موقع الصراط ... الموضوع : الداعية الشهيد الشيخ جليل مال الله الربيعي
 
الجمعة - 9 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الداعية الشهيد الشيخ جليل مال الله الربيعي  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 2 / ربيع الأول / 1434 هـ
     
  الشيخ جليل الربيعي
بقلم الشيخ جميل الربيعي
في قرية من قرى محافظة ديالى البعيدة عن العلم والعلماء، وفي مجتمع لا يعرف من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه امتدت إليها إشعاعات نور بعثها الرائد الإسلامي الشيخ عبد الحسين آل خليفة، وبفضل تلك الإشعاعات انبعث معالم الوعي الإسلامي من خلال تعليم القرآن والصلاة في مسجد القرية الوحيد، وهو جامع (الحاج علي العبد) الذي كان يؤمه المسلمون سنة وشيعة أخواناً متآلفين، ومن تلك الحركة البدائية تخرج مجموعة من الشباب المؤمنين منهم الشيخ جليل مال الله، وعبد الجبار محمود، وعبد الغني مجباس، ونصيف جاسم المراد، وغيرهم رحمهم الله تعالى، ثم أنشئت بعد التطور والنمو الفكري في المنطقة مسجد وحسينية الإمام المنتظر (ع) في القرية وكانت بحق مركز إشعاع فكري وتربوي، وأسست فيها مكتبة ضمت المئات من المؤلفات العلمية خصوصاً في التفسير والسيرة والأخلاق وعلم النفس، وكان لها دور فعال في نشر الوعي الإسلامي إلا أن الظالمين في عصر الفتنة الطائفية فجروها وأحرقوا المكتبة عدواناً على دين الله.
نشأ الشيخ جليل في بيت تسوده العفة بكل معناها الروحي والنفسي والأخلاقي حيث كان الوالد يكره حزب البعث، ويُوَهن به، وكان ذلك سبباً في عدم وقوعنا في شباكه الشيطانية حيث كان الشباب ينتمون إليه ليُقْبلوا في المعاهد والكليات إلا أن الوالد قال لنا: عيشوا أحراراً من عرق جبينكم, ولا يخدعنكم هؤلاء الأوباش.
كان الشهيد شاباً شهماً شجاعاً أبيّ النفس يرفض كل أنواع الإذلال أو التراجع عن مبدئه، وكنت أحاول أن أنميه فكرياً إلا أن قلة الكتب الإسلامية, وانتشار كتب الروايات والقصص الأدبية التي كان يروجها المعلمون آنذاك غلبت عليَّ، فصاروا يزودونه كل يوم بقصة لكبار القصاص كنجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، ونجيب الكيلاني، وفكتور هيجو، و... ولم أكن أملك في ذلك الوقت غير كتاب شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد بأوراق صفراء، وهو من الكتب القديمة، وفي هذه الأثناء كنت أُرَغِّب أخي بالانتماء إلى الحوزة العلمية في النجف الأشرف إلا أن بريق الكليات العسكرية، والتربية الرياضية، والعلوم، والهندسة كانت تخطف الأبصار، وبعد اللتي واللتيا أقنعته أن يقرأ كتاب (التكامل في الإسلام) لأحمد أمين، وكنت أصطحبه لحضور مجلس الشيخ جعفر العتابي في المقدادية، ومحاضرات السيد عبد الكريم علي خان في بعقوبة، إضافة إلى المجلس الأسبوعي عند قدوم الشيخ عبد الحسين آل خليفة ومبيته عندنا وتنويره لنا بالأدب الرفيع، فقد كان أخي محباً للأدب، نهماً في قراءة الكتب الأدبية حتى قرأ العشرات من القصص والروايات الأدبية حتى صار عاشقاً للأدب، وكان ذلك ظاهراً في أسلوبه الخطابي والكتابي.
الشيخ جليل الربيعي
ومن لطف الله تعالى ما أن أكمل كتاب التكامل في الإسلام حتى صار يلح على الذهاب إلى الحوزة العلمية في النجف الأشرف، وهنا عارضت أنا هذه المرة؛ لأزيد شوقه إليها، إلى أن ذهب إلى الشيخ جعفر العتابي وطلب منه أن يتكلم معي؛ ليقنعني بالموافقة على الذهاب إلى النجف، وتحصيل قبول له... وتحقق ما أردتُ، فذهبت إلى النجف، وأنا أحمل رسالة من أحد الوكلاء إلى الشيخ مهدي العطار قدس سره، وكان لقائي بالشيخ العطار نقطة تحول أخرى في حياتنا حيث صرنا نتطلع إلى الحوزة العلمية، وما هي إلا أيام قلائل حتى أصبح في مدرسة البغدادي في النجف، وقد احتضنه خيرة الطلبة والأساتذة المربين.
وفي نفس الوقت قُبِلَ في كلية الفقه، ومن مدرسة البغدادي تشكلت له علاقات مع خيرة الطلبة الواعين كالشيخ عباس داغر، والشيخ سهيل البصري، والشيخ عبد الأمير الساعدي، والسيد محمد حسين المبرقع، و... وكان لحضوره المجلس اليومي للسيد الشهيد الصدر دور فعال في تنمية قابلياته الفكرية والروحية إضافة لدروسه الحوزوية، كما وحضر محاضرات الشيخ محمد مهدي الآصفي القرآنية فبهر بها وعلى أثرها صار له اهتمام خاص بالقرآن.
وما مضت فترة قصيرة حتى حضر مجلس العالم الرباني الفقيه الكبير الشيخ محمد أمين زين الدين مع صديقه الحميم فارس العامر، وعرفني على الشيخ زين الدين، وكانت نقطة انطلاق روحية، وفكرية، وأدبية في حياته، فقد راح ينهل من فيض هذا العالم في كل يوم، ويتزود من أخلاقه، ومن خلال ارتباطه بالطلبة الحركيين انغمر بالدرس والتدريس والعمل الحركي حتى كان حركة دائبة لا يعرف التوقف خصوصاً بعد تعرفه على الشيخ حسين معن الذي عرف بالجدية والعمق الفكري، وازدادت علاقتهما حين صاهر الشيخ حسين معن.
الشيخ جليل الربيعي
وهكذا أمضى فترة سنوات لا تتعدى أصابع اليد، قطع مراحل علمية رائعة، فأكمل المقدمات والسطوح، وتخرج في كلية الفقه، وأصبح معروفاً في الوسط الطلابي بجديته وحركيته، ولم يخفَ ذلك على البعثيين الأوغاد، وراحت التقارير والوشايات تكتب عنه، حتى أُخِذَ واعتقل في ما يسمى بمديرية أمن الكوفة لفترة من الزمن، وكان قد تعرض لتعذيب رهيب، ولما لم يحصلوا منه على كلمة واحدة حجزوه في غرفة على السطح في شهر تموز ومنعوا عنه الماء لمدة 24 ساعة كان رحمه الله يقول: كنت من شدة العطش يغمى عليَّ وأكاد أفقد وعيي، وعندما أتذكر عطش الحسين (ع) كان الألم يزول عني، وهكذا استمر مقاوماً إلى أن فرج الله عنه.
وما أن خرج من السجن حتى عاد يواصل جهاده بشدة وقوة إلى أن داهموه في مدرسة البغدادي في نصف الليل، واستطاع أن يفلت من قبضتهم بالقفز من الطابق الثاني إلى سطح مجاور للمدرسة، ولم يكتفوا بالمطاردة في بالمدرسة، فتابعوه إلى حرم كلية الفقه، ورقن سجله، ثم طاردوه في محافظة ديالى، وبقينا في حيرة أين نخفيه، وفي هذه الظروف الحرجة اقترح عليَّ الشهيد عبد الجبار محمود الربيعي أن يقيم معه في بغداد حيث كان ثلاثة شبان من الدعاة قد استأجروا غرفة في منطقة البتاوين، وجلس معهم لعدة أشهر، وفي هذه الاستراحة قرر أن يحفظ قسماً من القرآن ونهج البلاغة، فحفظ أربعين سورة من القرآن ومثلها من خطب نهج البلاغة، ولما هدأت المطاردة عاد إلى النجف الأشرف، واقترن بأخت الشهيد الشيخ حسين معن، وتَوَّجَهُ السيد الشهيد الصدر بالعمامة، وبعد فترة يسيرة أمره الشهيد الصدر أن يواصل التبليغ لثلاثة أيام في محافظة ديالى في قرية القصيرين.
وهنا برزت قدراته الفكرية والخطابية والاجتماعية في فترة قصيرة من مراجعته لهذه القرية حتى أثر تأثيراً كبيراً في نفوس أهلها شباباً وشيباً حتى ضاق المسجد بالمصلين حتى اضطروا لتوسيعه، ولم يتوقف بحركته على هذه القرية بل راح يتحرك وفق المخطط المرسوم بالحركة على أغلب المدن والقرى المحيطة من خلال العمل على ملء المناطق المهمة بالعلماء، ومشاركته بالاحتفالات مع العلماء الباقين كالسيد عبد الرحيم الياسري، والسيد محمد حسين المبرقع، والسيد عباس الحلو.
الشيخ جليل الربيعي
وفي أيام الحصار على السيد الشهيد الصدر كان له دور فعال في تهيئة الوفود من مختلف مناطق ديالى لزيارة السيد الشهيد، وفي أحد الاحتفالات في بعقوبة تحدى حزب البعث وجلاوزته وتحدث بقوة وشدة عن جريمة احتجاز السيد الشهيد، وكان مدير أمن بعقوبة جالساً، فقال: والله لأقطعن لسانه إلا أنه ما أن نزل من المنبر حتى خرج ومعه اثنان من الأبطال وكانوا مسلحين (بالقامات) تحت ملابسهم، ولم يستطيعوا أن يداهموه، فلاحقوه إلى قرية القصيرين، ولكنه تسلح ونزل إلى البساتين ومعه اثنا عشر مجاهداً، ودخلوا في معارك مع حزب البعث إلى أن استطاعوا أن يخرجوه ويرجع إلى النجف.
وعلى كل حال كان رحمه الله متفانياً في الدفاع عن دينه بهمه عاليه، لا يعرف التراجع والخور أبداً؛ ولذا بقي عدة سنين مطارداً, ولم يستسلم، بل كان يسدد الدعاة , ويمدهم بالصمود والعزيمة والثبات بل كان بيته في النجف ملجأ للمجاهدين فقد كان ثمانية من المجاهدين يتخذون من بيته منطلقاً للتحرك، أذكر منهم الحاج كاظم ضيف، وأخاه الشيخ قاسم ضيف، ومحمد جواد الجابري، وبعضهم لا يزال حياً نترك ذكر ذلك.
عرف الشيخ جليل بتدينه الواعي، وإيمانه الراسخ, وخلقه السامي، وثقافته الواسعة في مختلف أبواب العلم من التفسير, والحديث، والفقه، والأصول، وعلم النفس, والاجتماع , والأخلاق، والأدب، والسيرة، وله بحوث علمية وأدبية صودرت مع بيته ومكتبته بعد أن داهموا بيته، واحتجزوا عائلته وأطفاله الذين قضوا مدة في السجن وعمر كبيرهم 6 سنوات بعد أن ذاقوا الأمرين من التعذيب، والتهوين هم ووالدتهم وجَدَّهم وخالاهم الشيخ حسين وعدنان وهم الوحيدون الذين خرجوا من السجن أحياء بعد أن أعدموا جدهم الحاج معن وخاليهم وخالتهم، ولما اشتدت المحنة علينا، وطوردنا في كل مكان حتى لم يعد لنا مأوى نستقر به أكثر من ليلة قررتُ أنا الهجرة إلى خارج العراق, وحين خرجت من بيته بصحبة الأخ السيد أبي إخلاص متجهين إلى الحدود، ودَعُني وكان صلباً جداً، قلت له: أخي جليل، أنا أرى أن تخرج بعد أن أصل أنا إلى المقصد، فأجابني بلغة أدبية رائعة، قال: أنت تعرف أنني لم أقل لك (لا)، ولا رددت لك مطلباً, ولكن في هذا الأمر أقول لك أنا أعرف بتكليفي الشرعي، فلما ألححت عليه قال بانفعال: اعلم والله وبالله وتالله لن أخرج من العرق، ولن أعطِ يدي بيد شرطي من شرطة صدام حتى أضرج في دمي.
ولما تركته ذهبت والحسرة تملأ قلبي, ويا ليتني بقيت واستشهدت معه، وبعد ذلك وصلتني أخباره بأنه شَكّل مع بعض المؤمنين مجموعة فدائية لاغتيال المحاصرين لبيت السيد الشهيد الصدر، وقد غير زيه العلمائي، ولبس ملبساً مدنياً، وراح يواصل فاعليته الجهادية في بغداد والنجف وغيرها من المدن، وأقام في بغداد في مدينة الثورة (الصدر حالياً)، ودوهموا هو وأصحابه , واستطاعوا التخلص، وانتقلوا إلى منطقة (الدورة)، واتخذوا مقراً جهادياً مع بعض عوائل المجاهدين المطاردين هو والشيخ قاسم ضيف والمهندس ثائر من البصرة، واستمر ذلك أربعة أشهر، وبعد ذلك داهمهم ما يسمى بالجيش الشعبي والأمن بعدد هائل على ما نقل لي الناجين، فقرروا أن لا يستسلموا، وقاوموا لمدة ثلاثة ساعات وقَتَلوا مقتلة كبيرة من جلاوزة الأمن كان من ضمنهم ضباط كبار إلى أن أصيب هو وصاحبه برصاص قناص في جبهته وخرَّ صريعاً... ولم يستطع الجبناء أن يقتحموا البيت إلا بعد أن سكت الرصاص، وحملوا جثثهم ووضعوها في ساحة من ساحات بغداد لعلَّ أحداً يعرفهم أو يقترب منهم، وبعد يومين أخفوا الجثتين، ولم نعرف أين دفنتا، وإلى اليوم لم نعرف عنه شيئاً.
وعلى كل حال لقد كانت همتك يا أبا علي تطاول الجبال، وعزيمتك وإصرارك الرسالي دليلاً على عمق إيمانك، مضيت شهيداً سعيداً في مقعد صدق عند مليك مقتدر واستحرت من غم الدنيا وهمها، ولكن قصمت ظهري، وتركت حسرة في قلبي لن تنمحي، وحرارة لن تنطفئ حتى ألقاك يوم لا ينفع مال ولا بنون.
مضيت يا أخي وتركت أيتامك الذين أصبحوا سلوتي, وما نظرت إليهم إلا أن ذكرتك، والحمد لله لقد سار أولادك على نهجك، وتربوا على ما كنت تحب، وهم اليوم سلوتي عنك إنهم الدكتور علي، والدكتورة أسماء، وحسين، أسأل الله أن يبقيهم على ما استشهدت عليه، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، وما لي إلا أن أقول ما قاله سيد الموحدين علي (ع): مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ ـ وَهُمْ بِصِفِّينَ ـ أَلاَّ يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءً؟ يُسِيغُونَ الْغُصَصَ، وَيَشْرَبُونَ الرَّنْقَ! قَدْ ـ وَاللهِ ـ لَقُوا اللهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ، وَأَحَلَّهُمْ دَارَ اْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهمْ. أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّريقَ، وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ؟ وَأَيْنَ ذُوالشَّهَادَتَيْنِ ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَأُبْرِدَ بِرُؤوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ؟ قال: ثمّ ضرب بيده إلى لحيته الشريفة الكريمة، فأطال البكاء، ثمّ قال عليه السلام: أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ، وَأمَاتُوا الْبِدْعَةَ، دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوا.
نعم هكذا يترك فقد الأخوان الأسى والحسرات والآهات في القلوب الطاهرة، ولم ينسِها مالٌ ولا بنون ولا منصب ولا رئاسة وزعامة بعكس القلوب المنكوسة التي تنسى ما عاهدت الله عليه من قبل بعد أن شغلتها المناصب البراقة والأموال الوفيرة والزعامات الوهمية.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com