موقع الصراط ... الموضوع : الخيارات المطروحة أمام الحسين (ع)
 
السبت - 11 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الخيارات المطروحة أمام الحسين (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 3 / ربيع الأول / 1434 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
الشيخ جميل الربيعي لقد كان التخطيط الأموي ينفذ بدقة متناهية ؛ لدفن الإسلام ونبي الإسلام، بأسلوب محكم سُخرت له كل أجهزة الدولة بكل ما تملك من قدرات اقتصادية، وإعلامية، و سياسية، وكانت عرى الإسلام تنقض واحدة بعد أخرى على مرأى ومسمع من الجميع.
فعلى مستوى حكم الولايات كانت رؤوس النفاق هي التي تمارس الحكم والتحكم في رقاب المسلمين، ومن هؤلاء الأمراء: مروان بن الحكم، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي سرح، وسمرة بن جندب، وزياد بن أبيه، ووَلده عبيد الله بن زياد... وجميع هؤلاء اعتمدوا الإرهاب والبطش والتصفية لكل عنصر يحمل الإسلام بصورته الصحيحة.
وعلى المستوى الاقتصادي فقد استأثر الحكام الأمويون وولاتهم بأموال المسلمين يحرمون من يشاؤون، ويعطون من يشاؤون ... ويسلبون أموال من يشاؤون، ويجمعون الأموال ويحوزنها لأنفسهم حتى خلف عمرو بن العاص ثلاثمائة وخمسة وعشرين ألف دينار من الذهب، ومن الفضة ألف درهم . وغلة بمائتي ألف دينار بمصر، وضيعه تعرف (بالوهط) قيمتها الألف ألف درهم .
وكانوا يسلبون كل هذه الأموال تحت عنوان (السواد بستان لقريش) وضمن قاعدة معاوية المبتدعة: (الأرض لله، وأنا خليفة الله، فما اخذ من مال الله فهو لي، وما تركته كان جائزاً لي)(1)
وأما سياسة البطش والإرهاب فقد أمر معاوية بقتل كل موالٍ لأهل البيت (ع) وقتل الكثيرين من حملة الرسالة الله كحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق ... وأما زياد فقد تتبع الشيعة في كل مكان فكانوا بين مقتول ومشرد ومسجون .
وسار ولاة معاوية ويزيد على سياستهما، فهذا عتبة بن أبي سفيان يخاطب المصرين في أخر خطاب له : ( يا أهل مصر إياكم أن تكونوا للسيف حصيدا، فان لله ذبيحا لعثمان لا تصيروا إلى وحشة الباطل بعد انس الحق بإحياء الفتنة، وإماتة السنن، فأطأكم والله وطأة لا رمق معها حتى تنكروا ما كنتم تعرفون)(2)
ويقول خالد القسري في مكة : والله ما أوتي بأحد ليطعن على إمامه إلا صلبته في الحرم .
ويقول الوليد بن يزيد :
(فدع عنك ادكارك آل سعد * فنحن الأكثرون حصى ومالاً
ونحن المالكون الناس قسراً * نسومهم المذلة والنكالا
ونوردهم حياض الخسف ذلاً * وما نألوهم إلا خبالا
وخطب في المدينة فقال :
إلا وإني لا أداوي أمر هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم قناتكم، وإنكم تحفظون أعمال المهاجرين الأولين)(3)
وكان معاوية يستعمل شتى أساليب الغدر ويقول : ((لله جنود من عسل)) بل كان يخادع الناس ومن أمثال ذلك لما دس السم إلى مالك الأشتر رضي الله عنه مبعوث الإمام علي (ع) إلى مصر كان يقول لأهل الشام : (إن علياً وجه الأشتر إلى مصر فادعوا الله أن يكفيكموه) وكان أهل الشام يدعون عليه في كل صلاة، ولما أخبر نبأ موته أخبر أهل الشام بأن موته نتيجة دعائهم ؛ لأنهم حزب الله، ثم همس في أذان ابن العاص: (إن لله جنود من عسل) ومن أساليب الأمويون إشاعة الخلاعة والمجون في البلاد الإسلامية . ونشر المفاسد الأخلاقية كي يبتعد الناس عن الإسلام.
يقول ابن أبي الحديد في شرح كلام أمير المؤمنين في معاوية (ظاهر غيه)، (فلا ريب في ظهور ضلاله وبغيه، وكل باغ غاوي أما مهتوك ستره، فإنه كان كثير الهزل والخلاعة، صاحب جلساء وسمار ومعاوية لم يتوقر، ولم يلزم قانون الرياسة إلا منذ خرج على أمير المؤمنين، واحتاج إلى الناموس والسكينة وإلا فقد كان في أيام عثمان شديد التهتك، موسوما بكل قبيح، وكان في أيام عمر يستر نفسه قليلا خوفا منه، إلا أنه كان يلبس الحرير والديباج، ويشرب في آنيه الذهب والفضة، ويركب البغلات ذوات السروج المحلاة بها، وعليها جلال الديباج والوشي، وكان حينئذ شابا، وعنده نزق الصبا، وأثر الشبيبة وسكر السلطان والإمرة، ونقل الناس عنه في كتب السيرة أنه كان يشرب الخمر في أيام عثمان في الشام)(4)
وكان ولده يزيد خليعاً مستهتراً، يقول الجاحظ: (وكان يزيد لا يمسي إلا سكراناً، ولا يصبح إلا مخموراً، وكان عبد الملك يسكر في كل شهر مرة حتى لا يعقل في السماء هو أو في الماء) وعلى هذا كان هشام، وسليمان، ويزيد بن الوليد، والوليد بن يزيد يدمنان اللهو والشراب(5)،حتى وصل الاستهتار والاستهانة بأقدس المقدسات.
يقول الطبري: (ظهر من الوليد بن يزيد مجون وشرب الشراب حمله على ذلك فيما حدثني أحمد بن زهير عن علي بن محمد عن جويرية بن أسماء، وإسحاق بن أيوب، وعامر بن الأسود وغيرهم : عبد الصمد بن عبد الأعلى الشيباني أخو عبد الله ابن عبد الأعلى وكان مؤدب الوليد، واتخذ الوليد ندماء فأراد هشام أن يقطعهم عنه فولاه الحج سنة 119 فحمل معه كلابا في صناديق فسقط منها صندوق فيما ذكر على بن محمد عمن سميت من شيوخه عن البعير، وفيه كلب فأجالوا على الكرى السياط فأوجعوه ضربا، وحمل معه قبة عملها على قدر الكعبة؛ ليضعها على الكعبة، وحمل معه خمرا، وأراد أن ينصب القبة على الكعبة، ويجلس فيها فخوفه أصحابه، وقالوا لا نأمن الناس عليك وعلينا معك فلم يحركها وظهر للناس منه تهاون بالدين واستخفاف)(6)
ومن اخطر الأساليب إشاعة المجون في الحرمين للقضاء على قدسيتهما . فاستأجروا طوائف من الشعراء والمخنثين من بينهم عمر بن ربيعة وغيره، يقول الأصمعي : (دخلت المدينة فما وجدت إلا المخنثين، ورجلاً يضع الأخبار والطرف)(7)، (وقد شاعت في يثرب مجالس الغناء، وكان الوالي يحضرها، ويشارك فيها، وانحسرت بذلك روح الأخلاق، وانصرف الناس عن المثل العليا التي جاء بها الإسلام )(8). وهكذا أشاعوا الفساد والتحلل الأخلاقي . بعد أن استخفوا بكل القيم الدينية، فقد قيل لمعاوية بعد تسلطه على رقاب المسلمين : لو سكنت المدينة، فهي دار الهجرة، وبها قبر النبي (ص)، فقال : قد ظللت إذا وما أنا من المهتدين(9)... وهكذا سار على نهجه ولاة بني أمية .
يروي المدائني عن ابن جعدبة، قال : جرى بين يحيى بن الحكم بن أبي العاص، وبين عبد الله بن جعفر بن أبي طالب كلام فقال له يحيى : كيف تركت الخبيثة - يعنى المدينة ؟!!!- قال عبد الله : سماها رسول الله (ص) طيبة وتسميها خبيثة؟!!! قد اختلفتما في الدنيا، وستختلفان في الآخرة . فقال : والله لان أموت وأدفن بالشام الأرض المقدسة، أحب إلي من أن أدفن بها ! ! ! فقال عبد الله: اخترت مجاورة اليهود، والنصارى على مجاورة رسول الله (ص) والمهاجرين والأنصار)(10)
والأسلوب الأخطر هو تحريف الحقائق والمفاهيم والأحكام الإسلامية من خلال وضع الأحاديث على لسان رسول الله (ص) وقد سخروا لذلك عدداً كبيراً كأبي هريرة، وسمرة بن جندب، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة ووضعوا آلاف الأحاديث بدلوا فيها العقائد والمفاهيم .
كل ذلك كان يجري بإحكام، وكان له تأثير بالغ الخطورة حيث خدر الأمة، وقتل فيها الشعور بالمسؤولية، وأصبحت جثة هامدة لا تنكر ظلماً، ولا تردع ظالما، ولا تأمر بمعروف، ولا تنهى عن منكر حتى صار أمر تحريكها شبه المستحيل، بل لا تستيقظ إذا لم تصبها صعقة قوية تهز مشاعرها، وتنفض عنها غبار الغفلة، وهكذا لم يعد ينفع نصح ولا وعظ ... وسادت نظرية طاعة ولي الأمر حتى لو كان أفسق خلق الله تعالى ... ماذا يفعل الحسين (ع) أمام هذا الواقع الخطير الذي أصبح يهدد باجتثاث جذور الإسلام ... لقد كان أمام الإمام الحسين (ع) ثلاث خيارات وهي :
1- أن يبايع يزيد، ويطيعه ويمشي بركابه، وبذلك يمضي القضاء على الإسلام، أو على أقل تقدير يقرر الانحراف والتحريف الذي وقع . وبذلك يَسلم بدمه ونفسه، وهذا أمر مستحيل أن يقبله الحسين لنفسه، وهو الذي اختاره الله وصياً لرسول الله (ص) وأميناً على رسالته .
2- أن يفر إلى أحد البلدان النائية، ويبتعد عن حكومة بني أمية كما أشار عليه بعض المشفقين بأن يلحق بالرمال، وشعب الجبال . أو يخرج من بلده إلى بلداٍ آخر، وينظر إلى ما يصير عليه أمر الناس... إلا أن الحسين (ع) رد هذا الرأي ؛ لأنه كان يعلم بأنه حتى لو اعتزل الناس، ولم يبايع، وقعد في بيته لما تركه بنو أمية وشأنه، وإنما سيحتالون لقتله بمختلف الأساليب، وقد صرح في بعض كلماته بأنه لو كان في جحر هامة لاستخرجوه، وقتلوه حتى يقضوا فيه حاجتهم(11)، وقد تواترت الأخبار على أن حكومة يزيد أصدرت أمراً لقتل الحسين (ع) غيلة أو صراحة، وقد كشف ذلك لأخيه ابن الحنفية حين أقترح عليه الإقامة في مكة فقال: (يا أخي، قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم، فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت، فقال له ابن الحنفية : فإن خفت ذلك فصر إلى اليمن، أو بعض نواحي البر فإنك أمنع الناس به، ولا يقدر عليك أحد، فقال: أنظر فيما قلت)(12)
ونفس هذا المعنى قاله لعبد الله بن عمر حين قال له: (فارجع معنا إلى المدينة، وإن لم تحب أن تبايع فلا تبايع أبداً، واقعد في منزلك. فقال الحسين (ع): هيهات يا ابن عمر، إن القوم لا يتركوني وإن أصابوني، وإن لم يصيبوني فلا يزالون حتى أبايع وأنا كاره، أو يقتلوني، أما تعلم يا عبد الله ! أن من هوان هذه الدنيا على الله تعالى أنه أتى برأس يحيى بن زكريا (ع) إلى بغية من بغايا بني إسرائيل، والرأس ينطق بالحجة عليهم؟!)(13) كما وردت للحسين (ع) أخبار: (إن يزيد دس مع الحاج في تلك السنة ثلاثين رجلا من شياطين بني أمية وأمرهم بقتل الحسين (ع) على أي حال اتفق)(14) والحسين (ع) لا يريد أن تنتهك حرمة بيت الله الحرام بقتله فيه كما صرح لعبد الله بن الزبير وغيره.
3 – أن يخرج على حكومة بني أمية، ويستشهد هو وأصحابه وأهل بيته، وهذا هو الخيار الوحيد الذي ينقذ به الإسلام من التحريف والانقراض، والأمة من الانحراف . ويبدوا من بعض النصوص التي صرح بها أنه (ع) توقع ذلك كما في خطابه (ع) في مكة: خُطَّ الموت على ولد آدم ...
فلم يكن هناك خيار أنجح من هذا الخيار الصعب الذي سيعيد للأمة حيويتها، ويحرك الضمائر، وينفض غبار الغفلة عن بصيرة الأمة، ويكشف الزيف الديني الذي تلبس به بنو أمية، ويوقف الانحدار الديني للمجتمع الذي خطط له معاوية لدفن الإسلام،ويؤسس للبشرية نظرية الثورة على الظلم والظالمين إلى يوم القيمة بعد أن حاول التخطيط الأموي محوها من القاموس الإسلامي وبهذا (لم يكن يهمه أن يكون هو الضحية، ما دام سيحفظ بذلك الأسس التي تجعل من هذه الخلافة مشروعاً قائماً ومستمراً) إلى يوم القيامة يتحدى الظالمين على طول خط التاريخ الرسالي... وبهذا الاستشهاد العظيم نسف كل الأسس التي بناها خط النفاق، وأوجد خطين متصارعين على طول خط التأريخ: خط التوحيد الخالص الذي ثبّت دعائمه، وأعاد الحق إلى نصابه، وخط الشرك المغلف بالإيمان الذي تبناه خصومة .

الهوامش:
(1) القرشي، حياة الإمام الحسين (ع): 2/134.
(2) المصدر نفسه: 139.
(3) المصدر نفسه: 2/139.
(4) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 16/160.
(5) القرشي، حياة الإمام الحسين (ع): 2/145، عن كتاب التاج في أخلاق الملوك: 151.
(6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: 5/521.
(7) القرشي، حياة الإمام الحسين (ع) عن العقد الفريد.
(8) المصدر نفسه.
(9) القاضي النعماني المغربي، شرح الأخبار: 2/165.
(10) البلاذري، أنساب الأشراف:490.
(11) المقرم، مقتل الحسين (ع) : 65 .
(12) البحراني، العوالم، الإمام الحسين (ع): 214.
(13) الشريفي، كلمات الإمام الحسين (ع): 308 .
(14) السيد الأمين، لواعج الأشجان: 69.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com