موقع الصراط ... الموضوع : الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة-2
 
الأربعاء - 17 / جمادي الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة-2  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 4 / ربيع الأول / 1434 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
خصائص الكلمة الطيبة :
لقد حدد القرآن الكريم خصائص وسمات الكلمة الطيبة تحديداً دقيقاً شخَّص فيه: سماتها، وأبعادها، وطريقة أدائها جاء هذا بصيغة أوامر حث الإسلام دعاته على الالتزام بها، والتحلي فيها: فكراً، وطبعاً، وسلوكاً مع كل أحد عند تبليغ الرسالة، بل في كل حالة روي أن عيسى (ع) قال لرجل لا يستحق (حفظك الله) فقيل له: (أتقول هذا لمثل هذا ؟ فقال: لسان عُوَّد الخير فهو ينطق به لكل أحد)
وهكذا إذا عود الإنسان لسانه على النطق بالكلمة الطيبة حتى تكون ملكة لا يستطيع خلافها؛ لأنها تصبح سيرة مطبوعاً عليها، وهذا ما يريد الإسلام تحقيقه في الإنسان المؤمن.
وهذا لا يتحقق إلا عندما ترسخ شجرة الإيمان في القلب وتبقى خضراء مزهرة، فواحة بالطيب تمده بالحسن، والجمال، والوداد والطمأنينة ، والرسالة بالديمومة، والاستمرار، وأهم خصائص الكلمة بإيجاز هي:

الحسن والجمال :
يقول الشهيد المطهري: (أحد الأبعاد المعنوية في الإنسان علاقته بالجمال حيث يشكل قسماً مهماً من حياته، ويدخل في كل شأن من شؤونها... يلبس الثياب لأجل البرد والحر، وبهذا المقدار أهمية اللون والخياط، ويبني البيت لأجل السكن، ويتوجه للجمال حتى المائدة التي يعدها للطعام والظرف الذي يضعه فيه وفق الأصول الجمالية، ويحب كذلك جمال قيافته واسمه، ولباسه وخطه، وشارعه، ومدينته، والمناظر التي أمامه.... ومختصر القول الإنسان يريد أن يحيط الجمال بتمام شؤون حياته)(1)
إن حب الجمال أحد الأبعاد الفطرية في الإنسان؛ ولذلك فإن النفوس البشرية بمقدار ما تنفر وتشمئز من قبح المنظر فهي تنجذب لحسنه وجماله , وإذا كان لقبح المنظر علاج بصرف النظر عنه فإن قبح الكلمة , وخبثها لا علاج له لأنه يجرح العواطف، ويؤزم النفوس، ويثير الأحقاد، ويغلق القلوب كما قال الشاعر :
جرح الحسام له التئام * ولا يلتام ما جرح اللسان
لأن جرح السيف في البدن , وجرح اللسان في القلب والروح؛ ولهذا أكدت تعاليم السماء على وجوب تجنب هذا المسلك الوخيم من خلال الحث المتواصل على التعامل الحسن الطيب مع الناس بالكلمة الحسنة الجميلة، لأنها تسر النفس، وتشرح الصدر، وتثير العواطف النبيلة، وتمهد أرضية النفس لقبول الفيض الإلهي يقول تعالى :
((وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنا)) (البقرة: 83)
((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن)) (النحل :125)
((وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً)) (النساء:86)
((وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ للإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً)) (الإسراء:53)
((اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ)) (الزمر: 23)
((ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ)) (المؤمنون:96)
((الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألباب)) (الزمر:18)
وأما ما ورد في الأحاديث الشريفة فكثير جداً أذكر نماذج منها: (قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم)(2)
وعن الإمام علي بن الحسين (ع): (القول الحسن يثري المال، وينمي الرزق وينسئ الأجل، ويحبب إلى الأهل، ويُدخل الجنة)(3)
وسئل رسول الله (ص): (يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ فقال: إطعام الطعام، وإطياب الكلام)(4) وذلك؛ لأن الطعام غذاء البدن، والكلام الطيب غذاء الروح، ولابد للإنسان من الغذائين بدرجة واحدة .
وعن الإمام الصادق (ع) قال: قال رسول الله (ص): (من أكرم أخاه المؤمن بكلمة يلطفه بها , أو قضى له حاجة , أو فرج عنه كربة لم تزل الرحمة ضلاً عليه ما كان في ذلك من النظر في حاجته)(5)
وقال (ص) في وصيته لأبي ذر: (يا أبا ذر الكلمة الطيبة صدقة)(6)
إذا تأملنا بمجل ما تقدم من الآيات والروايات يتبين لنا أهمية الكلمة الطيبة في الحياة الاجتماعية، ودورها في بناء المجتمع المتآلف المتعاون، والأهم من ذلك تأثيرها في مستقبل الإنسان الأخروي...
وأما سمات الكلمة الطيبة فهي الكلمة الرقيقة التي تؤدي بحنان , ودفء وأدب بالغ، وهدوء وديع، ومراعاة حكيمة لعواطف ومشاعر المخاطبين بصدق وإخلاص، وحماسة إيمانية. فحينئذ ستكون شفاء لمرض القلوب، ونوراً لظلام النفوس، وريا لضمأ الضمائر، يقول العلامة الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: ((الَّتي هِيَ أحْسَن)) : (أي الكلمة التي هي أحسن، وهو اشتمالها على الأدب الجميل، وتعرَّيها عن الخشونة, والشتم وسوء الأمر... فهي أمر بالأمر والمأمور به: قول الكلمة التي أحسن فهو نظير قوله تعالى وجادلهم بالتي هي أحسن)(7)
وقيل: (إذا تحدث أحدكم فليجتهد أن تكون الألفاظ عذبه لا يمل سماعها وأن تكون مدلولات صحيحة يمكن وقوعها)
ومن معطيات حسن الكلمة الكريمة وجمالها أنها تقطع نزغ الشيطان. يقول تعالى ((وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً)) (الإسراء:53)
ويقول أمير المؤمنين لابن عباس عندما ولاه على البصرة: (واعلم أن البصرة مهبط إبليس، ومغرس الفتن، فحادث أهلها بالإحسان إليهم)(8)
ومن أجل هذا أعطى الإسلام هذه الأهمية للكلمة الطيبة (الكلمة الطيبة صدقة). إذن يجب أن يغمر الحسن والجمال كل كلمة يتفوه به دعاة الله تعالى في تعاملهم مع الناس، وعلى مختلف المستويات: موعظة نصيحة، رد تحية دعوة إلى هداية، بل حتى في رد الجاهل الجافي المتعدي ((وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سلاماً)) (الفرقان:63)
وهذا غاية السمو الإنساني أن يرد على الجاهل المتحدي بأجمل كلمة وأحسنها (سلام) .
وهكذا يجب أن تكون كلمة الداعية إلى الله بليغة مؤثرة؛ لتبلغ كل كيان الإنسان، وتهزه من أعماقه حتى تلامس شغاف القلب وتستقر فيه ((أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً)) (النساء:63)
وكما أمر الإسلام بأداء الكلمة بحسن وجمال أمر كذلك باتباع القول الحسن من أي إنسان؛ لأن الحسن حسن من كل أحد؛ ولأن الحكمة ضالة المؤمن فيجب أن يأخذها، ولو من أهل النفاق، يقول تعالى :
((فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)) (الزمر:17-18)
((وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ)) (الزمر:55)
ولتركيز هذا المفهوم في نفوس المؤمنين نجد أن الله تعالى وصف كلامه الكريم بالحسن؛ ليجذب إليه قلوب المؤمنين؛ وليصبغها بالصبغة الإلهية((اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)) (الزمر:23)

المعروف :
(وهو كل ما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه)(9)
وقال العلامة الطباطبائي: (المعروف من القول ما لا ينكره الناس بحسب العادة، وتختلف باختلاف الموارد)(10)
وقال الشيخ الطوسي: (القول المعروف معناه ما كان حسناً جميلاً لا وجه فيه من وجوه القبح)(11)
وقال الراغب الأصفهاني: (والمعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل، أو الشرع حسنه، والمنكر ما يُنْكَر بهما، قال تعالى:
((يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)) (التوبة: 71)
((وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ)) (لقمان: 17)
((وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً)) (الأحزاب: 32)
((قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ)) (البقرة:263)
فالمعروف إذن يشمل كل أبعاد الخير: فكراً، وقولاً، وعملاً، وهو مرادف للإحسان، إلا أن الإحسان أعم منه، فكل عمل حسن رشيد معروفاً, وكل كلمة تهدي ضالاً، أو تسر محزوناً، أو تصلح فاسداً، أو تعلم جاهلاً، أو تغيث ملهوفا أو تحفظ ماء وجه طالب حاجة هي كلمة معروف، وخير، وإحسان، وصلاح ... وبكلمة أخصر كل كلمة لا تنفر النفس بل تجذبها ، وتقربها إلى سبيل الرشد، وتبني شخصيتها ،وتحفظ كرامتها هي معروف يفوق فضلها صدقة يتبعها أذىً أو مَنّ، يقول تعالى: ((قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ)) (البقرة:263) لأن الصدقة إذا تجردت عن قول معروف حسن ستكون ذلة للنفس، وإن كانت تملأ الجيب، فإن المعروف يملأ القلب سروراً، وانبساطا وحباً فإذا امتزجت بالقول الجميل حفظت كرامة النفس من ذلة الطلب ومرارة الحاجة.
إذن بالقول المعروف ترتفع النفس في سُلَّم الكرامة والعزة؛ ولذا نجد القرآن الكريم (يقرر أن الصدقة التي يتبعها الأذى لا ضرورة لها ! وأولى منها كلمة طيبة وشعور سمح ،كلمة طيبة تضمد جراح القلوب، وتفعمها بالرضا والبشاشة ، ومغفرة تغسل أحقاد النفوس، وتحل محلها الإخاء والصداقة، فالقول المعروف والمغفرة في هذه الحالة يؤديان الوظيفة الأولى للصدقة: من تهذيب النفوس، وتأليف القلوب)(12) كما نفت آية أخرى الخير من كثير من النجوى إذا تجردت من قول المعروف، يقول تعالى: ((لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مرضاة اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)) (النساء:114)

السداد :
السديد من القول هو: السليم من خلل الفساد ، وأصله من سد الخلل يقول تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً)) (الأحزاب:70)
((فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً)) (النساء: 9)
(أي صواباً عدلاً موافقاً للشرع والحق …)(13) و (السديد من السداد وهو الإصابة، والرشاد، فالسداد من القول ما يجتمع فيه مطابقة الواقع، وعدم كونه لغواً أو ذا فائدة غير مشروعة كالنميمة، وغير ذلك فعلى المؤمن أن يختبر صدق ما يتكلم به , وأن لا يكون لغواً، أو يفسد به إصلاح)(14)
إن الكلمة المسددة بالدليل العقلي، والمدعومة بالبرهان المنطقي، والمؤيدة بالحقيقة العلمية، والنابعة من روح رسالية تقف سداً منيعاً يقطع الطريق على دعاة الجاهليات القديمة والحديثة، ويدحظ كل أدلتهم، ويفند كل حججهم، ويغرس في النفوس بذور الحقيقة … ونلاحظ أن القرآن الكريم يربط بين التقوى والقول السديد، وهذا الربط إشارة إلى أن القول السديد لا يؤدي دوره بشكل فعال إلا إذا صدر عن روح متقية ورعة مخالفة للهوى، غير منغمرة في متاهات الشهوات.

البلاغة :
قالوا: (البلاغة تنبئ عن الوصول والانتهاء) وسميت الكلمة القوية المؤثرة بليغة؛ لأنها تستطيع أن تهز مشاعر الإنسان، وتصل إلى كل جزء من كيانه الشعوري، وهي كالماء إذا روى شجرة أذبلها العطش فإنه يبلغ إلى كل خلية منها، ويبعث الحياة في جميع أجزائها. وكذلك بلاغة الكلمة تملك شعور الإنسان فتسحره، أو تستعمره؛ ولذا قال (ص): (إن من البيان لسحراً) ويقول تعالى لنبيه مؤكداً على بلاغة الكلمة في تبليغ الرسالة ((وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً)) (النساء: 63)
والكلمة بمقدار ما تكون قصيرة اللفظ، واسعة المعنى، مسبوكة المبنى سلسة العرض، تؤدى بمهارة، ورقة، وعذوبة، وحماس , وصدق مبدئي تكون مؤثرة في النفس تأثيراً إيجابياً عميقاً، والأهم من ذلك أن يضع المتحدث قلبه في كلامه؛ ولذا قيل: (إن الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب وإذا خرجت من اللسان لا تتجاوز الآذان)
قيل للإمام الصادق (ع): (ما البلاغة ؟ قال: من عرف شيئاً قلَّ كلامه فيه وإنما سمي البليغ لأنه يبلغ حاجته بأهون سعيه)(15)
وقيل للعتابي: (ما البلاغة ؟ قال: كل من أفهمك حاجته من غير إعادة، ولا خلسة، ولا استعانة فهو بليغ، قيل له ما الاستعانة ؟ قال: ألا ترى الرجل إذا حدَّث قال: يا هناه واستمع إليَّ، وافهم، أو لستَ تفهم ؟ هذا كله عي وفساد)(16)
(وسُمع خالد بن صفوان مكثاراً يتكلم، فقيل له: يا هذا ليست البلاغة بخفة اللسان، ولا بكثرة الهذيان، ولكنها إصابة المعنى ، والقصد إلى الحجة)(17)
وقال الإمام الصادق (ع): (ثلاثة فيهن البلاغة: التقرب من معنى البُغية والتباعد من حشو الكلام، والدلالة بالقليل على الكثير)(18)
وفي حديث آخر: (يا ابن النعمان ليست البلاغة بحدة اللسان , ولا بكثرة الهذيان، ولكنها إصابة المعنى وقصد الحجة)(19)

الليونة (المرونة) :
تختلف الليونة في مفهومها القرآني عن مفهومها السياسي السائد اليوم في المحافل السياسية، والمفاوضات الدائرة في دهاليزها بين أقطابها، وتجارها والدائرين في فلكها، واللاعبين على حبالها. ففي مفهوم هؤلاء المرونة تعني: المداهنة، والمخادعة، والمراوغة، والتلاعب بالألفاظ, لغرض الالتفاف على السامع، والمحاوِر من الوراء ، وإيقاعه في الفخ المنصوب له بهدف السيطرة عليه؛ ولذا قالوا: (أن تفاوض يعني أن تجابه) .
فالمرونة في مفهوم هؤلاء إذن تعني الاحتيال في النزاع البارد والصراع الكلامي الهادئ الذي يدس السم في العسل من أجل السيطرة والتغلب لا الإقناع والتفهيم من خلال إخفاء الحقيقة على السامع لما في طياتها من أهداف دنيئة لو اكتشفها المحاور على حقيقتها لرفض الحوار والمحاور من أول الأمر، وليس هذا محض خيال وهراء من القول، بل ما يقع وما وقع في محافل السياسة العالمية يدل على ذلك حتى سمي ذلك بعلم السياسة، والأحرى أن يسمى بفن المخادعة، وما يعبر عنه اليوم (بالدبلوماسية)(20) فلو تابع القارئ الكريم محاورة بين قطبين من تجار السياسة اليوم فإنه يشم رائحة النفاق تزكم الأنف السليم، حيث المجاملات الخادعة، والمداهنات الباهتة؛ ليحاول كل منهم أن يستحوذ على محاوره ليوقعه في شباكه، ويصعد على كتفيه ((وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ)) (القلم:9)
هذا الشكل من المرونة المبنية على المساومة، والمخادعة، والمراوغة، بل على المكر والغدر، يرفضها الإسلام رفضاً قاطعاً، ويعتبرها نفاقاً خالصاً، لا يليق بإنسان يحترم عقله فضلاً عمن يلتزم بمبادئ دينه؛ لذلك حذر أمير المؤمنين (ع) من أهل النفاق بقوله: (أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحذركم أهل النفاق فإنهم الضالون المضلون، والزالون المزلون، يتلونون ألواناً، ويفتنون افتناناً يعمدونكم بكل عماد، ويرصدونكم بكل مرصاد؛ قلوبهم دوية، وصفاحهم نقية يمشون الخفاء، ويدبون الضراء، وصفهم دواء، وقولهم شفاء، وفعلهم الداء العياء…)(21) فالمرونة إذن في المفهوم الإسلامي عرض الحقيقة بأسلوب هادئ لا يثير تعنت السامع، ولا يجرح عواطفه بكلمات رقيقة، مهذبة، لطيفة، تداري المشاعر وتبعث في السامع روح الإحساس النبيل، وتوقظ فطرته المدفونة تحت ركام المفاهيم الفاسدة، وتنفض عنه تراب الخمول، وتقتلع النباتات الطفيلية عنها لتجعل أرضيتها مهيأة لقبول أنوار الحق، فلا كذب، ولا مراوغة، ولا خداع، ولا مداهنة، بل دعوة صادقة بكلمات جميلة، مرنة، ميسرة، كريمة، لا تمس الكرامة بل تحفظها، ولا تجرح الشعور، بل توقظه، ولا تثير الحفيظة، بل تفتحها وهذا مع كل الناس حتى الطغاة منهم، وخير مثال يجسد هذه الحقيقة: أمر الله تعالى رسوله موسى (ع) وأخاه هارون (ع) أن يخاطبا طاغية عصرهم فرعون: ((اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)) (طه:43-44)
كما إن اليُسر والكرم لون من ألوان الليونة في التعامل الاجتماعي يقول تعالى في بيان بعض حقوق الوالدين ((وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً)) (الإسراء: 23) وفي معاملة ذوي الحاجة يقول تعالى: ((وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً)) (الإسراء:28)
وهكذا كانت أخلاق رسول الله (ص) في تعامله الاجتماعي: قول لين، ووجه مبتشر، وطبع كريم، لا فظ ولا غليظ، وأدق وصف لهذه الصورة الكريمة من التعامل الرسالي ((وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ)) (آل عمران: 159)
وفي باب التبليغ والإرشاد , يقول (ص) لمبعوثه إلى اليمن (يسِّر ولا تعسِّر وبشِّر ولا تنفر)(22) فليس المرونة في الإسلام إلا مداراة العواطف (وملاينة الناس وحسن صحبتهم، واحتمال آذاهم ؛ لئلا ينفروا) عن الإمام الصادق (ع) قال: (جاء جبرئيل إلى النبي (ع) فقال: يا محمّد، ربك يقرئك السلام ، ويقول لك دارِ الخلق)(23)
ويقول (ص): (إنّا معاشر الأنبياء أمرنا بمداراة الناس كما أمرنا بإقامة الفرائض)(24)
وعن أمير المؤمنين (ع): (مداراة الناس نصف العقل)
وقال الإمام الصادق (ع): (إن قوماً من الناس قلَّت مداراتهم للناس فأنفوا من قريش، وأيم الله ما كان بأحسابهم بأس، وإن قوماً من غير قريش حسنت مداراتهم فألحقوا بالبيت الرفيع)(25)
وأما الفرق بين المداراة والمداهنة كما يقول الفيض الكاشاني:
(بالغرض الباعث على الإغضاء، فإن أغضيتَ لسلامة دينك، ولما ترى فيه إصلاح أخيك فأنت مدارٍ، وإن أغضيت لحظ نفسك، واجتلاب شهواتك وسلامة جاهك فأنت مداهن)(26)
أما المرونة في الأحاديث الشريفة تعني الرفق بالناس، واللطف بهم (وهو لين الجانب وهو خلاف العنف) فمن كان لطيفاً في معاملة الناس، رفيقاً بهم مترفعاً عما في أيديهم، نال ما يريد منهم. يقول الإمام الصادق (ع): (من كان رفيقاً في أمره نال ما يريد من الناس)(27)
وقال رسول الله (ص): (إن الرفق لم يوضع على شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه) و (الرفق يُمن والخرق شؤم)(28)
ويقول أمير المؤمنين (ع): (من لانت كلمته وجبت محبته)(29) وهو أدق تعبير عن الرفق واللطف ومدى أثره في نفوس وقلوب الناس .
وخلاصة القول: إن المرونة هي مداراة عواطف الناس، والتدرج معهم في تغييرهم، وتحمل آذاهم، ومعارضتهم بالتي هي أحسن، وبكلام أدق: (هي تأجيل عمل معين لمصلحة معينة، أو تجزئة الموقف إلى مواقف متدرجة كما حدث في سياسة الرسول (ص) وسنته الحكيمة من المرونة والتدرج في بعض المواقف)

الهوامش:
(1) مترجم عن كتاب جهان بيني إسلامي بالفارسية للشهيد مطهري.
(2) المحدث المجلسي، بحار الانوار: 71/310.
(3) المصدر نفسه.
(4) المصدر نفسه: 75/312.
(5) المصدر نفسه: 75/148.
(6) المصدر نفسه: 77/87.
(7) العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القران: 13/118.
(8) نهج البلاغة كتاب: 18.
(9) ابن منظور، لسان العرب.
(10) العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القران: 2/389.
(11) الشيخ الطوسي، تفسير التبيان: 2/335 .
(12) سيد قطب، في ظلال القرآن: 1/451.
(13) الشيخ الطريحي، مجمع البحرين: 3/66.
(14) العلامة الطباطبائي، الميزان في تفسير القران: 16/347.
(15) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 78/241.
(16) الشيخ محمد باقر المحمودي، مستدرك نهج البلاغة: 7/381.
(17) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: 7/381.
(18) ابن شعبة الحراني، تحف العقول: 234.
(19) المصدر نفسه: 312.
(20) عرفوا القائد الدبلوماسي بأنه: (يمتاز بالمرونة، سعادته في أن يتلاعب بالأفراد والمواقف، مظهره لا يعكس باطنه، ولغته لا تعبر عن أفكاره، بعيد النظر واقعي وعملي لا يتردد في أن يتعامل مع عدو الأمس وأن يضحي بصديق اليوم). د. حامد ربيع، الحرب النفسية في الوطن العربي: 315.
(21) نهج البلاغة خطبة: 194.
(22) ابن هشام، السيرة النبوية: 4/104.
(23) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 2/117.
(24) أمالي الشيخ الطوسي: ح/54.
(25) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 2/117.
(26) الفيض الكاشاني، المحجة البيضاء: 3/334.
(27) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 2/120.
(28) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 2/119.
(29) الآمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم: 250.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com