موقع الصراط ... الموضوع : التجسيم في التعبير القرآني-1
 
الخميس - 4 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التجسيم في التعبير القرآني-1  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 14 / صفر / 1434 هـ
     
  بقلم الدكتور عقيل الخاقاني
المقدمة:
يتناول هذا البحث موضوع (التجسيم في التعبير القرآني)، للكشف عن الصور التجسيمية، والوقوف عندها، ومن ثمَّ استنطاقها وبيان عناصر الجمال فيها، والأغراض التي سيقت لها.
واقتضت طبيعة البحث أن أبدأ ـ أولا ـ بتعريف (التجسيم)، لغة واصطلاحا، ثمَّ عرضت الصور التجسيمية التي وردت في الكتاب العزيز في ثلاثة مباحث، إذ انعقد المبحث الأول على (التجسيم العقلي). وخصِّص المبحث الثاني لـ(التجسيم النفسي). أما المبحث الثالث فقد انعقد على (تجسيم الزمان)، سواءٌ أكان هذا الزمان محدودا، كالساعة والليل والنهار واليوم والشهر والسنة، أم غير محدود، كالحين والدهر والأجل. ثمَّ جاءت (الخاتمة) لتعرض أهمَّ النتائج التي توصَّل إليها البحث.
أمّا مصادر البحث فقد تنوّعت بحكم القضايا التي تناولها، وكان على رأسها القرآن الكريم، وكتب إعجاز القرآن وعلومه، وكتب التفسير، ولاسيَّما التفاسير التي عنيت بالجانب البلاغي، كتفسير (الكشّاف) للزمخشري، و(مجمع البيان) للطبرْسي. ولأنَّ البحث يصبُّ في مجرى النقد والبلاغة فقد اعتمد على كثير من المصادر والمراجع النقدية والبلاغية، ولكنّ كثرة هذه الكتب وسعة رقعتها التاريخية ألزمت الباحث بانتقاء كتب بعينها لتكون أصولا، من دون إهمال غيرها، ولاسيَّما الكتب التي انفرد أصحابها برأي أو فكرة في أيَّة قضية من قضايا البحث.

التجسيم لغة واصطلاحاً: تدلُّ مادة (جسم) على الظهور والبروز، تشهد بذلك معاجم اللغة التي استقصت هذه المادة وما اشتق منها. فالتجسيم من الجسم، والجسم: جماعة البدن أو الأعضاء من الناس والإبل والدواب إلى غير ذلك من الأنواع العظيمة الخلق. والجسم: الجسد، وجَسُم الشيء: عَظـُمَ، فهو جسيم وجُسام، والجسيم: ما ارتفع من الأرض وعلاه الماء، والأجسم: الأضخم(1).
وبعد، فإنـِّي لا أريد ـ هنا ـ التجسيم بمعناه الفكري الذي قام على بعض التصورات الخاطئة في وصف الباري عزَّ وجل، إذ اعتقدت بعض الفرق المنقرضة، ومنها: المشبِّهة أو المجسِّمة بأنَّ لله تعالى يدا ووجها وعينا، إلى غير ذلك من جوارح أخر، أو أنَّ له جسما محدودا يمكن أن يستوي أو يجلس في مكان ما، بعد أن ابتعدوا عن الواقع اللغوي الذي ينتمي إليه النصُّ القرآني في تفسيرهم لبعض آي الذكر الحكيم، ومنها قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾(2) وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾(3) وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾(4) وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾(5)، وإنَّما أريد به (التجسيم) بمعناه النقدي أو الفني الذي هو إضفاء الصفات الحسيِّة على المدركات المعنوية والذهنية والحالات النفسية، لإبرازها أجساماً ومحسوسات(6)، مثلما جاء في قوله تعالى:﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾(7)، فجسَّم الحقَّ والباطل ـ وهما معنويان ـ وكأنَّ الحقَّ جسمٌ قاتل ينزلُ من مكانٍ عالٍ ليمحقَ الباطل ويودي به.
وكان أبو الفتح عثمان بن جنّي (392هـ) قد أشار إلى هذا النوع من التصوير في أثناء كلامه على الفرق بين الحقيقة والمجاز، إذ عدَّ التجسيم ضربا من أضرب (الاتساع في اللغة)، ممثلا له بقوله تعالى:﴿ وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ﴾(8)، ذلك بأنَّ الله عزَّ وجل قد ((أخبر عن العرض بما يُخبر به عن الجوهر، وهذا تعالٍ بالعرض وتفخيم منه، إذ صُيِّر إلى حيِّز ما يُشاهد ويُلمس ويُعاين))(9).
وأشار عبد القاهر الجرجاني (471هـ) إلى التجسيم أيضا، إذ عرض خصائص الاستعارة قائلا: ((إن شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل، كأنها قد جُسِّمت حتى رأتها العيون))(10).
أما الراغب الأصبهاني (502هـ) فقد ذكر التجسيم في أثناء تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾(11)، إذ قال: ((وجعل الجوع والخوف لباسا على التجسيم والتشبيه تصويراً له وذلك بحسب ما يقولون: تدرَّع فلان بالفقر، ولبس الجوع...))(12).
هذا أهم ما جاء في كتابات القدامى في (التجسيم)، وهو ما أكده المحدثون، إذ عدّوا (التجسيم) أسلوبا من أساليب التصوير الفني في البيان العربي عامة والقرآن الكريم خاصة، بل ذهب بعضهم إلى أنَّه الأسلوب المفضل في التصوير القرآني(13).

التجسيم في التعبير القرآني:
1ـ التجسيم العقلي: ويراد به تجسيم المعاني الذهنية التي تدرك بالعقل، بحيث تبدو أجساما تُدرك بالحسِّ، ومنها: (الشك) في قوله تعالى:﴿ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾(14)، فجسَّم الشك ـ وهو أمر عقلي ـ، إذ جعله ساحة للعب أولئك المشركين واستهزائهم بدين الله الحنيف ورسالة نبيه الأمين محمد (ص)، تصويراً لعظم شكِّهم من جهة، وتبياناً لخسارهم من جهة أخرى، ذلك بأنَّ اللاعب فيما لا يصحُّ اللعب فيه عابث، والعابث خاسر. ومثله قوله تعالى:﴿ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾(15)، وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾(16)، فأصل (الخوض) هو: المشي في الماء وتحريكه، ثم استعمل في التلبس بالأمر والتصرف فيه، والخوض في مال الله هو التصرف فيه بما لا يرضاه الله تعالى، والخوض من الكلام: ما فيه الكذب والباطل(17)، لذا استعير (الخوض) للكذب على الله عزَّ وجل.
وبهذا يكون الكتاب العزيز قد جسم (الخوض)، إذ جعله مكانا أو ساحة يلعب فيها المكذبون بآيات الله البينات، إذ كانوا ينتقصون منها ويستهزئون بها بغير علم، كالخائض في الماء يطأ بغير هدى أو بصيرة، لذا توعد الله تعالى هؤلاء المكذبين بالويل(18).
وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ لفظة (الخوض) ـ وما يُشتق منها ـ لم تستعمل في الكتاب العزيز إلا فيما هو خطأ أو باطل، ويخطئ كثير من المحدثين إذ يستعملونها فيما ليس بخطأ.
ومن التجسيم العقلي ـ أيضا ـ تجسيم (الفتنة) في قوله تعالى:﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾(19)، فهذه الآية نزلت في عدد من المنافقين الذين خالفوا الرسول (ص) في الخروج إلى تبوك لجهاد الروم. ومع أنَّ المعاجم اللغوية تورد للفتنة عدَّةَ معانٍ، بيد أنَّ المراد بها ـ هنا ـ الكفر والعصيان الذي سيؤدي بهؤلاء المنافقين إلى جهنم، بدلالة قوله تعالى ـ الذي ختمت به هذه الآية ـ : ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾، ليدلَّ على سوء مصيرهم، إذ جاء مُؤَكدا بمُؤَكِّدين هما: (إنَّ) و(اللام). وبهذا يكون الكتاب العزيز قد جسم (الفتنة)، إذ بدت لنا كأنَّها مكان يسقط فيه هؤلاء المنافقون(20).
ويمكن أن يحمل هذا التعبير على التجوُّز بذكر السبب وإرادة المُسبَّب، على أنَّ هؤلاء المنافقين كانوا يبتغون الفتنة التي ستكون سببا في عذابهم، أي أنَّ الله عزَّ وجل قد عبّر بالفتنة عن العذاب الذي تسبَّب عنها.
ومنه قوله تعالى: (ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ)(21)، أي: ذوقوا عذابكم(22)، ذلك بأنَّ الفتنة هي السبب في عذاب هؤلاء المنافقين. وهذا الأسلوب من أساليب المجاز المرسل، إذ يُذكر السبب ويُراد به المسبَّب.
وثمّة صورة تجسيمية عقلية أخرى تتمثل في تجسيم (الكيد)، في قوله تعالى: (فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى)(23)، وقوله تعالى ـ في السورة نفسها ـ : (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنْ اسْتَعْلَى)(24)، فالمراد بـ(الكيد): المكر والاستدراج، أو هو ضرب من الاحتيال والاجتهاد في معالجة الأمور، لذا سمِّيت الحرب كيدا ومكيدة(25). ويقول الراغب الأصبهاني في (المفردات): ((قد يكون الكيد مذموماً وممدوحاً وإن كان استعماله في المذموم أكثر))(26). فهو ـ إذن ـ شيءٌ عقلي يُتوصل بظاهره إلى أمرٍ خفيٍّ، فلا يُوصف المرء به أو ينسب إليه إلا وهو يدبِّر أمراً بخفاء(27)، أمّا النصُّ القرآني فقد جسَّمه إذ جعله شيئاً قابلاً للتجمع والوصف، تعبيراً عن ذلك الباطل المتراكم، على أنَّ فرعون لم يجمع (الكيد)، وإنَّما جمع السحرة لمنازلة موسى (ع)، ولكنَّ (الكيد) كان عدَّتهم ووسيلتهم في هذه المنازلة، بعد أن اعتادوا على خداع الناس بسحرهم. ولما انتهى الأمر بخسارهم وبطلان كيدهم آمنوا بالله عزَّ وجل، إذ أدركوا الفارق بين ما هو وهمٌ وسحر وما هو حقيقة ومعجزة.
ويرسم لنا القرآن الكريم صورة تجسيمية أخرى لـ(الكيد)، يؤكد فيها أنَّ الاستدراج نوع من أنواع الكيد، وأنَّ الكيد يمكن أن يستعمل فيما هو ممدوح، وذلك في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)(28)، فيبدو لنا (الكيد) وكأنَّه حبلٌ أو شيء قوي أو شديد، إذ يصف الله عزَّ وجل كيده بأنَّه (متين)، استدراجا للكافرين، حين يجعلهم في سعةٍ ورغدٍ من العيش، ويُملي لهم ليزدادوا إثما، فيحسبون ذلك إنعاما عليهم، حتّى يأتيهم الهلاك أو العذاب بغتة، وهم في الغفلة سادرون(29).
ومنه ـ أيضاً ـ قوله تعالى: (أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ)(30)، فالمراد بـ(الأمر) ـ هنا ـ : الكيد، وأصل الإبرام من: إبرام الحبل، وهو ترديد فتله، والمبرم: الذي يُلحُّ ويُشدِّد في الأمر تشبيها بمبرِم الحبل(31).
وهذا يعني أنَّ الكتاب العزيز قد جسَّم (الأمر) أو الكيد لبيان شدِّة وإحكام ما كان يدبره مشركو مكة من كيدٍ ومكرٍ برسول الله (ص). وإذا كان المشركون قد (أبرموا أمراً) فإنَّ الله عزَّ وجل أراد أن يُشعرهم ببطلان كيدهم، مهما عظُم واستحكم، وأنَّه قد أعدَّ لهم من الكيد ما هو أشدُّ وأقوى، إذ عبَّر عن (أمرهم) أو كيدهم بصيغة الفعل الماضي (أبرموا)، أمّا (أمره) أو كيده فقد عبَّر عنه بصيغة اسم الفاعل الذي يدلُّ على الثبات والاستمرار، كي يزرع اليأس والإحباط في نفوسهم، ويشتت أمرهم.
ويمكن أن يحمل على التجسيم العقلي كثيرا ممّا جاء في التعبير القرآني من المجاز العقلي، بعلاقته السببية، إذ تسند الأشياء إلى أسبابها. ومنه قوله تعالى: (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ)(32)، فجسَّم (اليقين)، إذ أسند (الإتيان) إليه، لأنَّ اليقين ممّا يدرك بالعقل، وهو لا يأتي وإنّما يؤتى به.
ومثلما جسم الكتاب العزيز (اليقينَ) فقد جسَّم (الحقَّ)، إذ أسنده إلى سببه أيضا، وذلك في قوله تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ)(33)، لأنَّ الحقَّ لا يجيء وإنما يُجاء به.
وكذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى)(34)، فالمراد بـ(الهدى): البيان والرشاد بالكتاب العزيز والرسول الكريم (ص)(35)، والبيان والرشاد ممّا يدركان بالعقل، وهما لا يجيئان وإنّما يجاء بهما، لذا حمل هذا التعبير على التجسيم العقلي.

2ـ التجسيم النفسي: ويُراد به تجسيم المعاني النفسية، بحيث تبدو كأنَّها أجسام تدرك بالحس. ومن أمثلة هذا اللون من ألوان التصوير الفني في التعبير القرآني، قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا)(36)، فهذه الآية نزلت في يهود بني قريضة، إذ حاصرهم المسلمون، حتّى أجهدهم الحصار، فخرجوا من صياصيهم، أي من حصونهم، بعد أن ملأ الله عزّ َوجل قلوبهم بالخوف من النبي محمد (ص) وأصحابه المؤمنين رضوان الله عليهم(37).
من هنا نستطيع أن ندرك سرَّ الاستعمال القرآني للفعل (قذف) بدلا من (ألقى)، لأنَّ القذف يعني الرمي البعيد(38)، وهو ما يتناسب مع طبيعة الموقف الذي تتحدث عنه هذه الآية، إذ كان اليهود متحصنين، لذا لا بدَّ من أن يُقذف الرعب في قلوبهم لا أن يُلقى.
وإذا ما علمنا بأنَّ (الرعب) لا يعني الخوف فحسب، وإنّما يعني الامتلاء من الخوف(39)، فسيتبين لنا السرَّ البياني في استعمال (الرعب) بدلا من الخوف، لأنَّ الخوف وحده قد لا يكفي مع هؤلاء الكافرين، لذا لا بدَّ من أن تمتلئ قلوبهم بالخوف، كي يحلَّ ما حلَّ بهم من قتلٍ وأسر، بعد أن نقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله (ص). وبهذا يكون الكتاب العزيز قد جسَّم (الرعب) أو الخوف، إذ جعله جسما حادّا يُقذف أو يُرمى من بعيد لينفذ إلى قلوب هؤلاء المنكرين للرسالة الإسلامية.
ومن التجسيم النفسي ـ أيضاً ـ تجسيم (الصبر) في قوله تعالى: (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا)(40)، فالصبر من المعاني النفسية، والعرب تقول: أفرغت الدلو، أي: صببتُ ما فيه، ومنه استعير: ((أفرغ علينا صبراً))(41). وقد وردت هذه الاستعارة التجسيمية في موضعين، عبَّر بهما القرآن الكريم عن موقفين، احتاج في كليهما المؤمنون إلى أن يصبَّ الله عزَّ وجل عليهم الصبر صبا. فلما آمن سحرة فرعون بموسى (ع)، بعد ما رأوه من الآيات البينات، كان فرعون قد توعَّدهم بأن يقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويصلّبهم في جذوع النخل، على أنَّهم آمنوا بالله عزَّ وجل قبل أن يأذن لهم، إذ كان يرى أنَّه ربُّهم الأعلى، كفرا وطغيانا، لذا دعوا ربَّهم، ربَّ موسى وهارون، أن يلطف بهم، فيفرغ عليهم من الصبر ما يعينهم على تحمُّل ما سيصيبهم من العذاب ويثبّت إقدامهم، وكأنِّي بلسان حالهم يقول: ربَّنا أفرغ علينا كلَّ ما لديك من الصبر، وذلك لشدِّة وهول ما كان ينتظرهم من بلاء.
ومثل هذا يمكن أن يقال في طالوت وجنوده، بعد أن تخلّف المنافقون وتفرّق المتخاذلون عنهم، ولم يبقَ مع طالوت إلا فئة قليلة ليقاتلوا وينتصروا على جالوت وجنوده، وهم فئة كثيرة، لذا دعت هذه الفئة القليلة المؤمنة ربَّها بالدعاء ذاته الذي دعا به سحرة فرعون، إذ قالوا: ((ربنا أفرغ علينا صبرا))، كي لا يجزعوا ممّا يصيبهم وينتصروا على القوم الكافرين.
ومثلما أفرغ الله صبرا على المؤمنين من سحرة موسى وجنود طالوت، فقد أنزل سكينته على رسوله محمد والفئة القليلة من المؤمنين الذي ثبتوا معه في يوم حنين، فعُدَّ قوله تعالى: (أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ)(42)، من صور التجسيم النفسي في التعبير القرآني، وذلك بدلالة الفعل (أنزل)، لأن (السكينة) ليس ممّا يُنزل أو يُنزَّل، فهي من المعاني النفسية التي يُراد بها: الرحمة والطمأنينة، أو هي كلُّ ما تسكن إليه النفس وتطمئن به فيزول الخوف معها(43). ولعلَّ في استعمال الفعل (أنزل) ـ من دون تشديد ـ ما يشير إلى إنزال هذه (السكينة) دفعة واحدة، لأنَّ استعمال الفعل مشددا (نزَّل) يفيد ـ فيما يفيده ـ التدرّج في حدوث الفعل، أمّا طبيعة الموقف الذي تتحدث عنه هذه الآية فتقتضي أن يُنزل الله عزَّ وجل سكينته على الرسول ومن ثبت معه من المؤمنين دفعة واحدة، بعد أن فرَّ الناس في يوم حنين، ولم يبقَ مع الرسول إلا نفرٌ قليل من أهل بيته وأصحابه، فكان إنزال السكينة عونا داخليا للرسول ومن معه من المؤمنين، أي من داخل أنفسهم، أمّا إنزال الجنود ليقاتلوا معهم فقد كان عونا خارجيا، وذلك بدلالة قوله تعالى ـ في الآية نفسها ـ : (وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ). وبهذا استطاع هؤلاء المؤمنون أن يثبتوا في تلك المعركة ويحققوا النصر على أعدائهم، برغم قلتهم بعد أن خذلهم من كانوا معهم.
ومن صور التجسيم النفسي ـ أيضا ـ تجسيم (الذلة والمسكنة) في قوله تعالى: ((وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ)(44)، تعبيرا عن مقدار الذل الذي لحق باليهود الذين ((كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق))، أي أنَّ الذلَّ قد أحاط بهؤلاء الكافرين واشتمل عليهم، مثلما تشتمل القبة على أهلها وتحيط بهم، إذ تضرب عليهم، فهم ـ إذن ـ قوم صاغرون، أذلاء، بل هم مقيمون في الذلة، غير ظاعنين عنها، وقد باءوا بغضب الله عزَّ وجل(45).
وتعدُّ استعارة (الأوزار) للآثام والهموم من الصور البيانية الموحية والمؤثرة التي تقوم على التجسيم النفسي. فالمراد بـ(الوزر): الثقل، تشبيها بوزر الجبل، لذا عبّر القرآن الكريم عن الآثام والهموم بالأوزار، بجامع المشقة الناتجة عن أحدهما(46).
ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ)(47)، أي: ((وأزلنا عنك همومك التي أثقلتك من أذى الكفار، فشبَّه الهموم بالحمل، والعرب تجعل الهمَّ ثقلاً))(48). وبهذا يكون الكتاب العزيز قد جسَّم الهمَّ النفسي الذي يصيب الإنسان ويفوق ألمه (الوزر) أو الثقل الحسي الممثل به.
وتشير الدكتورة بنت الشاطئ إلى أنَّ ثمة علاقة بين هذه الآيات وقوله تعالى: (ووجدك ضالاً فهدى) الذي ورد في سورة الضحى ـ، إذ تفسر (الضلال) بالحيرة وعدم الاهتداء إلى سواء السبيل ـ قبل البعثة النبوية الشريفة ـ، حتى هدى الله تعالى نبيَّه ووضع عنه ذلك الوزر الذي بلغ من فداحة ثقله أن أنقض ظهره، لفرط ما كان يشعر به (ص) من وطأة الحيرة، وضلال السبيل إلى الحق الذي تطمئن به نفسه(49).
أما التعبير بـ(الأوزار) عن الآثام، على سبيل التجسيم النفسي، فيتمثل في قوله تعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ)(50)، ذلك بأنَّ المراد بـ(الأوزار) ـ هنا ـ: ذنوب وآثام أولئك الذين كذبوا بما وعد الله عزَّ وجل من البعث والثواب والعقاب، ثمَّ ندموا على ما فاتهم في الحياة الدنيا، بعد أن جاءتهم الساعة بغتة، وتبيّن لهم بطلان ما كانوا يدعون(51).
وبهذا يكون الكتاب العزيز قد جسَّم الذنوب والآثام، إذ جعلها ممّا يحمل على الظهور، تشبيها لها بالأوزار أو الأثقال التي يحملها الإنسان على ظهره. وإذا كانت الأوزار أو الأثقال قد استعيرت للذنوب والآثام، بجامع المشقة، فإنَّ المشقة الجسدية التي تسببها هذه الأحمال أو الأثقال يمكن أن يضعها حاملها ويستريح منها، كلما أحسَّ بثقلها أو تعب من حملها. ولكنَّ المشقة النفسية التي تنتج عن الذنوب والآثام التي يقترفها الإنسان ولم يتب عنها أو يندم عليها في حياته، فإنَّه يبقى ينوء بحملها، ولا يستطيع أن يتخلص أو أن يستريح منها، إذ تبقى ترافقه وهو يواجه عرصات القيامة، حتى يقاد بها إلى جهنم. من هنا نستطيع أن ندرك السرَّ البياني في استعمال هذه الاستعارة التجسيمية، إذ ترسم لنا أشخاصاً يحملون أثقالاً على ظهورهم، لا يملكون حرية وضعها أو الاستراحة منها، وهم في طريقهم إلى جهنم، وبهذا تتضاعف عليهم الشدائد النفسية، إذ يواجهون ما كانوا يكذبون به(52).

الهوامش:
(1) أنظر: لسان العرب، والقاموس المحيط، مادة (جسم).
(2) الفتح: 10.
(3) الإنسان: 9.
(4) القمر: 14.
(5) طه: 5.
(6) أنظر: التصوير الفني في القرآن الكريم، سيّد قطب: 63.
(7) الأنبياء: 18.
(8) الأنبياء: 75.
(9) الخصائص، لأبي الفتح عثمان بن جنّي، تحقيق: محمد علي النجار: 3/443، 444.
(10) أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، تحقيق: هـ.ريتر: 41.
(11) النحل: 112.
(12) المفردات، الراغب الأصبهاني، مادة (لبس).
(13) أنظر: التصوير الفني في القرآن: 63.
(14) الدخان: 9.
(15) الأنعام: 91.
(16) الطور: 11، 12.
(17) أنظر: لسان العرب، مادة (خوض).
(18) أنظر: النكت في إعجاز القرآن، الرمّاني، تحقيق: محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام: 84، ونهاية الإعجاز في دراية الإعجاز، فخر الدين الرازي، تحقيق وتقديم: د. إبراهيم السامرائي ود. محمد بركات حمدي أبو علي: 133، ومفتاح العلوم لأبي يعقوب يوسف بن أبي بكر السكاكي، تصحيح: أحمد اسعد علي: 184، والبرهان في علوم القرآن، بدر الدين الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم: 3/443، والإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي، تحقيق، محمد أبو الفضل إبراهيم: 3/137.
(19) التوبة: 49.
(20) أنظر: مجمع البيان، لأبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي: 5/37.
(21) الذاريات: 14.
(22) أنظر: المفردات، مادة (فتن).
(23) طه: 60.
(24) طه: 64.
(25) أنظر: لسان العرب، مادة (كيد).
(26) المفردات، مادة (كيد).
(27) أنظر: التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور: 13/3.
(28) الأعراف: 182، 183.
(29) أنظر: مجمع البيان: 4/504.
(30) الزخرف: 79.
(31) أنظر: المفردات، مادة (برم).
(32) المدثر: 46، 47.
(33) ق: 5.
(34) النجم: 23.
(35) أنظر: مجمع البيان: 10/177.
(36) الأحزاب: 26.
(37) أنظر: مجمع البيان: 8/351.
(38) أنظر: المفردات، مادة (قذف).
(39) أنظر: المصدر نفسه، مادة (رعب).
(40) البقرة: 250.
(41) أنظر: المفردات، مادة (فرغ).
(42) التوبة: 26.
(43) أنظر: مجمع البيان: 5/17، ولسان العرب، مادة (سكن).
(44) البقرة: 61.
(45) أنظر: الكشاف: 1/145، 146، 402.
(46) أنظر: المفردات، مادة (وزر).
(47) الشرح: 1ـ3.
(48) مجمع البيان: 10/508.
(49) أنظر: التفسير البياني للقرآن الكريم: 1/61.
(50) الأنعام: 31.
(51) أنظر: مجمع البيان: 4/292.
(52) أنظر: دراسات فنية في صور القرآن، د. محمود البستاني: 149، 150.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com