موقع الصراط ... الموضوع : التجسيم في التعبير القرآني-2
 
الخميس - 28 / محرم / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التجسيم في التعبير القرآني-2  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 15 / ربيع الأول / 1434 هـ
     
  الكاتب: الدكتور عقيل الخاقاني
3ـ تجسيم الزمان: الزمن والزمان اسم لقليل الوقت وكثيره(1)، ويطلق على مرور الليالي والأيام(2).
وهناك من فرَّق بين (الزمان والزمن)، على أنَّ الزمن يدلُّ على وقت محدود من الزمان، أو وقت من الوقت من ذلك الزمان، وهو الحين(3).
أما النصُّ القرآني فلم ترد فيه لفظتا (الزمان والزمن)، وإنّما عبر عنهما بما يدلُّ عليهما، مثل: الساعة، واليوم، والشهر، والسنة، والحين، والدهر، أو الليل والنهار، إلى غير ذلك من ألفاظ الزمان التي أختصَّ كلٌّ منها بمعنى معين، وإن بدا أنَّ بعض هذه الألفاظ ذات معان ٍ مترادفة أو متقاربة.
ويعدّ تجسيم الزمان ضرباً من ضروب التصوير الفني في العربية عامّة والتعبير القرآني خاصّة، إذ يتحول الزمان، بمختلف أنواعه وأجزائه، إلى مُدركٍ حسِّي، بعد إضفاء صفة من صفات الحسِّ عليه، فيبدو وكأنَّه جسم يتحرك أو يتنقل أو يكون ذا هيأة أو وزن أو لون، فيوصف ـ مثلا ـ بالثقل، مثلما جاء في قوله تعالى: ((إِنَّ هَؤُلاَءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلاً))(4).
تجسيم (الساعة): الساعة جزء من أجزاء الزمان، والليل والنهار معا أربع وعشرون ساعة، وإذا اعتدلا فكلُّ واحد منهما اثنتا عشرة ساعة. وقد تطلق (الساعة) ويُراد بها: الوقت الحاضر، فيقال: أزورك الساعة، أي: الآن، أو يُراد بها: جزء قليلٌ من الليل أو النهار، مثلما تقول: جلستُ عندك ساعة من النهار، أي وقتا قليلا منه(5)، ومثالها ـ حين تدلُّ على جزءٍ من أجزاء الزمان ـ قوله تعالى: ((لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَة))(6)، أي: وقت العسرة، إذ خرج المسلمون إلى تبوك لغزو الروم، في وقتٍ شديد الحر، كانوا فيه في قلة من الظهر، يعتقب العشرة على بعيرٍ واحد، وفي قلة من الزاد، وفي شحّة من الماء...، وقد تخلف بعضُهم عن الخروج مع الرسول (ص)، وهمَّ فريقٌ منهم بالرجوع إلى المدينة. وبهذا يكون الكتاب العزيز قد عبَّر بالساعة عن مطلق ذلك الوقت العسير، على أنَّ الساعة يمكن أن تطلق على كلِّ زمان(7).
ووردت لفظة (الساعة) في القرآن الكريم في ثمانية وأربعين موضعا، فجاءت معرَّفة بـ(الألف واللام) في أربعين موضعا، إذ قُصدَ بها (ساعة الآخرة)، أو (يوم القيامة)، وجاءت نكرةً في ثمانية مواضع، لتدلَّ على جزء من الزمان، سواءٌ أكان هذا الزمان محدودا أم غير محدود.
أمّا تسمية يوم القيامة أو اليوم الآخر بـ(الساعة) فربما يرجع إلى وقوعها بغتة ـ وهذا ما أشار إليه الكتاب العزيز في عدَّة مواضع ـ(8)، أو لسرعة الحساب في ذلك اليوم العظيم، أو لأنَّها عند الله عزَّ وجل كأيَّة ساعةٍ من الساعات، على طولها عند الخلق، أو جريا على عادة العرب في استعظام ما يقع في زمان معين، إذ يكتفون بذكر ذلك الزمان في الدلالة عليه، لما يجري فيه من أحداث وأهوال...(9).
وقد ظلَّ زمن قيام (الساعة) وحدوثها مجهولا في جميع الآيات التي تحدثت عنها، على أنَّها ليست كبقية الساعات فحسب، وإنَّما تنفرّدُ، من دون ساعات الزمان كله، بأنَّها الساعة الحاسمة الفاصلة التي يتغير فيها نظاما الزمان والمكان.
ويتخذ القرآن الكريم من التجسيم الفني سبيلا لبيان خطرها وعظم ما يجري فيها من أحداث وأهوال، إذ يُسنِد إليها الإتيان، والقيام، دلالة على بروزها وشخوصها وفاعليتها(10)، مثلما جاء في قوله تعالى: ((قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ))(11)، ففي هذه الآيات يجسّم الكتاب العزيز(الساعة)، إذ يجعلها (تأتي) تارة و(تقوم) تارة أخرى، أو يجعلها سفينة تجري في عرض البحر، لا يُعرف زمن استقرارها، وذلك في قوله تعالى: ((يسألونك عن الساعة أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ))(12)، فـ(أيَّانَ) يُسألُ بها عن وقت حدوث الشيء، بما يقارب معنى (متى)، بيدَ أنَّ (أيّان) تستعمل في موضع التفخيم والتبعيد، أي أنَّ استعمال (أيَّانَ) يوحي باستبعاد حدوث (الساعة) وإنكارها من المنكرين لها، وهو ما يفسِّر لنا تخصُّص هذه الأداة في الاستفهام عن الزمان الغيبي في التعبير القرآني(13).
أما السؤال بصيغة المضارع (يَسألونك) فيدلُّ على كثرة السؤال وتكراره من لدن المنكرين لقيام الساعة، لذا ردَّ عليهم الكتاب العزيز بقوله تعالى: ((قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُو))(14)، مخبرا بذلك عن حقيقة لا ريبَ فيها، هي أنَّ الساعة آتيةٌ، ولا علمَ لأحدٍ بها إلا الله، كأنَّها قد أخفيت بغطاء، (لا يُجلِّيها)، أي لا يُظهرها أو يكشف عنها في وقتها إلا هو عزَّ وجل، زيادة في التهويل والتخويف ممّا يحدث فيها، بما يحمل الناس على الإيمان بما أنزل الله عزَّ وجل من الآيات البينات، ويزجرهم عن المعاصي، لأنَّ من طبيعة النفس الإنسانية الخوف من المجهول، لذا استأثر الله تعالى بعلم (الساعة) إلى الحدِّ الذي صرف الرسول (ص) عن الاشتغال بها، لتبقى تحمل رهبة المجهول ووقع المباغتة(15)، ((يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا))(16)، بل إلى الحدِّ الذي يكاد الله أن يخفيها عن ذاته عزَّ وجل ((إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا))(17)، جريا على عادة العرب في كلامهم، إذ يبالغون في كتمان السرِّ فيقول أحدُهم: كتمته عن نفسي(18).
ويستعير الكتاب العزيز(الثقل) للساعة ـ في الآية ذاتها التي نحن بشأن الحديث عنها ـ ((ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً))، على سبيل التجسيم الفني لهذا الزمن الغيبي، فتزداد هذه (الساعة) ضخامة ورهبة...
ولنا أن نتخيَّل حال البشر في (ساعة)، لا تطيقُ السموات والأرض حملها أو احتمال ما يجري فيها، إذ تُكوَّر الشمس وتُسيَّر الجبال وتُعطَّل العشار وتُحشر الوحوش وتُسجَّر البحار....، وما يمكن أن تحدثه مثل هذه الأحداث الجسام والأهوال العظام من تأثير في النفوس، وبخاصة حين تقترن بعنصر المباغتة الذي من شأنه أن يزيد من وقعها وشدة تأثيرها، إذ ((تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ))(19). لذا دعا القرآن الكريم الناس إلى أن يتقوا ربَّهم على أنَّ ((زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ))(20)، فالزلزلة والزلزال: تحريك الشيء، وزُلزلت الأرض: إذا حُرِّكت حركة شديدة، وتستعمل ـ أيضا ـ كناية عن التخويف والتحذير، وزُلزل القوم: خُوِّفوا وحُذِّروا، والزلازل: الشدائد والأهوال...(21). لذا إنَّ إسناد الزلزلة إلى (الساعة) يُعدُّ تجسيما لهذا الزمن الغيبي، على أنَّ الزمان ـ من حيثُ هو زمان، ومهما كان نوعه ـ لا يُزلزل الأشياء، وإنَّما الذي يزلزلها ما يجري فيه من أهوال. ويمكن أن يُحمل مثل هذا التعبير على سبيل المجاز العقلي بعلاقته الزمانية، إذ يُذكر الزمان ويُراد ما يجري فيه من أحداث، كقوله تعالى: ((فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا))(22)، فقد أسند الفعل (تتّقون) إلى (اليوم)، وهو إسنادٌ غير حقيقي، لأنَّ ما يحدث من أهوال في (يوم القيامة) هو الذي يجعل الولدان شيبا وليس اليوم ذاته، أي أنَّ الحقيقية تقتضي أن يقال: فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل هولُه الولدان شيبا(23).
وهنا يبدو لنا هذا الزمن الغيبي أو(الساعة) وكأنَّه قد ألبس بحدثه، حتى صار الحدثَ ذاته، على سبيل التجسيم، لتقوية الصلة بينهما، أي بين الوقت والحدث، مثلما مرَّ بنا، إذ أسند (المجيء) و(الإتيان) و(القيام) إلى (الساعة)، بل ربما أمعن القرآن الكريم في تناسي ظرفية الساعة، فأخبر عنها بصيغة المذكر، بوصفها الحدث نفسه، وذلك في قوله تعالى: ((وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ))(24)، فالقرب نقيض البعد، ومن قرب فقد دنا(25). وفي الإخبار عن الساعة بأنَّها (قريبٌ) تجسيم لها، إذ تبدو كأنَّها جسمٌ يتحرك، فيدنو ويقترب، ليعلن بداية النهاية، وبدء الحساب، بما فيه من ثواب وعقاب. أمّا استعمال (لعلَّ) ـ هنا ـ فيوحي بقرب وقوع ما هو محذور(26).
وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ الكتاب العزيز لم يستعمل (الفجأة) مع قيام الساعة، وإنَّما استعمل (البغتة)، لأنَّ الفجأة قد تحمل معها السعادة، أمّا البغتة فلا تحمل إلا الخوف والألم.
تجسيم (الليل والنهار): لا شكَّ في أنَّ ظاهرة (الليل والنهار) تُعدُّ من الظواهر الطبيعية المحسوسة. ومع اختلاف الليل والنهار فقد صارا مألوفين، وذلك لتكرار حدوثهما وكثرة ورودهما. وفي حدوثهما ـ على هذا النحو الذي نراه ـ ما يدلُّ على دقة خلقهما وتعاقبهما، وهو ما عبّر عنه الكتاب العزيز، بطريقة التجسيم الفني، في قوله تعالى: ((تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ))(27)، فجسَّم (الليل والنهار)، إذ جعل أحدهما يلج في الآخر.
ومن اللافت للنظر أنَّ الكتاب العزيز لم يعبر عن تعاقب (الليل والنهار) ودخول أحدهما في الآخر بالفعل (تُدخل)، وإنّما عبَّر عنه بالفعل (تولج)، للدلالة على أنَّ هذا الدخول يحدث على نحو تدريجي، فالمراد بـ(الولوج): الدخول في مضيق(28)، ومنه قوله تعالى: ((لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ))(29)، فلم يقل: حتى يدخل، وإنّما قال (حتى يلج)، لتصوير استحالة دخول الكفار إلى الجنة إلا إذا دخل الجمل، على ضخامة جثته، في ثقب الإبرة، على ضيقه وصغره، لأنَّ العرب إذا أرادت تأكيد النفي علقته بما يستحيل وقوعه، فيقولون: لا نفعل كذا حتى يشيب الغراب، وحتى تتفطر السماء، وحتى تأتي الشمس من المغرب..(30). فضلا عن هذا فإنَّ في استعمال الفعل (تولج)، بصيغة المضارع، ما يدلُّ ـ أيضا ـ على دوام هذا التعاقب بين الليل والنهار واستمراره وتجدُّده.

ثمَّ أنَّ الكتاب العزيز قدَّم الليل على النهار في جميع الآيات التي اقترن فيها ذكر الليل بالنهار، على أنَّ الليل يمثل الظلمات، أمّا النهار فيعبّر عن النور، والظلمات عدم والنور وجود، والعدم قبل الوجود، والله أعلم(31)، وأنَّ هذا الطباق الذي بين: الولوج والخروج، والليل والنهار من جهة، والحياة والموت من جهة أخرى، قد أسبغ لونا آخر من ألوان الإيحاء والتأثير على هذه الصورة، ليدلَّ على أنَّ من له القدرة على الجمع بين هذه الأضداد، بما يحفظ التوازن في هذا الكون، لقادرٌ على أن ((يرزق من يشاء بغير حساب))، فيتحقق التناسب البياني بين مطلع هذه الآية وخاتمتها، لتحقق هذه الصورة غرضيها: الفني والديني في أوان واحد.
ومن صور التجسيم الفني لليل والنهار ـ أيضا ـ قوله تعالى: ((يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ))(32)، فالمراد بـ(التقليب): تحويل الشيء عن وجهه، أو صرفه عن وجه إلى وجه. وسمِّي قلب الإنسان قلبا لكثرة تقلبه. وتقليب الشيء: تغييره من حال إلى حال، وقد استعير (التقليب) لتدبير الأمور والنظر فيها(33).
وبهذا يكون الكتاب العزيز قد جسّم (الليل والنهار)، إذ عبّر عن اختلافهما وتعاقبهما بـ(التقليب)، وكأنَّهما جسم له وجهان أو جانبان، يختلف أحدهما عن الآخر، فيُظهر الله عزَّ وجل هذا تارة ويُظهر ذاك تارة أخرى، على هذا النحو الدقيق الذي يدعو ذوي العقول إلى التأمل في خلق هذا الكون وتدبّره.
واستعمال (التقليب) ـ هنا ـ يوحي بعدم ثبات حال الدنيا وحال الإنسان فيها، فالأحوال تتقلب، بل قد تقلب رأسا على عقب، وفي هذا عبرة لأولي الألباب، إذ نبّه الله عزَّ وجل الناس على أنَّه يقلب أحوالهم مثلما يقلب الليل والنهار، فلا تبتئسوا أيها الفقراء والمستضعفون ولا تغتروا أيها الطغاة والمتكبرون...
أما اسم الإشارة (ذلك) فيدلُّ على عظم المشار إليه، لأنَّ من شأن الإشارة أن تكون للأشياء المحسوسة، وإذا ما أشير إلى ما هو معنوي أو عقلي فإنَّ ذلك يكون لبيان خطر المعنى المشار إليه وأهميته.
ويرسم لنا الكتاب العزيز صورة أخرى من صور التجسيم الفني لـ(الليل والنهار)، إذ يعبّر عن خروج النهار من الليل بـ(السلخ)، وذلك في قوله تعالى: ((وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَار))(34)، أي أنَّ النهار ينتزع من الليل انتزاعاً ويُسلخ عنه، مثلما يُكشط الجلد عن الشاة(35). وفي هذا ما يدلُّ على التصاق الليل بالنهار وتداخلهما، بل والتحام أحدهما بالآخر، وكأنَّ الليل شاةٌ قد سُلخ عنها جلدها الذي هو النهار، ذلك بأنَّ هوادي الصبح عند طلوعه تكون كالملتحمة بأعجاز الليل، لذا أجرى عليها أسم السلخ، فكان استعمال الفعل (نسلخ) أفصح ممّا لو قال: نُخرج، لأنَّ السلخ أدلُّ على الالتحام المتوهم فيها من الإخراج(36).
وتوحي هذه الصورة التجسيمية ـ أيضا ـ بالتناسب البياني بين الليل والنهار من جهة والموت والحياة من جهة أخرى، ذلك بأنَّ الشاة التي يُسلخ عنها جلدها تكون قد فارقت الحياة، كذلك الحال في الليل إذ يُسلخ منه النهار ويرخي سدوله، ، فيسكن فيه كلُّ شيء، حتى يُخيَّلَ إليك وكأنَّه ضربٌ من الموت، ثمَّ يأتي النهار فتدبُّ الحياة، إذ ينتشر فيه الناس. وهو ما عبَّر عنه القرآن الكريم ـ في صورة بيانية أخرى من صور التجسيم الفني لليل والنهار ـ بقوله تعالى: ((وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا))(37)، فاللباس ما يُلبس من الثوب، فيشتمل على الجسم ويحيط به. أما السبات فيراد به: ((الانقطاع عن الناس والحركة والعمل، أي: وجعلنا نومكم راحة لكم. والنشر من: نشر الثوب والصحيفة والسحاب والنعمة والحديث: إذا بسطها وهو ضدُّ الطيِّ. وجعل النهار نشورا، أي: جعل فيه الانتشار وابتغاء الرزق(38).
وبهذا يكون الكتاب العزيز قد جسّم (الليل)، إذ شبّهه باللباس الساتر، لأنَّ الناس يستترون به مثلما يستترون بالثياب التي يلبسونها(39)، ومن ثمَّ يخلدون إلى النوم الذي جعله سباتا، وهو ضربٌ من الموت، إذ يسبت أو ينقطع فيه الناس عن الحركة والعمل، ثمَّ يأتي النهار فتدبُّ الحياة، إذ ينتشر فيه الناس...
إذن فالليل سكون وراحة والنهار حركة وعمل. وفي هذا التقابل الذي بين الليل والنوم من جهة والنهار والحركة من جهة أخرى ما يدلُّ على الموت والحياة، إذ يُحيي الله عزَّ وجل الناس ويبعثهم بعد موتهم.
وثمة صورةٌ بيانية أخرى من صور التجسيم الفني لـ(الليل والنهار)، تتمثل في قوله تعالى: ((خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ))(40)، فالتكوير: اللفُّ والطيُّ، وأصله من تكوير العمامة، أي: لفُّها وجمعها. وكوِّرت الشمس: جمُع ضوؤها ولـُفَّ كما تلفُّ العمامة. وتكوير الليل والنهار: تغشية أو إدخالُ كلِّ واحدٍ منهما في صاحبه(41).
وبهذا يكون الكتاب العزيز قد جسَّم كلا من الليل والنهار إذ جعلهما قطعتي قماش تلفُّ إحداهما على الأخرى بالتناوب، مثلما تـُلفُّ العمامة بالتتابع، فكلما لـُفَّ جزءٌ غطّى الآخر باللفِّ حتى يغيبَ عن البصر(42)، فضلا عمّا يوحي به التكوير من حركة سريعة في أثناء اللفِّ أو الطيِّ وشمول المغطّى وإحاطته، بحيث يعلو عليه ويغيِّبُه(43).
من هنا تتبيّن لنا أهمية التجسيم، أسلوبا من أساليب التصوير الفني في التعبير القرآني، إذ ردَّ الكتاب العزيز على الكفار ـ الذين اتخذوا أولياء من دون الله عزَّ وجل وجعلوا له ولدا ـ بأسلوب التجسيم الفني لليل والنهار، على أنَّهما يمثلان ظاهرة من الظواهر الطبيعية المحسوسة التي تدلُّ على قدرة الله الواحد الأحد على خلق الكون، على وفق هذا النظام الدقيق المعجز. وهذا ما حمل بعض النقاد المحدثين على أن يعدُّوا التجسيم الأسلوب المفضَّل من أساليب التصوير البياني في التعبير القرآني(44).
ومع أنَّ ذكر الليل قد اقترن بذكر النهار في أغلب آي الذكر الحكيم، على أنَّ النعمة لا تتمُّ بأحدهما، وأنَّ تعاقبهما على هذا النحو وعدم تطاول أحدهما إلى الأبد يمثل صورة من صور الإعجاز الإلهي في خلق هذا الكون وتدبيره، فقد يقتضي المقام ذكر أحدهما، من دون الآخر، مثلما هي الحال في تجسيم الليل، في قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ))(45)، ففي هذه الآية الكريمة صورة تشبيهية تجسيمية من صور التجسيم الحسّي لـ(الليل)، ترسم لنا مشهدا آخر من مشاهد الهول التي تجري على الكفار في يوم القيامة، يتمثل في قوله تعالى: ((كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنْ اللَّيْلِ مُظْلِمًا))، أي: كأنَّما ألبست وجوههم قطعا من الليل المظلم(46). والليل لا يكون إلا مظلما، بيد أنَّه وُصف ـ هنا ـ بالمظلم دلالة على شدِّة ظلمته، مثلما يقال: ليل أليل وظلٌّ ظليل(47). وفي هذا يقول سيّد قطب: فهذا السواد ليس لونا ولا صبغة، وإنَّما هو قطعٌ من الليل المظلم قد غشَّت وجوه هؤلاء الكفار(48) . فجسَّم الكتاب العزيز (الليل)، إذ جعله قطعا، أي أجزاءً، وكأنَّ هذا الليل الدامس البهيم قد تشظّى قطعا تغطِّي وجوه أصحاب النار.
من هنا نستطيع أن نتبيّن مقدار الخزي والهوان والذلة والخسران الذي يلحق بهؤلاء الكفار في يوم الفزع الأكبر، إذ يُعرضون على هذا النحو ولا يجدون ما يعصمهم من الله عزَّ وجل.
ومن تجسيم (النهار)، منفردا، من دون أن يسبق بذكر الليل، قوله تعالى: ((وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ))(49)، فالمراد بـ(الوجه): المحيّا، وهو مستقبل كلِّ شيء، ووجوه القوم: أشرافهم، فيقال: وجوه البلد ويراد بذلك: أعيانهم وسادتهم. ولأنَّ الوجه أولُّ ما يستقبلك وأشرف ما في ظاهر البدن، فقد عُبّر به عن الذات، مثلما جاء في قوله تعالى: ((وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ))(50)، وقوله تعالى: ((كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ))(51)، وقوله تعالى: ((إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ))(52). ووجه النهار: صدرُ النهار أو أوله، ومنه قول الربيع بن زياد في رثاء مالك بن زهير العبسي:(الكامل)
من كان مسرورا بمقتل مالك *** فليأتِ نسوتنا بوجه نهار(53)
أي أنَّ الكتاب العزيز قد جسَّم النهار، إذ جعل لهذا الزمن وجها يُفصح عن نفاق هؤلاء اليهود، على أنَّ كلَّ ما يدور في الذهن والنفس يظهر على الوجه.
وكان اثنا عشر رجلا من أحبار اليهود قد تواطأوا، إذ قال بعضهم لبعض: ندخل في دين محمد ـ باللسان لا بالجنان ـ أولَّ النهار ونكفر به في آخره، ثمَّ نقول للمسلمين: إنَّا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدا على غير ما يقول، وهو ليس بالنبي المنعوت أو الموعود، فظهر لنا كذبه وبطلان دعوته...، لكي يزرعوا الشك في نفوس المسلمين، لعلهم يرجعون عن دينهم، على أنَّ اليهود أهلُ كتاب وهم أعلمُ بهذا الأمر، وأنَّهم لا يرجعون عن أمرٍ إلا من بعد أن يتبيَّن لهم بطلانه... (54).

تجسيم (اليوم): يُراد بـ(اليوم): الوقت الذي يمتدُّ من طلوع الشمس إلى غروبها، وقد يُعبّر به عن مدَّةٍ من الزمان، أيَّة مدَّة كانت، مثلما جاء في قوله تعالى: ((وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ))(55)، أي: وذكرهم بالأيام التي أنعم الله عزَّ وجل فيها على المؤمنين والأيام التي انتقم فيها من الكافرين. وقوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ))(56). وحين تقول العرب: اليومَ اليومَ، فإنَّها لا تريد يوما بعينه، وإنَّما تريد بذلك الوقت الحاضر(57). ومنه قوله تعالى: ((الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا))(58)، ولا يرادُ بكلٍّ منهما يوما بعينه، وإنَّما أريد بهما الزمان الحاضر وما يتصل به ويدانيه من الأزمنة الماضية والآتية، كقولك: كنتَ بالأمس شابا وأنت اليومَ أشيب، فلا تريد بالأمس اليوم الذي قبل يومك ولا باليوم يومك، وقيل: أريد بـ(اليوم) ـ في هذه الآية ـ: يوم عرفة من عام حجّة الوداع، والله أعلم(59).
وتعدُّ لفظة (اليوم) من ألفاظ التناسب الإحصائي في التعبير القرآني، إذ تكررت (366) ثلاثمائة وستا وستين مرة، بعدد أيام السنة، مقترنا بـ(القيامة) في سبعين منها، مشخَّصا تارة ومجسَّما تارة أخرى.
ومن صور التجسيم الفني لـ(اليوم) ـ في الكتاب العزيز ـ قوله تعالى: ((إِنَّ هَؤُلاَءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلاً))(60)، أي أنَّ الكفار يؤثرون الحياة الدنيا ولا يعبأون باليوم الآخر، وقد استعير (الثقل) لليوم لشدائده وأهواله(61). وبهذا يكون الكتاب العزيز قد جسّم (اليوم)، إذ جعله جسما ذا كثافة ووزن، بعد أن وصفه بصفة ما يحلُّ فيه.
وقد يوصف (اليوم الآخر) بأوصاف حسيّة أخر، على سبيل التجسيم أيضا، إذ يتحول إلى جسم (كبير) تارة و(محيط) تارة أخرى، مثلما جاء في قوله تعالى: ((وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ))(62)، وقوله تعالى: ((وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيط))(63)، فالزمان لا يكبر أو يصغر ولا يحيط بالأشياء، وإذا ما وصف (اليوم الآخر) بأنَّه (كبير) أو (محيط) فلعِظَم ما يجري فيه من أحداث، وشدَّة ما يقع على الكافرين من عذاب، وهو أبلغ وأوقع في النفوس من أن يوصف العذاب نفسه بالكبر أو الإحاطة، على أنَّ الزمان، أيَّ زمان، سواءٌ أكان محدودا أم غير محدود، حاضرا أم غيبيا، يشتمل على ما يجري فيه من أحداث. ولعلَّ من اللافت للنظر أنَّ الفعل (أحاط) ـ وما اشتق منه ـ لم يرد في القرآن الكريم إلا في مواضع الشرِّ والعذاب، فضلا عن أنَّ مجيء لفظة (محيط) نكرة من شأنه أن يزيد من هول عذاب (يوم القيامة)، على أنَّ التنكير يفيد العموم، أي أنَّ العذاب في ذلك اليوم العصيب سيشمل جميع الكافرين ويحيق بهم...(64).
ووصف (اليوم) بـ(العصيب) على لسان لوط (ع)، إذ جاءته رسلُ ربه، وخاف عليهم من قومه، لما رأى لهم من جمال الصورة وحسن الهيأة، من قبل أن يخبروه بأنَّهم رسلُ ربه إليه، إذ كان قومه يسارعون إلى أمثالهم بالفاحشة(65)، وذلك في قوله تعالى: ((وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ))(66)، فأصلُ العصب: الطيُّ الشديد، والأعصاب: أطناب المفاصل، وقد سمّيت العمامة بالعصابة لأنَّها تُشدُّ بالرأس وتُلوى عليه(67). ومنه استعير(العصيب) للزمان عامّة، والأيام خاصّة، للدلالة على شدَّة بلائها، وكأنَّ الشرَّ قد جُمع فيها والتفَّ بعضه ببعض. وبهذا يكون الكتاب العزيز قد جسَّم اليوم، إذ وصفه بصفة ما يجري أو يحلُّ فيه وهو وصفٌ لم يرد في القرآن الكريم إلا في هذا الموضع، وذلك لبيان شدَّة الحرج والألم والهمِّ الذي كان يشعر به لوط (ع) في ذلك اليوم، خوفا من أن يُخزيَه قومه في أضيافه(68).
وعلى هذا يُحمل قوله تعالى: ((مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ))(69)، فالعصف هو: ورق الزرع الذي جفَّ ويبس وتفتّت، ومن ثمَّ صار تبنا فتأكله الدواب، أو أنَّه حطامُ النبت المتكسِّر. والرياح أو الريح العاصف أو العاصفة هي: الريح الشديدة الهبوب(70).
وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ القرآن الكريم لم يستعمل (الريح) إلا في مواضع الشرِّ والعقوبات، أمّا (الرياح) فقد استعملها في مواضع الخير والرحمة.
وقد حُمل إسناد العصف إلى (اليوم) على المجاز، من باب وصف الشيء بصفة ما يجري فيه، على أنَّ (اليوم) أو الزمن، أيَّ زمن، لا يعصف بالرماد، وإنَّما الريح هي التي تعصف به.
من هنا شبهت أعمال الكفار ((برماد اشتدت به الريح في يوم عاصف))، على سبيل التجسيم لهذا الزمن، والوجه الجامع بينهما عدم الانتفاع بكلٍّ منهما، مثلما لا ينتفع بالنبات إذا ما يبس وديس وتفتت، حتّى صار رمادا، ومن ثمَّ ((اشتدت به الريح في يوم عاصف))، كذلك لا ينتفع الكفار بأعمالهم. لذا ختمت هذه الآية بقوله تعالى: ((لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ))، ليزرع اليأس في نفوس الكفار من أن ينتفعوا بأعمالهم، وإن خُيِّل إليهم أنَّ بإمكانهم أن ينتفعوا بما في الحياة الدنيا، من صلةٍ للأرحام وعتقٍ للرقاب وفداء للأسرى وقرى للضيوف وإغاثة الملهوف...، فهذه الأعمال، وإن كانت من أعمال البرِّ والإحسان، فإنَّها ضائعة مضيَّعة ما لم تقترن بالإيمان. وهذا ما أكده القرآن الكريم في مواضع كثيرة، إذ قرن بين الإيمان والعمل الصالح. لذا ليس للكفار أن يكسبوا شيئا ممّا قدموا، مثلما ليس لأحدٍ أن يكسب شيئا من الرماد الذي تذروه الرياح.
ويمكن أن نضرب مثلاً لذلك بالحوار الذي جرى بين المسلمين عامّة والإمام علي (ع) خاصّة من جهة والعباس بن عبد المطلب من جهة أخرى، بعد أن أُسرَ العباس يوم بدر، فأقبل عليه المسلمون وعيَّروه بكفره وقطيعة الرحم، وقد أغلظ له الإمام علي (ع) في القول، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا، فقال له الإمام: وهل لكم من محاسن؟، قال العباس: نعم، إنا لنعْمرُ المسجد الحرام ونحجبُ الكعبة ونسقي الحاج ونفكُّ العاني...، فنزل قوله تعالى: ((أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ))(71)، على أنَّ قبول الصالحات من الأعمال رهنٌ بالإيمان بالله واليوم الآخر(72) .
ومع أنَّ مشهد ((الرماد الذي اشتدت به الريح في يوم عاصف)) يعدُّ من المشاهد المألوفة في البيئة العربية، ولاسيَّما وقت المبعث، بيد أنَّه من المشاهد التي يكرهها العربي، إذ يزرع في نفسه الإحباط والشعور بالخيبة، بعد أن يحمل إليه الجدب والقحط والحرمان، في بيئة شحَّ ماؤها وقلَّ زرعها، حتّى أنَّ العرب سمَّت العام الذي أصاب الناس فيه قحطٌ بـ(عام الرمادة)، إذ كانت الأرض تسفي ترابا كالرماد لشدة يبس الأرض(73).
من هنا نستطيع أن ندرك الأسرار البيانية في استعمال هذه الصورة التشبيهية التجسيمية الحسيّة البصرية المركبة التي حققت أغراضها: الفنية والنفسية والدينية في أوانٍ واحد، وهو ما لا يتحقق بالتعبير المجرّد، إذ يتحوّل الزمان (اليوم) إلى جسم يعصف بأعمال الكافرين، مثلما تأتي الرياح على الرماد فتجعله هباءً منثورا(74).

الهوامش:
(1) لسان العرب، مادة (زمن).
(2) أنظر: فروق اللغات في التمييز بين مفاد الكلمات، نور الدين بن نعمة الله الجزائري، تحقيق: د. محمد رضوان الداية:127
(3) أنظر: مقاييس اللغة، أحمد بن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، مادة (زمن).
(4) الإنسان: 27.
(5) أنظر: المفردات، ولسان العرب، مادة (سوع)
(6) التوبة:117
(7) أنظر: مجمع البيان:5/78ـ80، ويوم الدين والحساب، شكري محمد عيّاد:33، والإبداع البياني في القرآن العظيم، محمد علي الصابوني:121.
(8) أنظر: الأنعام:31، ويوسف:107، والحج:255، والزخرف:66، ومحمد:18.
(9) الكشّاف:2/134، والمثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، ضياء الدين بن الأثير، تحقيق: أحمد محمد الحوفي، ود. بدوي طبانة:4/51.
(10) أنظر: التفسير البياني للقرآن الكريم:1/132.
(11) الأنعام:31.
(12) الأعراف:187، والنازعات:42ـ46.
(13) أنظر: المفردات، مادتي (أيّان)، و(رسا)، ولسان العرب، مادة (رسا).
(14) الأعراف:178.
(15) أنظر: الكشاف:2/134، والتفسير البياني للقرآن الكريم:1/133.
(16) النازعات:42ـ44.
(17) طه:15.
(18) أنظر: جامع البيان في تأويل آي القرآن، لمحمد بن جرير الطبري:16/151، ومجمع البيان:7/6 .
(19) التكوير:1ـ6، والحج:2.
(20) الحج:1.
(21) لسان العرب، مادة (زلل).
(22) المزمل:17.
(23) أنظر: بيان إعجاز القرآن، (ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن)، الخطابي، تحقيق: محمد خلف الله، ومحمد زغلول سلام:257، والإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز، عز الدين بن عبد العزيز بن عبد السلام:262، والبرهان:2/257، والإتقان:3/110،109.
(24) الشورى:17، وأنظر: التفسير البياني للقرآن الكريم:1/135.
(25) أنظر: لسان العرب، مادة (قرب).
(26) أنظر: من بلاغة القرآن، أحمد أحمد بدوي:167.
(27) آل عمران: 27.
(28) أنظر: المفردات، مادة (ولج).
(29) الأعراف: 40.
(30) أنظر: الإبداع البياني في القرآن العظيم:100.
(31) أنظر: الطبيعة في القرآن الكريم ، د. كاصد ياسر الزيدي:484 .
(32) النور: 44.
(33) أنظر: المفردات، مادة (قلب).
(34) يس: 37.
(35) أنظر: لسان العرب، مادة (سلخ).
(36) أنظر: كتاب الصناعتين، لأبي هلال العسكري، تحقيق: علي محمد البجاوي و محمد أبو الفضل إبراهيم: 279، وأصول البيان العربي، د. محمد حسين الصغير: 119، 120.
(37) الفرقان: 47.
(38) أنظر: المفردات، ولسان العرب، مادة (لبس) و(سبت)، و(نشر).
(39) أنظر: جامع البيان: 19/20، 21.
(40) الزمر:5 .
(41) أنظر: المفردات، ولسان العرب، مادة (كور) .
(42) الكشاف:4/112 .
(43) أنظر: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، لأبي الحسن برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي، خرّج آياته وأحاديثه ووضع حواشيه: عبد الرزاق غالب المهدي:6/420 .
(44) أنظر: التصوير الفني في القرآن:63 .
(45) يونس:27.
(46) أنظر: مجمع البيان:5/104 .
(47) أنظر: التحرير والتنوير:1/148 .
(48) أنظر: التصوير الفني في القرآن:71 .
(49) آل عمران:72 .
(50) الرحمن:27.
(51) القصص:88 .
(52) الإنسان:9.
(53) أنظر: ديوان الحماسة، لأبي تمّام حبيب بن أوس الطائي، برواية: أبي منصور الجواليقي، تحقيق: د. عبد المنعم أحمد صالح:284، و المفردات، واللسان، مادة (وجه).
(54) أنظر: الكشاف:1/373، ومجمع البيان:2/460.
(55) إبراهيم :5.
(56) آل عمران:155.
(57) أنظر: المفردات، ولسان العرب، مادة (يوم).
(58) المائدة:3.
(59) أنظر: الكشاف:1/604، 605، ومجمع البيان:3/158، 159.
(60) الإنسان:27.
(61) أنظر: الكشاف:4/675، والجامع لأحكام القرآن، القرطبي:19/135.
(62) هود:3.
(63) هود:84.
(64) أنظر: الكشاف، ومجمع البيان:5/142، 187، والتحرير والتنوير:12/137.
(65) أنظر: مجمع البيان:5/183.
(66) هود:77.
(67) أنظر: المفردات، ولسان العرب، مادة (عصب).
(68) أنظر: جامع البيان:12/82،83، ومجمع البيان: 5/183.
(69) إبراهيم:18.
(70) أنظر: المفردات، ولسان العرب، مادة (عصف).
(71) التوبة:19.
(72) أنظر: مجمع البيان:5/14، 15.
(73) أنظر: نهاية الأرب في فنون الأدب، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري:1/160، والتشبيهات القرآنية والبيئة العربية، واجدة مجيد الأطرقجي:245، 246. وقد كان عام الرمادة في سنة(18هـ).
(74) أنظر: معاني القرآن، لأبي زكريا يحيى بن زياد الفرّاء، تحقيق: محمد علي النجار:2/73، 74، ومجمع البيان:6/309، و من بلاغة القرآن:202، 203، ومجاز القرآن، د. محمد حسين الصغير:99، والإبداع البياني في القرآن العظيم:164.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com