة الرقطاء, ويستنكرون على المداحين ويوبخونهم, بل ويخافون مما قيل فيهم خشية الوقوع في الاغترار والإعجاب يقول السيد الإمام الخميني قدس سره: (إن أولئك المداحين يبعدوننا بمدائحهم عن جوار الله, وهم أصدقاء إلا أنهم يؤذوننا بصداقتهم)(21)
هكذا يعتبر أولياء الله المدح لهم ضرراً, وأذية وعذاباً لأنفسهم, وأدق صورة لتلك الحقيقة ما نطق به أمير المؤمنين (ع) في صفة المتقين حيث يقول: (إذا زُكيَّ أحدٌ منهم خاف مما يقال له, فيقول:أنا أعلم بنفسي من غيري, وربي أعلم بي مني بنفسي اللهم لا تؤاخذني بما يقولون, واجعلني أفضل مما يظنون, واغفر لي ما لا يعلمون)(22)
5- مخالفة أعمالهم لأقوالهم ومدعياتهم: إن طالب الدنيا بالدين كثير الكلام قليل العمل, يقول ما لا يعمل, وهو أصدق مصاديق قوله تعالى: ((...لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ)) فتراه يتحدث عن الإسلام وعظمته ودوره في حياة المجتمع البشري، ويبدي حرصه الشديد في الحفاظ على مبادئه وأحكامه, ولكنك تجده أول من يخالف أحكامه، ويتجاوز حدوده عندما يتضارب مع مصالحه الذاتية.
6- التبرير لمخالفاته الشرعية , ويحاول أن يلبسها ثوباً شرعياً, ويدافع عن آرائه ومواقفه بمختلف الأساليب, ويمنحها صيغة فكرية (والمعنى السائد في الفكر التبريري الذي يحاول التغطية على الانحراف والتوفيق بين الأوضاع المنحرفة المائعة وبين الدين هو (تغيير الرسالة) وتحريفها؛ لتنسجم مع واقع الانحراف, والانحلال, ومن خلال الفكر التبريري هذا يغير الإنسان الرسالة السماوية, ويحرفها, بدلاً عن أن يتغير بها... ويشوهها... وينزل بها إلى واقعه, بدلاً من أن يصعد بها )(23)
ولقد رأينا اليوم مسلكاً عجيباً من مسالك هؤلاء. وخلاصته العمل على إسقاط العاملين للإسلام, والاستهانة بهم، وتوجيه التهم إليهم، وآثاره الشائعات حولهم باسم الدين والإسلام وولاية أهل البيت (ع) فإذا ما اعترضه قال إني أرى أن هذا واجب شرعي ملقى على عاتقي, ورحم الله الإمام الخميني قدس سره حيث يقول: (فما أكثر ما يبتعد الإنسان عن الله باسم الله، واسم الخدمة لخلق الله, ويساق نحو نفسه وآمالها)(24)
أرأيت كيف يُسَخر طلاب الدنيا الشرع المقدس لأهوائهم ونـزواتهم وينـزلون به إلى مستوى أنفسهم المنحطة ؛ ولهذا ليس من خطورة على الإسلام أكبر من هذا السلوك ؛ يقول العارف الكبير الإمام الخميني (قدس سره): (وإني قد قلت من قبل أن المتلبس بلباس العلماء الذي لا يكون مهذباً, ويسير في غير خط الإسلام؛ فإنه أخطر على الإسلام والجمهورية الإسلامية من (السافاكي)(25) )(26)
7- يحسن التملق والتسلق: للصعود إلى المراتب المتقدمة, والمواقع المهمة ففي سبيل مصلحته يتلون تلون الحرباء, ولو على حساب كرامته, فإذا ما وصل إلى تلك المواقع استخدمها أسوأ استخدام يضر بالإسلام والمسلمين.
8- والخصلة الجامعة لكل الخصال, وهي أسوؤها وأحطها وأقذرها هي سيطرة الأهواء النفسية والغرائز الشهوانية على عقولهم حتى يصلوا حداً يصبح دينهم تبعاً لدنياهم, لأنهم اتخذوا الدين لعباً ولهواً كما وصف تعالى ذلك بقوله تعالى ((وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيع)) (الأنعام: 70)
يقول العلامة الطباطبائي (قدس سره) في تفسير هذه الآية: (عد تدينهم بما يدعوهم إليه هوى أنفسهم لعباً وتلهياً بدينهم... اتخذوه لعباً ولهواًَ يقلبونه كيف شاءوا من حال إلى حال، ويحولونه حسب ما يأمرهم به هوى أنفسهم من صورة إلى صورة)(27)
لا يقال إن هذه الآية تخص الكافرين فقط (بل هي تشمل جميع الذين يتخذون من الأحكام الإلهية, ومن المقدسات وسائل للتلهي, وملء الفراغ, وبلوغ الأهداف المادية الشخصية. أولئك الذين يجعلون الدين آلة الدنيا, والأحكام الإلهية ألعوبة أغراضهم الخاصة)(28)
هذه بعض خصال طلاب الدنيا بالدين, وبقي الكثير منها وهي بعدد أهواء الإنسان ونـزواته النفسية...

عاقبة طلاب الدنيا بالدين:
لما كان هؤلاء قد اتخذوا دين الله تعالى وسيلة رخيصة لإشباع أهوائهم ونـزواتهم، وقنطرة يعبرون بها، ويحاولون تسخير مبادئ السماء الخالدة لمصالح قصيرة المدى, وشَرَوْها بثمن بخس, فإنهم مهما تلبسوا وتستروا بثياب الدين لابد وأن يُكشف مرادهم لدى الناس، ويفتضح أمرهم, ومن ثم يحترقون ويُرْفَضُون عند جميع المؤمنين؛ ولذا قيل: (إنما يذهب بهاء العلم والحكمة إذا طلبت بهما الدنيا)... وكان يقال: (يا أصحاب العلم، قصوركم قيصريّة, وبيوتكم كسرويّة وأثوابكم طاهريّة, وأخفافكم جالوتيّة, ومراكبكم قارونيّة, وأوانيكم فرعونيّة ومآتمكم جاهليّة, ومذاهبكم شيطانيّة فأين المحمدية وأنشدوا:
وراعي الشاة يحمي الذئب عنها *** فكيف إذا الرعاة لها ذئاب
وقيل:
يا معشر يا ملح البلد *** ما يصلح الملح إذا الملح فسد)(29)
ونحن إذا تتبعنا أحاديث أهل البيت العصمة والطهارة صلوات الله عليهم نجد أنها تذكر ظواهر تبرز في حياة هؤلاء تؤدي بهم إلى أسوء العواقب نذكر منها ما يلي:
أ- الحرمان من لذة المناجاة لله تعالى: لما كانت قلوبهم شاردة عن الله تعالى ومشغولة بغيره؛ فإن الله يسلبهم لذة مناجاته؛ لأن من اشتغل بشيء وشغف به انصرف إليه بكله, ولهى به عن غيره و((مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِه)) (الأحزاب:4) ورد عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: أوحى الله عز وجل إلى داود (ع): (إن أهون ما أنا صانع بعالم غير عامل بعلمه أشد من سبعين عقوبة باطنية أن أخرج من قلبه حلاوة ذكري)(30)
وفي أخبار داود (ع) أيضاً: (إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهواته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي)(31) وما أجمل ما يصوره لنا ابن مسعود لهذه الحقيقة حين يقول: (إن مالت قلوب العلماء إلى حب الدنيا, وإيثارها على الآخرة فعند ذلك يسلبها الله ينابيع الحكمة, ويطفئ مصابيح الهدى من قلوبهم فيخبرك عالمهم حين تلقاه أنه يخشى الله عز وجلّ بلسانه, والفجور بَيّنٌ في عمله فما أخصب الألسن يومئذ، وأجدب القلوب, فوالله الذي لا إله إلا هو ما ذاك إلا لأن المعلمين علموا لغير الله تعالى، والمتعلمين تعلموا لغير الله تعالى)(32)
ب- عدم التأثير في قلوب عباد الله: لما كان طالب الدنيا بعمل الآخرة يصدر عن دوافع ذاتية يبتغي من ورائها سمعة أو شهرة... فلا يمكن أن يؤثر كلامه وموعظته في قلوب سامعيه؛ لأن ظاهره لله تعالى، وباطنه للدنيا؛ وبذلك تزل موعظته عن القلوب فعن أبي عبد الله الصادق (ع) قال: (إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل المطر عن الصفا)(33) ولهذا نرى اليوم كثيراً من الخطباء والبلغاء ممن يصكون الإسماع برنين كلماتهم إلا إنها لا تتجاوز الآذان إلى القلوب, وبالعكس قد نرى كلمة تصدر من إنسان بسيط طاهر القلب نقي السريرة, صادق النية تؤثر في النفوس تأثيراً بليغاً, وحقاً ما قيل الكلمة الخارجة من القلب تدخل إلى القلب, والكلمة الخارجة من اللسان لا تتجاوز الآذان.
ج- ومن عواقبهم في الدنيا أنهم يقعون في فتن تحير عقولهم, وتذهل ألبابهم، وتجعلهم يتخبطون تخبط عشوائي, وقد جاء عن الصادق عن أبيه (ع) قال: (إن الله تعالى أنزل كتاباً على نبي من الأنبياء وفيه:... فبعزتي حلفت لأبعثن عليهم فتنة تطأ في خطامها حتى تبلغ أطراف الأرض تترك الحليم حيراناً, يضل فيها رأيُ ذي الرأي، وحكمة الحكيم، ألبسهم شيعاً وأذيق بعضهم بأس بعض, انتقم من أعدائي بأعدائي، ثم أعذبهم جميعا ولا أبالي)(34)
وأما عاقبة طلاب الدنيا بالدين في الآخرة فأمرها فضيع, ولا يحيط به تصورنا ولا تصل إليها إدراكاتنا المحدودة، والأحاديث والروايات الواردة في ذلك أكثر من أن تحصى. نذكر منها: فعن أبي عبد الله (ع) قال: (من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لـم يكن له في الآخرة نصيب, ومن أراد به خير الآخرة أعطاه الله به خير الدنيا والآخرة)(35)
وفي حديث آخر عن أمير المؤمنين (ع) عن النبي (ص) أنه قال في كلام له: (العلماء رجلان: رجل عالم آخذ بعلمه فهذا ناج, وعالم تارك لعلمه فهذا هالك, وأن أهل النار ليتأذون بريح العالم التارك لعلمه, وأن أشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبداً إلى الله عز وجلّ فاستجاب له, وقبل منه، وأطاع الله عز وجلّ فأدخله الله الجنة, وأدخل الداعي النار بتركه علمه، واتباعه الهوى)(36)

وجوب التحرز من هذه الأخطار:
ونختم هذا البحث بما قال العارف بالله تعالى, وأعرف العارفين بخطورة هذا المسلك الإمام الخميني قدس الله روحه ونوّر ضريحه, قال: (يجب على طلاب العلوم الدينية, والسالكين لهذا السبيل المحفوف بالمخاطر, أن يكون أول ما يضعونه بعين الاعتبار،إصلاح أنفسهم أثناء الدراسة, ويقدموه مهما أمكن على كل شيء؛ لأنه أوجب كل الواجبات العقلية والفرائض الشرعية وأصعبها.
فيا طلاب العلوم الإسلامية, والكمالات والمعارف, استيقظوا من نومكم وأعلموا أن الله قد أتم الحجة عليكم أكثر, وسيحاسبكم أشد, ويكون ميزان أعمالكم وعلومكم مغايراً كلياً لميـزان كافة العباد, وصراطكم أرق, وأدق ومحاسـبة الله لكم أعظم)(37)

الهوامش:
(1) الشيخ الطوسي, التبيان في تفسير القرآن: 5/32.
(2) المحدث المجلسي, بحار الأنوار: 2/111.
(3) صدر المتألهين, تفسير القرآن الكريم: 6/216-217.
(4) الحافظ الأصفهاني, حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: 8/92.
(5) الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين: 3/232، ط/دار المعارف-بيروت.
(6) ثقة الإسلام الشيخ الكليني, الأصول من الكافي: 2/315.
(7) المصدر نفسه: 297.
(8) صحيفة السجادية: دعاء/20, دعاء مكارم الأخلاق.
(9) الفيض الكاشاني, المحجة البيضاء: 6/108.
(10) المصدر نفسه.
(11) صحيفة النور: 21/19.
(12) من البيان التاريخي الذي وجهه سماحة الإمام الخميني رحمه الله إلى المراجع والعلماء والحوزات العلمية في (22/2/1989).
(13) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 1/49, كتاب فضل العلم، باب النوادر.
(14) الحر العاملي, وسائل الشيعة: 11/286.
(15) الإمام الخميني, موعد اللقاء: 114-115.
(16) المحدث المجلسي, بحار الأنوار: 73/294.
(17) الآمدي, تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 466.
(18) المحدث المجلسي, بحار الأنوار: 78/109.
(19) المصدر نفسه: 73/295.
(20) المحدث المجلسي, بحار الأنوار: 78/162.
(21) الإمام الخميني, موعد اللقاء: 116.
(22) نهج البلاغة: خطبة: 193.
(23) الشهيد الشيح حسين معن, نظرات في الإعداد الروحي: 204.
(24) الإمام الخميني, موعد اللقاء: 91.
(25) مصطلح فارسي كان يطلق على رجال الأمن في زمان شاه إيران.
(26) الإمام الخميني، موعد اللقاء: 105.
(27) العلامة الطباطبائي, الميزان في تفسير القرآن: 7/142.
(28) الشيخ ناصر مكارم الشيرازي, تفسير الأمثل: 4/313.
(29) الفيض الكاشاني, المحجة البيضاء: 1/131.
(30) المصدر نفسه: 1/135.
(31) المصدر نفسه: 131.
(32) المصدر نفسه : 134.
(33) ثقة الإسلام الشيخ الكليني, الأصول من الكافي: 1/44.
(34) الحر العاملي, جواهر السنية في الأحاديث القدسية: 255.
(35) ثقة الإسلام الشيخ الكليني, الأصول من الكافي: 1/46.
(36) المحدث المجلسي, بحار الأنوار: 2/106.
(37) الإمام الخميني, الأربعون حديثاً: 347.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com