موقع الصراط ... الموضوع : حكمة زيارة القبور
 
الخميس - 7 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  حكمة زيارة القبور  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 16 / صفر / 1434 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
حكمة زيارة القبور :
حكمة زيارة القبور لم تكن زيارة القبور مجرد تسلية للنفس، أو قضاء للوقت، وإنما هي عملية تربوية يتذكر فيها الإنسان الذين عايشهم، وكانوا معه يأكلون، ويشربون، ويعملون و... والآن هم تحت الجنادل تأكل لحومهم ديدان الأرض، وبهذا التفكير يعمق الإنسان إيمانه بيوم الدين، ويركز الخوف من الله في نفسه، ويلقنها دروساً تربوية رائعة، ويوحي لها بالفناء والرحيل عن هذه الدنيا، فيا له من درس عميق الدلالة! هذا ما كان رسول الله (ص) يفعله فتراه يخرج آخر الليل إلى البقيع، ويقول: ((السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وآتاكم ما توعدون غداً، مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون))(1).
وهكذا كان أولياء الله يحاسبون أنفسهم، ويلقنّونها الدروس والعبر، يقول الزهري: ((سمعت علي بن الحسين سيد العابدين (ع) يحاسب نفسه، ويناجي ربه ويقول: يا نفس حتّام إلى الدنيا غرورك؟ وإلى عمارتها ركونك؟ أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك ، ومن وارته الأرض من أُلافك؟ ومن فجعت به من إخوانك، ونقل إلى البلى من أقرانك؟ .
فهم في بطون الأرض بعد ظهورها *** محاسنهم فيها بوال دواثر
خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم *** وساقتهم نحو المنايا المقادر
وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها *** وضمتهم تحب التراب الحفائر
كم تخرمت أيدي المنون من قرون بعد قرون؟ وكم غيّرت الأرض ببلاها؟ وغيّبت في ثراها ممن عاشرت من صنوف الناس وشيعتيهم على الأرماس؟ . وأنت على الدنيا مكب منافس *** لخطّائها فيها حريص مكاثر
على خطر تمسي وتصبح لاهياً *** أتدري بما لو عقلت تخاطر
وإن امرءاً يسعى لدنياه دائباً *** ويذهل عن أخراه لا شك خاسر))(2)
هذا جزء من رواية طويلة للإمام زين العابدين (ع) رواها بن عساكر في تاريخه تعبر عن طريقة تربوية إيجابية للنفس، لتحد من طموحها الدنيوي، وطول أملها إذن لم تكن زيارة القبور عملية عبثية، ولا المقصود منها عبادة الموتى كما صورتها الوهابية الضالة.
والحكمة الأخرى لزيارة القبور هي: التواصل الإنساني مع الميت، وفاءاً لبعض حقوقه حيث انقطعت علاقته بالدنيا فينبغي لمحبيه وعارفيه الدعاء والترحم والاستغفار له كما ثبت عن رسول الله (ص) في زيارته لأهل البقيع قال السبكي: ((وهذا مستحب في حق كل ميت))(3).
فقد روى بن عباس قال: ((قال رسول الله : ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه وردَّ عليه السلام))(4) .
كما أن الزيارة لقبر الميت رحمة له، ورِقّة وتأنيساً له، فقد روي عن النبي (ص) أنه قال: ((آنس ما يكون الميت في قبره إذا زاره من كان يحبّه في دار الدنيا))(5).
ومن حكمة الزيارة للقبور لاسيما الأنبياء والمرسلون وأوصياؤهم استلهام الدروس والعبر من حياتهم الشريفة، يقول تعالى: ((وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين))(6)
((لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون))(7)
فالإنسان المؤمن الواعي الكادح إلى الله عندما يقف أمام قبور العظماء يستعيد في ذهنه سيرة هذا العظيم، ويستلهم من حياته الصبر على مواصلة السير والسلوك إلى الله، ولعل أهم ما في زيارة القبور هو هذا الدرس العظيم حيث يقتدي بهم ويتأسى بسيرتهم، وبهذا أمرنا الله تعالى بقوله: ((قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين ... * لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر))(8)
وقال لنبيه (ص) بعد أن ذكر عدداً من الأنبياء والمرسلين: ((أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجراً إن هو إلا ذكرى للعالمين)) (9).
ولا شك أن المؤمن عندما يقف على قبر رسول الله (ص) أو قبر أي نبي، أو وصي نبي يسّتحضر تعاليمه وهداه، وهذا أكثر تأثيراً في النفس مما لو كان تصوراً مجرداً بعيداً عنه فالاستغفار عند أضرحتهم، والدعاء فيها، يولد الرقة، ويفيض الدمعة،ويرسّخ العِبرة،وما أجمل ما استدل به السبكي على شرعية زيارة قبر الرسول (ص) من قوله تعالى: ((وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً))(10) .
يقول: ((دلت الآية على الحث على المجيء إلى الرسول (ص) والاستغفار عنده واستغفاره لهم، وذلك وإن كان ورد في حال الحياة، فهي رتبة له (ص) لا تنقطع بموته تعظيماً له.
فان قلت: المجيء إليه في حال الحياة؛ ليستغفر لهم، وبعد الموت ليس كذلك؟ .
قلت: دلت الآية على تعليق وجدانهم الله تعالى توّاباً رحيماً بثلاثة أمور: المجيء، واستغفارهم، واستغفار الرسول.
فأما استغفار الرسول: فإنه حاصل لجميع المؤمنين؛ لأن رسول الله (ص) استغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات؛ لقوله تعالى: ((واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات))(11).
ولهذا قال عاصم بن سليمان - وهو تابعي - لعبد الله بن سرجس الصحابي: استغفر لك رسول الله (ص) ؟ .
فقال: نعم، ولك، ثم تلا هذه الآية. رواه مسلم))(12) .
فقد ثبت أحد الأمور الثلاثة؛ وهو استغفار رسول الله (ص) لكل مؤمن ومؤمنة فإذا وجد مجيئهم واستغفارهم تكمّلت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله ورحمته... فقد ثبت على كل تقدير أن الأمور الثلاثة المذكورة في الآية حاصلة لمن يجيء إليه (ص) مستغفراً في حياته، وبعد مماته(13).
وتواصل الحث والتأكيد حتى أصبحت الزيارات شعاراً من شعارات الشيعة ووسيلة يتقربون بها إلى الله تعالى فلم تكن الزيارة للتسلية والترفيه، وليست عملاً دنيوياً بل هي عبادة روحية وبدنية يراد بها التقرب إلى الله تعالى بتكريم عباده الصالحين كما أنها لم تكن مجرد تكريم لإنسان ميت، وإنما هي عمل عبادي خالص لله تبارك وتعالى ذات أبعاد تربوية، وعقائدية، وفكرية تبني شخصية الزائر، وتشده إلى مسيرة المزور وعقيدته.

الهوامش:
(1) النووي، شرح صحيح مسلم: 7/ 44.
(2) ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق: 17/249-253.
(3) السبكي، شفاء السقام في زيارة خير الأنام: 191.
(4) المصدر نفسه.
(5) المصدر نفسه.
(6) هود: 120.
(7) يوسف: 111.
(8) الممتحنة: 4-6.
(9) الأنعام: 90.
(10) النساء: 64.
(11) محمد: 19.
(12) صحيح مسلم: 7/86، كتاب الفضائل، باب إثبات خاتم النبوة، وفي طبعة (4/1823) وانظر الشمائل للترمذي: 22.
(13) السبكي، شفاء السقام في زيارة خير الأنام الطبعة الرابعة عام 1419هـ:181-182.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com