موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب موسى كليم الله-6
 
الإثنين - 12 / ربيع الأول / 1443 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب موسى كليم الله-6  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 3 / ربيع الأول / 1434 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
المعجزتان العظيمتان:
وبينما كان موسى (ع) مستغرقاً في تلقي أسس الرسالة يأتيه سؤال ملفت للنظر ((وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى)) (طـه:17)إنه سؤال واضح لا يحتاج إلى جواب فهو يدري أن في يده عصا من أشجار الأرض أما ماذا تحمل من أسرار ؟ وماذا يكمن فيها ؟ وما هي القدرة الخارقة التي جعلها الله تعالى في تلك العصا ؟ فلا يعلمه إلا الله تعالى ؛ ولهذا أجاب على الفور: ((هِيَ عَصَايَ)) وأخذ يوضح وظيفة العصا في يده وهي: أنه حملها ؛ ليتوكأ عليها في مسيره، ويضرب بها أغصان الأشجار؛ لينزل أوراقها لأغنامه مع أن هناك أغراض وأهداف أخرى لم يفصلها ؛ ولأجل أن يعرفه أسرار تلك العصا قال له تعالى: ((أَلْقِهَا يَا مُوسَى)) ولم يكن متوقعا أن يرى ما حدث بعد الإلقاء وإذا بالعصا اليابسة الجامدة الفاقدة لكل معالم الحياة حَيّةً تتحرك وتسعى وحين أبصر ما رأى كان ذلك مفاجئة مرعبة مخيفة في حركتها واهتزازها حينئذ ((وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ)) لهول ما رأى، ولما ابتعد عنها قليلا، وإذا بالنداء من خلفه ((أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ)) (القصص:31) وخذها بيدك فإننا سنعيدها إلى ما كانت عليه وعند ذلك (اطمأن موسى والتقط الحية، فإذا هي تعود سيرتها الأولى عصا .. ووقعت المعجزة في صورتها الأخرى، صورة سلب الحياة من الحي فإذا هو جامد ميت، كما كان قبل أن تدركه المعجزة الأولى)(1)
وهكذا سَلَّحت يد القدرة موسى (ع) بسلاح خارج عن طاقة فرعون وجنده والبشرية أجمع، وأصبح قوة لا تقهر .

الآية الأخرى:
وما أن يعود إلى موسى وعيه من أثر رهبة الأفعى يأتيه النداء الآخـر:
((وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى * لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى)) (طـه:22-23) وهذه معجزة أخرى من بدنك يا موسى تخرس بها أهل الباطل وتعجزهم مع أنها سهلة بسيطة وهي: ((وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ)) (النمل:12) واضممها إلى جناحك تحرج بيضاء مشعة تتلألأ، وتجذب البصر من دون أن يكون به سوء من برص أو غيره . أنها آية من آيات الله تعالى الكبرى التي يريها الله تعالى لموسى، ليعده لتحمل المسؤولية الكبرى التي تنتظره حيث سيحمل رسالة الله ولكن لمن ؟ إلى فرعون أعظم طاغوت في الأرض . يدعي الربوبية ولا يعرف للناس إلها غيره .
((اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى))
كل هذا العناء والمشقة في الإعداد كان من أجل هذا الأمر الخطير، والتكليف الباهظ الجسيم، وأي تكليف أصعب من هذا إنه تبليغ رسالة الله لإنسان طاغ عات متجبر (ينازع الله في ربوبيته وينادي: ((أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى)) (النازعـات: 24) فما أصعبها من مهمة، وما أثقلها من مسؤولية كل ذلك كان موسى يعرفه، ويدرك مدى طغيان فرعون الذي يقتل على التهمة والشبهة، بل على التخيل والوهم، فكيف يخاطبه وكيف يدعوه؟ وهو مطارد مطلوب من قبله، ورغم ذلك تَقَّبل المهمة الملقاة على عاتقه، ولكنه دعا ربه أن يمنحه متطلبات تنجيز هذا التكليف العسير، وتوفير بعض شروط الدعوة إلى الله تعالى، فقال: ((رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً)) (طـه:25-35) تلك هي طلبات موسى (ع) لعلمه بما سيواجه منه صعوبات في تبليغ رسالة ربه ... ولهذا (استعظم موسى ما سجل عليه ربه من أمر الرسالة، وقد كان على علم بما عليه أمة القبط من الشوكة والقوة، وعلى رأس هذه الأمة المتجبرة فرعون الطاغي الذي كان ينازع الله في ربوبيته وينادي أنا ربكم الأعلى، وكان يذكر ما عليه بنو إسرائيل من الضعف والإسارة بين آل فرعون ثم الجهل وانحطاط الفكر، وكان كأنه يرى ما ستجره إليه هذه الدعوة من الشدائد والمصائب، ويشاهد ما سيعقبه تبليغ هذه الرسالة من الفظائع والفجائع، وهو رجل قليل التحمل سريع الانقلاب في ذات الله، ينكر الظلم، ويأبى الضيم كما يشهد به قصة قتله القبطي، واستقائه في ماء مدين وفي لسانه - وهو السلاح الوحيد لمن أراد الدعوة والتبليغ - عقدة ربما منعته بيان ما يريد بيانه . فلذلك سأل ربه حل هذه المشكلات فسأل أولا أن يوسع صدره لما يُحَمِلُه ربه من أعباء الرسالة،ولما ستستقبله من العظائم والشدائد في مسيره في الدعوة فقال: ((رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي)) )(2)
وشرح الصدر هو السلاح الجبار الذي يستطيع به الداعية أن يواجه العقبات والتحديات (وإذا شرح الله تعالى صدر عبده، فلا ينال منه شيء، ولا يعجزه بشيء، ولا يضيق بشيء وشرح الصدر شأن من شؤون الله تعالى، والله تعالى هو وحده الذي يشرح صدر من يشاء من عباده، ولا شأن للإنسان فيه، ولولا أن يشرح الله صدر عبده لما وسع أن يتحمل أذى هذه الابتلاءات والمصائب)(3)
والأمر الثاني الذي طلبه موسى (ع) هو أن يسهل له الأمر الذي حمله إياه تعالى فبقدرته الذاتية لا يستطيع أن يؤدي المهمة الملقاة على عاتقه، ويتحمل الصعوبات والمشقات التي تواجهه في مسيرته ما لم يمده الله بعونه وييسر له إنجاز أعماله الدعوية وماذا يملك الإنسان بقواه المحدودة إذا حجب الله عنه عونه ... فالمدد الإلهي هو الوسيلة الفاعلة والمؤثرة في تحقيق ما يصبو إليه الإنسان .
والأمر الثالث الذي طلبه (ع) من ربه هو أن يحلل عقدة لسانه، ويطلقه في بيان قوي مؤثر ؛ وهنا إشارة خفية أن الدعاة إلى الله تعالى إضافة إلى العلم وسعة الصدر وانشراحه، لابد أن يمتلكوا بيانا واضحا وقولا بليغا يؤثر في سامعه، ولما كانت في لسان موسى (ع) (رتة لا يفصح معها بالحروف شبه التمتمة(4) ) (5) توسل إلى الله تعالى أن يسنده بأخيه هارون فهو أفصح منه لساناً، كما صرح القرآن الكريم عنه (ع): ((وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ)) (القصص:34) ليكون له عوناً على تبليغ الرسالة، وسندا مدافعا، ومصدقا له حين تكذيبهم له، ولقد حدد مهمة هارون بقوله (ع): ((فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً)) أي معيناً لأنه سيواجه قوماً عتاة، لا يخضعون للواقع ولا يتقبلون الحقيقة، وهنا لابد له من يصدقه في قوله ويشدد عضده، وليس لهذا إلا أخاه هارون (ع) ، واستجاب الله تعالى لموسى قائلاً: ((سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآياتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُون)) (القصص:35) لينصرك بتصديقه ويقيك ببيانه ويدافع عنك ... وإضافة إلى ذلك فإن الله قد ضمن لهما الحماية من بطش فرعون، (فهما لن يذهبا مجردين إلى فرعون الجبار، إنما يذهبان إليه مزودين بسلطان لا يقف له في الأرض سلطان، ولا تنالهما كف طاغية ولا جبار ((فلا يصلون إليكما)) وحولكما من سلطان الله سياج، ولكما منهما حصن وملاذ)(6) تحت عين الله وسمعه ومعيته ((لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)) (طـه:46)
وهنا إشارة جميلة رائعة، وهي أن موسى (ع) بعد طلباته تلك، ذكر الهدف الرئيسي من ذلك كله بقوله: ((كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً)) (طـه:33-34) أي أن كل هذا الجهد والعناء والمعاناة والتحمل الصعب لا لأجل نيل مطالب الدنيا الزائلة إنما هو لأجل تنزيه الله من الشرك وتوحيده وذكره كثيرا فالهدف إذن هو الارتباط بالله قولا وفعلا وجعل نيل رضوانه غاية كل هذا .

الهوامش:
(1) سيد قطب: في ظلال القرآن: 5/496 .
(2) العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن: 14/147-146 .
(3) من محاضرة لسماحة الشيخ الآصفي .
(4) تمتم تمتمة في الكلام: عجل فيه ولم يفهمه .
(5) الشيخ الطبرسي: مجمع البيان: 8/15، الشيخ الطوسي: التبيان: 7/170 .
(6) سيد قطب، في ظلال القرآن: 6/347 .

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com