موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب الإمام الحسن (ع)
 
السبت - 9 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب الإمام الحسن (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 4 / ربيع الأول / 1434 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)) (الأنبياء:73)
إن أصدق مصاديق هذه الآية هم أهل بيت النبوة والطهارة (ع) ، وإن كانت نزلت في غيرهم... فما اتفقت عليه الأمة الإسلامية إلا من شذ من ذوي المصالح الدنيوية، الذين انحرفوا عن جادة الصواب، إن أهل البيت (ع) هم أهدى الهداة إلى الله، وأصدق من فعل الخيرات، وأقام الصلاة، وأتى الزكاة، ولذلك ليس العبرة أن نتحدث عن فضائلهم وكراماتهم لذاتها وإن كان كل مكرمة فيهم هي دين يدان به، وهي تجسيد لحقيقة إلهية لأنهم أخلص عباد الله لله، فلم يدعوا لأنفسهم يوماً ما وإنما كانوا دعاة إلى الله تعالى فقط وفقط، وبناء على ذلك إذا أردنا أن نفهم حياتهم فهماً دقيقاً وسليماً فعلينا أن نتفحص في سيرتهم جميعاً كخط واحد يسير باتجاه هدف واحد، وإن تباينت مواقفهم واختلفت أساليبهم إلا أنه لم تختلف أهدافهم، فهم يمثلون وحدة هدف رغم تعدد الأدوار كما قال السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره):
(إننا عند دراسة حياتهم نجد تبايناً في الأسلوب العملي في الدعوة إلى الله، فبينما نجد الإمام أمير المؤمنين (ع) طيلة حياته يدعوا إلى الله بالكلمة البليغة والحجة الدامغة مع مواصلة الدفاع عن الإسلام بالسيف في حروب متواصلة ضد المشركين والقاسطين والمارقين حتى صرع في محرابه في الكوفة... نجد الإمام الحسن (ع) لظروف قاهرة يصالح معاوية ليحفظ دماء شيعة أبيه بينما نجد الإمام الحسين (ع) يشهر سيفه، ويخرج ثائراً، ويضحي لكل شيء من أهله وماله... ويأتي بعده ولده زين العابدين (ع) يتخذ حياته طافحة بالدعاء والبر والإحسان للناس أينما حل وأينما ارتحل ثم يأتي دور الباقر والصادق (ع) فنجدهما ينشآن أعظم مدرسة تنشر العلم وتبث الوعي، وتخرج الفقهاء والعلماء والقادة الرساليين ونشرهما في الأمة لينشروا رسالة الله في الناس... ويأتي دور موسى بن جعفر ليكمل شوطهما من وراء قضبان السجون وظلمات الطوامير وهكذا كان دور الباقين منهم إلى قيام الساعة...)
وقد يثار سؤال ما لعلة في اختلاف الأساليب مع أنهم وحدة متكاملة تمثل خط الرسالة السليم؟
والجواب: إن اختلاف الطرق لا يضر في أصل المقصد، كما أن له مدلول رسالي عميق يوضح طبيعة الرسالة وملائمتها لكل زمان ومكان ودور في كل مجتمع ومع كل ظرف وهذا المدلول يمكن أن نستنبط منه ما يأتي:
1- إن العقائد في الإسلام، وبعض الأحكام الثابتة لا تقبل التغيير والتبديل، وإنما هي ثابتة في كل أوان وهذا ما هو بارز في سيرتهم (ع) جميعاً لم يغيروا منه قيد أنملة... وأما الأسلوب فهو قابل للتغيير حسب تطورات الزمن واختلاف الظروف السياسية والاجتماعية، فالأسلوب من الموضوعات الخارجية وليس من الأحكام الثابتة، وتشخيص الموضوعات لأجل تطبيق الأحكام من مسؤولية المكلف، فالمكلف هو الذي يحدد الموضوع ليطبق عليه الحكم شريطة أن يكون أسلوب التطبيق شرعياً لا يختلف مع خطوط الرسالة العامة...
2- إن في هذا دلالة على مرونة الإسلام الفكرية والسياسية وأنه قابل للتطبيق والدعوة في كل زمان ومكان، ومن هنا يمكن للمكلف أن يختط الوسيلة الشرعية المناسبة للظرف الذي يعيشه لتحكيم الشرع والدعوة إليه، وتوعية الناس به، فلا يوجد ظرف من الظروف إلا والمؤمن قادر على مواصلة الدعوة والإرشاد إلى الحق، فلا يعذرُ بحال أن يجلس ويسكت بعلة فساد الزمان وأهله...
بعد هذا يمكن أن نعرف أن الخط العام في حياة الأئمة (ع) جميعاً وبدون استثناء يتمثل في:
مواجهة أي ظاهرة من ظواهر الانحراف في حياة الأمة بقوة وحزم ودون مهادنة ولو كلفهم ذلك بذل حياتهم وذلك لحفظ رسالة الله تعالى من التحريف والأمة من الانحراف.
وهذا ما حصل في حياتهم جميعاً حيث تحملوا المرارات تلوا المرارات من أجل ذلك، فعلي إنما جلس في بيته مراقباً، وموجهاً، ومعلماً، ومصححاً لكل ظاهرة يتعرض لها الإسلام من أجل ذلك، والحسن (ع) إنما صالح معاوية من أجل ذلك، والحسين استشهد وعرض أهله للسبي من أجل ذلك، وهكذا البقية منهم عليهم صلوات الله وسلامه.
والمعلم الثاني: من حياتهم هو إعادة التجربة الإسلامية إلى وضعها الطبيعي والوقوف بوجه التجاوزات الشرعية التي يقوم بها ملوك بني أمية وبني العباس.
أما المعلم الثالث: فهو محاولتهم لخلق تيار إسلامي في المجتمع من خلال تعميق الوعي الرسالي في الأمة، فكرياً، وسياسياً، واجتماعياً، لتحصينها من الهجمات المضادة، بإيجاد قاعدة واعية في الأمة لتحمل الرسالة وتدعوا إليها.
ونحن وفق عقيدتنا لا نتصور أن دور الإمام كدور أستاذ في حلقة دراسية و وجيه من الوجهاء، أو عارف العرفاء، أو زاهد متعبد بعيد عن زخارف الدنيا، وحسب، صحيح أن ذلك كله في الإمام ولكن ذلك ليس هو دور الإمام السياسي والاجتماعي وإنما الإمام (ع) هو رائد رسالي ومغير اجتماعي للأمة يسيطر على كل مجالات الإنسان الفردية والاجتماعية ويحدد دور الإنسان مع نفسه، ومع ربه، ومع الناس، ويسيطر أيضاً على المجتمع من الناحية الفكرية والعقائدية بل وحتى العاطفية ويضع ذلك في مسار الرسالة ليوصل الإنسان إلى مرتبة الكمال ومعراج التقدم والرقي الروحي والفكري والاقتصادي والسياسي والاجتماعي... ومن هذا المنطلق جاء في الروايات: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)(1)
وحياة صاحب الذكرى السبط المجتبى أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) تمثل أروع صورة لما تقدم، فهو صورة مصغرة من جده (ص) خَلقاً وخُلقاً، وسيرة وسلوكاً، وأسلوباً وهدفاً لم يختلف عنه قيد شعرة فقد ورد عن النبي (ص) أنه قال لسبطه الزكي: (أشبهت خَلْقي وَخُلُقي)(2)
(والرسول الأعظم محمد (ص) هو ذلك الشخص الذي يتحمل مسؤولية هداية ورعاية الأمة، ومسؤولية تبليغ وحماية مستقبل الرسالة، ثم وضع الضمانات التي لابد منها في هذا المجال...
وهو (ص) المطلع عن طريق الوحي على ما ينتظر هذا الوليد الجديد، الإمام الحسن (ع) من دَور قيادي هام على هذا الصعيد... كما أنه (ص) مأمور بأن يساهم هو شخصياً، وبما هو ممثل للإرادة الإلهية بالإعداد لهذا الدور، سواء فيما يرتبط ببناء شخصية هذا الوليد اليافع، يناءً فذاً يتناسب مع المهام الجسام، التي يؤهل للاضطلاع بها على صعيد هداية، ورعاية وقيادة الأمة)(3)
فالإمام الحسن (ع) إعداد إلهي تم على يد من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، أعد لمهمة كبرى يتوقف عليه مستقبل رسالة الله تعالى... وقد أتى دور إمامة الحسن (ع) في وقت امتد في وسط الأمة السرطان الأموي واسفحل أمره وأصبح عنصراً يمثل خطراً كبيراً على الرسالة الإسلامية، فأدى (ع) دوره وفق مصلحة الإسلام في حفظه من التحريف، وكشف المتلاعبين به والمتخذين له سلاحاً يحاربونه من خلاله...
وأبرز حدث سياسي في حياة الإمام الحسن (ع) هو صلحه مع معاوية، وهذا الصلح يمثل أدق حنكة سياسية، وأعظم موقف رسالي حفظ فيه الإسلام وكشف الفريق الأموي المتقنع بالإسلام والباطن النفاق، وفي موقفه هذا أهد للثورة الكبرى الذي أتت على الجذر الأموي واقتلعته من جذوره بعد تخطيط له دام أكثر من ربع قرن، هذه الثورة هي ثورة الحسين (ع) التي كانت من تصميم وإعداد الحسن (ع) وتنفيذ الحسين (ع).
ودراسة صلح الإمام (ع) كما اصطلح عليه ينبغي أن يدرس من جانبين لمعرفة أسبابه، ونتائجه:
الجانب الأول: هو الظروف الموضوعية التي أحاطت بالحسن (ع) واضطرته إلى الصلح، وأهمها:
1- انتشار روح الشك والريبة والبلبلة في وسط عاصمته الكوفة بصورة عامة وفي جيشه بصورة خاصة، فبعد المعارك المتواصلة بين الإمام علي (ع) والخوارج من جانب، وأصحاب الجمل من جانب ثاني وبين أهل الشام بقيادة معاوية من جانب ثالث، هذا أثر تأثيراً كبيراً مما جعل الناس شِِيعاً ومذاهب فهناك الخوارج منتشرين ومتسترين يبثون السموم وهناك النفعيين من رؤساء العشائر الذي تستهويهم المناصب والمال وجدول في عدل علي (ع) عائقاً دون تحقيق مآربهم فوقفوا موقفاً سلبياً منه وراحوا يراسلون معاوية الذي وجدوا عنده بغيتهم، كما كان هناك شيعة بني أمية الذي يروجون الإشعاعات ويخذَّلون الناس، ويدعون إلى تبني إمامة معاوية كل تلك الظروف والأوضاع انعكست على جيش الإمام الحسن (ع) الذي جعله متفككاً لا يعتمد عليه، فقد روى الشيخ المفيد أن: (كتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالسمع والطاعة له في السر واستحثوه على المسير نحوهم وضمنوا له تسليم الحسن (ع) إليه عند دنوهم من عسكره أو الفتك به)(4)
هذا هو طبيعة الوضع الذي واجه به الإمام الحسن (ع) معاوية وهو مجهز بجيش مطيع منظم، مخدوع بدسائس معاوية ومصدق بما يروجه له من أباطيل ومن وعود معسولة.
2- إن معاوية دس الجواسيس والعيون ليكتبوا له في أخبار الكوفة وليخذلوا الناس عن الحرب روى السيد الأمين عن الصدوق في العلل: (إن معاوية دس إلى عمرو بن حريث والأشعث بن قيس وحجار بن أبجر وشبث بن ربعي دسيساً أفرد كل واحد منهم بعين من عيونه أنك إذا قتلت الحسن فلك مائة ألف درهم وجند من أجناد الشام وبنت من بناتي فبلغ الحسن (ع) ذلك فاستلأم ولبس درعاً وسترها وكان يحترز ولا يتقدم للصلاة إلا كذلك فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه لما عليه من اللامة)(5)
وفي نفس المصدر نقلاً عن الخرائج: (أن الحسن (ع) بعث إلى معاوية قائداً من كندة في أربعة آلاف فلما نزل الأنبار بعث إليه معاوية بخمسمائة ألف درهم ووعده بولاية بعض كور الشام والجزيرة فصار إليه في مائتين من خاصته ثم بعث رجلاً من مراد ففعل كالأول بعد ما حلف بالإيمان التي لا تقوم لها الجبال انه لا يفعل وأخبرهم الحسن (ع) أنه سيفعل كصاحبه)(6)
وعلى هذا الوضع كيف يمكن للإمام الحسن (ع) أن يواجه جيش معاوية، فلم يكن إمامه إلا إحدى طريقتين إما القبول بالصلح الذي عرضه معاوية وخدع الكثيرين به وإنه يطلب السلام والأمن للناس وإن الحسن يريد الحرب ومعاوية يريد الصلح، فإذن لم يكن أمام الإمام الحسن (ع) إلا خيار الصلح.
3- إن مرض الشك والقلق العقائدي الذي أصيبت به الأمة في ذلك العصر لا يمكن علاجه قبل ورود وقت ليست بالقصير حتى تستطيع أن تثور ثورة دموية تحطم عروش الظالمين إلى الأبد وتثبت قواعد الإسلام إذن هذا الصلح كان بمثابة إعداد وتمهيد للثورة الكبرى ثورة الإمام الحسين (ع).
وهذا الصلح يشبه إلى حد كبير صلح الحديبية الذي برز فيه بعد النظر الرسالي والحنكة الرسالية لرسول الله (ص)، والحسن (ع) سار مسار جده العظيم (ص).
فلو قدر للإمام أن يقاتل معاوية بذلك الجيش المهزوز المنهزم نفسياً الذي جعل دنياه أمام دينه فهو لا مجال بخصوص معركة فاشلة ونتائجها وخيمة على الإسلام لما قدمناه من أسباب ولذا رأى أن يستجيب للصلح الذي خفيت حكمته على الكثيرين حتى من أصحابه الخلص الذين عانوا المحن معه فنعتوه بمذل المؤمنين.
وقد يتعرض متعرض أن الظروف التي مر بها الحسن (ع) مر بها الحسين (ع) فلماذا ثار الحسين (ع) ولم يثر الحسن (ع).
والجواب على هذا الاعتراض جوابين:
الأول: ما أجاب به الحسين (ع) حين سئل: (لماذا لم تصالح يزيد كما صالح أخوك معاوية من قيل؟ أجاب: إن أخي فعل بأمر من الله ورسوله، وأنا أفعل بأمر من الله ورسوله)(7)
فهو الإمام المعصوم الذي يقدر المصلحة الإسلامية ويتحرك على ضوءها.
الثاني: هناك فرق بين معاوية ويزيد حيث أن معاوية خدع الناس بتظاهره بالدين وإخفاء جرائمه على الناس أما يزيد فكان عكس ذلك كان متجاهراً بالفسق والفجور، ولعب القمار وشرب الخمور، وفرق كبير في تأثير ذلك في الأمة، ورد الفعل الذي يحدث في الأمة نتيجة الثورة.

نتائج الصلح:
1- إن معاوية كان متلبساً بلباس الدين ومتظاهراً بأداء شعائره من الجمعة والجماعة والحج، وقيض الحقوق الشرعية، وبعبارة أخرى قد لف رذائله وجرائمه بثوب الدين، وهذا السلوك أخطر أسلوب يهدد الدين لأنه حرب للدين من خلال أفكاره ومبادئه ولذا اتخذ المنبر وسيلة للطعن على علي (ع) فهو لم يستهدف شخصية علي (ع) وإنما كان يستهدف دين رسول الله (ص) في علي وحديث المغيرة معه يكشف ذلك، فقد قال مطرف بن المغيرة بن شعبة: (دخلت مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه فيتحدث معه، ثم ينصرف إليَّ فيذكر معاوية وعقله، ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتماً فانتظرته ساعة، وظننت أنه لأمر حدث فينا، فقلت: مالي أراك مغتماً منذ الليلة؟
فقال: يا بني، جئت من عند أكفر الناس وأخبثهم، قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به: إنك قد بلغت سنّاً يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلاً، وبسطت خيراً فإنك قد كبرت، ولو نظرت إلى أخوتك من بني هاشم، فوصلت أرحامهم فو الله ما عندهم اليوم شيء تخافه، وإن ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه.
فقال: هيهات هيهات! أي ذكر أرجو بقاءه! مَلَك أخو تيم فعدَل، وفعل ما فعل، فما عدا أن هَلَك حتى هلك ذكره؛ إلا أن يقول قائل: أبو بكر ثم ملك أخو عدى، فاجتهد وشمَّر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلا أن يقول قائل: عمر، وإن ابن أبى كبشة؛ ليصاح به كل يوم خمس مرات: (أشهد أن محمدا رسول الله )، فأي عملي يبقى؟ وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أباً لك! لا والله إلا دَفْناً دفنا)(8)
أقول: إن معاوية لم يدفن إلا نفسه ودينه وأما ما شاء الله أن يكون له حافظاً فمن حاول دفنه فقد دفن روحه ودينه وأهدافه...
بهذه الأهداف الخطيرة كان النهج الأموي يتحرك... وصلح الإمام مزق كل الأقنعة التي ضربوها على أنفسهم وهذه هي أعظم النتائج التي حققها الإمام من صلحه.
وفعلاً ما أن تسلط معاوية بعد عقد الصلح كان كشف عن نواياه حين جاء إلى الكوفة، وقال: (يا أهل الكوفة! أتراني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج؟ وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون. ولكنني قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم، وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون، ألا إن كل مال أو دم أصيب في هذه الفتنة فمطلول، وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين)(9)
هكذا كشف الصلح سوأته وأسفرت لكل ناظر وهذا ما كان أبو محمد سلام الله عليه يهدف إليه، وبذلك نسف كل خطته التي كانت تهدف إلى تحريف الأحكام ومحق الدين وإعادة الجاهلية الأموية...
2- حفظ الإمام بصلحه دماء شيعته وحملة النور الذين تخرجوا من مدرسة الإمام علي (ع) (فقد حفظ الإمام للمعارضة قوتها ونفوذها، بالإبقاء على عناصرها الأساسية، لتعرقل تنفيذ مخططات الخصم، الرامية إلى القضاء على جوهر الإسلام وروحه ولترصد له أهدافاً وغاياته الحاقدة وتفضحها في أوساط الأمة المسلمة ولتحفظ مبادئ الحق السليمة من أن تشوبها شائبة الضلال، وتنحرف بها أفكار الجاهلية الحمقاء)(10)
فإذن الإمام في الوقت الذي مزق الستار الديني المزيف من على الجسم الأموي أبقى خطاً متصاعداً يواصل الدعوة إلى الله والتحرك لترويج أحكام الله تعالى.
3- هيأ صلح الإمام الظروف المستقبلية لثورة الحسين الذي أطاحت بالتخطيط الأموي إلى الأبد وأبطلت كل ما حاكه طيلة أكثر من نصف قرن، ولولا صلح الحسن (ع) لما كانت ثورة الحسين (ع)... (إن أخي فعل بأمر من الله ورسوله وأنا أفعل بأمر من الله ورسوله)
فسلام عليك أيها الإمام المظلوم في وقتك وفي عصرنا من الكثير الذين على ساحة قدس حين لم يدركوا حكمتك الإلهية.

الهوامش:
(1) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 2/20.
(2) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 43/294.
(3) جعفر مرتضى العاملي، الحياة السياسية للإمام الحسن (ع): 10-11.
(4) الشيخ المفيد، الإرشاد: 190.
(5) السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة: 1/569.
(6) المصدر نفسه.
(7) المقرم، كتاب العباس: 67.
(8) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 5/130-131.
(9) المصدر نفسه: 16/15.
(10) السيد محمد جواد فضل الله، صلح الإمام الحسن (ع): 200.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com