موقع الصراط ... الموضوع : التجسيم في التعبير القرآني-3
 
الأحد - 11 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التجسيم في التعبير القرآني-3  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 15 / ربيع الأول / 1434 هـ
     
  الكاتب: الدكتور عقيل الخاقاني
تجسيم الشهر:
الشهر: الهلال أو القمر، وقد سمِّي بذلك لشهرته وظهوره، لذا أطلق (الشهر) على العدد المعروف من الأيام أو المدّة المشهورة بإهلال الهلال، جزءا من اثني عشر جزءا، من دوران الشمس من نقطة إلى تلك النقطة، إذ يُشهر بالقمر وفيه علامة ابتدائه وانتهائه. والعرب تقول: رأيت الشهر، أي: رأيت هلاله، وأشهر القوم: أتى عليم الشهر، وأشهرت المرأة إذا دخلت الشهر الذي تضع فيه(1).
وقد جسّم الكتاب العزيز (الشهر)، إذ وصفه بصفة ما يجري فيه من قتال، وذلك في قوله تعالى: ((الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ))(2).
والأشهرُ الحرمُ أربعةٌ، ثلاثةٌ منها سرد، أي متتابعة وهي: ذو القعدة، وذو الحجّة، والمحرّم، وواحدٌ فرد، وهو رجب، حتّى لو أنَّ رجلا لقي فيها قاتل أبيه أو أخيه لم يتعرض له بسوء. والمراد بـ(الشهر الحرام) ـ في هذه الآية ـ : ذو القعدة، وهو شهرُ الصدِّ عامَ الحديبية.
ولأنَّ (الشهر) يدلُّ على زمن محدّد، فإنَّ وصفه بـ(الحرام) ليس بحرام، وإنَّما الحرام هو ما يجري فيه من قتال، أي أنَّ الشهر قد وصف بصفة ما يجري فيه مجازا، من باب تسمية الشيء باسم ما يحلُّ فيه. وكان بعض البلاغيين قد أطلقوا على هذا التكرار للتركيب الوصفي (الشهر الحرام بالشهر الحرام)، مصطلح (اللفظ بالمجاورة)، إذ تتكرّر لفظتان أو عبارتان، وتجاور كلٌّ منهما الأولى، أو أن تقع بالقرب منها، من دون أن تكون إحداهما لغوا لا يحتاج إليه(3). وهذا أسلوب من الأساليب البلاغية التي تقوم على الإيجاز والمقابلة، كأنَّ الله عزَّ وجل أراد أن يقول للمسلمين: هذا الشهر بذاك الشهر، وهتكه بهتكه، أي أنَّ لكم أن تهتكوا حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم في السنة الماضية، إذ صدُّوكم عن دخول الحرم وأداء مناسك الحج، لذا عقـَّب بقوله تعالى: ((وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)).
إذن فالمشركون هم الذين بدأوا بالاعتداء عليكم، لذا لكم أن تقتصّوا منهم وأن تعتدوا عليهم، حتّى إن وقع ذلك في الشهر الحرام، لأنَّ هذا الشهر بذاك الشهر، على أن لا تتجاوزوا إلى ما لا يحلُّ لكم، لذا ختمت هذه الآية بقوله تعالى: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ))(4).
ومثلما استعير(السلخ) لانتزاع أو خروج النهار من الليل، في قوله تعالى: ((وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ))(5)، لشدَّة التصاق أحدهما بالآخر وتداخلهما، فقد استعير(الانسلاخ) للتعبير عن انقضاء مدَّة الأشهر الحرم، وذلك في قوله تعالى: ((فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ))(6)، على أنَّ المراد بـ(السلخ) أو(الانسلاخ): خروج الشيء ممّا لابسه، وأصله من سلخ الشاة، إذا ما انتزع جلدها(7). من هنا يتبين لنا فضل هذه الاستعارة التجسيمية على الحقيقة، إذ يبدو لنا الزمن أو (الأشهر الحرم) كأنَّها لباس يرتديه المؤمنون إذا ما دخلوا فيها، ومن ثمَّ ينزع عنهم هذا اللباس إذا خرجوا منها، أو انقضت مدَّتُها، على أنَّ دماء المشركين رهنٌ بانقضاء الأشهر الحرم، فإذا ما خلت هذه الأشهر أو انقضت استبيحت دماؤهم، حيثما حلوا وأينما نزلوا(8).

تجسيم السنة: السنة واحدة السنين، والفرق بينها وبين العام والحول هو أنَّ السنة من أوّل يومٍ عددته إلى مثله، أمّا العام أو الحول فلا يكون إلا شتاء وصيفاً(9). وقد جسَّم الكتاب العزيز (السنين) إذ وصفها بـ(الشداد)، ومن ثمَّ أسند إليها (الأكل)، وذلك في قوله تعالى: ((قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ))(10)، فمع أنَّ وصف الزمن بـ(الشدَّة) أو(الشديد) بات إلى الحقيقة أقرب منه إلى المجاز لكثرة ما يوصف به الزمن الصعب، بيدَ أنَّ المراد بـ(السبع الشداد) ـ هنا ـ : سنوات القحط والجدْب التي ستأتي على مصر من بعد سبعٍ من سنوات الخصب والرغد، وهو ما جاء على لسان سيدنا يوسف الصدِّيق (ع) تفسيراً للحلم الذي رآه ملك مصر، وعبَّر عنه الكتاب العزيز بقوله تعالى: ((يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ))(11). لذا يمكن أن يُحمل مثل هذا التعبير على المجاز المرسل، من باب وصف أو تسمية الشيء باسم ما يجري أو يحلُّ فيه، على أنَّ وصف سنوات القحط أو الجدب بـ(الشداد) إنَّما هو وصفٌ لما يجري فيها وليس وصفا لها.
أمّا إسناد (الأكل) إلى هذه السنوات فيعدُّ تجسيما لها أيضا، على سبيل المجاز العقلي، بعلاقته الزمانية، لأنَّ السنين لا تأكلُ شيئا، وإنَّما الآكلون أهلها، لذا قال تعالى: ((مِمَّا تَأْكُلُونَ))، ولم يقل تأكل، إذ دعا يوسف (ع) أهل مصر إلى أن يزرعوا أرضهم ((سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا))، أي: على عادتهم، أو بجدٍّ واجتهاد، وأن يقتصدوا فيها، ويتركوا ما يفضل عن قوتهم في سنبله، يدخروه، حتّى إذا حلـّت سنواتُ القحط والجدب وجدوا في مخازنهم ما يسدُّ رمقهم.
وبهذا تكون هذه الصورة التجسيمية قد حققت أغراضها الفنية والاجتماعية والاقتصادية والدينية في أوانٍ واحد، بوصف سنوات القحط والجدب بـ(الشداد) وإسناد الأكل إليها، وهو ما لا يمكن أن يؤديه أيُّ تعبيرٍ حقيقي، ولاسيَّما ما يوحي به الفعل (تأكل) من دلالات الفناء، لكي تحملَ الناس على الجدِّ والاجتهاد في الزراعة والاقتصاد، بأن لا يأكلوا ممّا يزرعون إلا قليلا، في سنوات الخصب والنماء، ادخارا لسنوات القحط والجدب التي ستحلُّ بهم(12).

ومن صور التجسيم الفني للزمان غير المحدود (الحين ـ الدهر ـ الأجل):
1ـ تجسيم(الحين): يُراد بـ(الحين): الزمان، قليله وكثيره، أو وقت من الدهر مبهم، يصلح لجميع الأزمان، طالت أم قصرت(13). ومع أنَّ (الحين) قد ورد في (34) أربعةٍ وثلاثين موضعا في القرآن الكريم، فإنَّه لم يرد مجسَّما إلا في قوله تعالى: ((هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا))(14)، إذ أسند إليه (الإتيان)، على سبيل المجاز العقلي بعلاقته الزمانية، على أنَّ الزمان لا يأتي وإنَّما يُؤتى فيه. وقد عبَّر الكتاب العزيز بـ(الحين) ـ في هذه الآية ـ عن بعضٍ أو جزءٍ أو طائفةٍ من الزمان، لأنَّ (مِن) في قوله تعالى: ((حِينٌ مِنَ الدَّهْر)) تفيد التبعيض.
أمّا (هل) فقد جاءت بمعنى (قد)، أي أنَّ الاستفهام ـ الذي استهلت به هذه الآية أو سورة الإنسان ـ يُراد به التقرير، وكأنَّ الله عزَّ وجل أراد أن يقول لمن يُنكر عليه قدرته على خلق هذا الكون وإبداعه: ألم يأتِ عليك يا أيُّها الإنسان وقتٌ من الدهر لم تكن شيئا مذكورا أو موجودا، إذ كنت ترابا وطينا قبل أن تُنفخ فيك الروح، فكيف تُنكر إحياءك بعد موتك ؟!. ومثل هذا الاستفهام المجازي ـ الذي يفيد التحقيق والتقرير ـ من شأنه أن يستفزَّ العقل الإنساني، ويثير فيه أسئلة كثيرة عن هذا الوجود وعمَّن أوجده أو أبدعه. من هنا نستطيع أن نتبيّن الأغراض التي يمكن أن تحققها هذه الصورة الفنية التجسيمية، إذ يبدو لنا هذا الزمن المغيَّب عن حياتنا، وكأنَّه هيأةٌ محسوسة، تأتي إلينا وتتحرك أمامنا، لتنبِّهَ الإنسان على ضعفه وتذكرَه بنعمة الله تعالى عليه، إذ خلقه من (نطفةٍ أمشاجٍ)، أي: من قليلٍ من المياه المختلطة، ثمَّ جعله (سميعا بصيرا)، بعد أن ((لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا))(15).
2ـ تجسيم (الدهر): أمّا الدهر فقد قيل فيه: هو مدَّة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه، ودهرُ فلان: مدَّة حياته، فهو ـ إذن ـ من الأزمنة غير المحدودة، أيضا(16).
وقد ورد (الدهر) مجسَّما، إذ أسند إليه (الهلاك)، في قوله تعالى: ((وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ))(17)، على لسان الدهرية الذين كانوا يُنكرون ملك الموت وقبضه الأرواح بأمر الله عزَّ وجل، ويعتقدون بأنَّ (الدهر) هو السلطة أو القوة الفاعلة التي تُحيي وتميت، بمرور الليالي والأيام، لذا أضافوا إلى الدهر ما يحدث فيه من نوازل وحوادث، بل كانوا يسبُّونه إذا ما نزل بهم ما لا يسرُّهم، كالهرم والموت، وترى أشعارهم تنطق بالشكوى من الزمان. من هنا نهى النبي (ص) عن ذمِّ الدهر وسبِّه، لأنَّ في ذمِّه ذمَّا للصانع أو الخالق، فالله تعالى هو الذي خلق الدهر، ومن ثمَّ فهو الذي يصرِّفه ويدبِّره(18).
وقد عدَّ عبد القاهر الجرجاني (471هـ) إسناد (الهلاك) إلى (الدهر) إسناداً حقيقياً، على أنَّ الكفار من (الدهرية) يعتقدون بذلك، وإن كان باطلاً(19)، وأنَّ القرآن الكريم حين عبَّر عن هذا الاعتقاد إنَّما عبَّر عنه بلسان حالهم. أمّا المؤمنون الموحِّدون الذين يعتقدون بأنَّ الله عزَّ وجل هو الذي يُحيي ويُميت وإليه ترجع الأمور، فلهم أن يحملوا هذا الإسناد على المجاز، على سبيل التجسيم الفني للدهر.

3ـ تجسيم(الأجل): يُراد بـ(الأجل): مدَّة الشيء ووقته الذي يحلُّ فيه. وهو ـ أيضا ـ غاية الوقت، أو الوقت المضروب لانقضاء الأمد وغايته، سواءٌ أكان في العمل أم في الدين أو في الموت. لذا يطلق الأجل على المدة المضروبة ـ في علم الله عزَّ وجل ـ لحياة الإنسان بانقضاء عمره. والفرق بين الأجل والعمر هو أنَّ الأجل لا يتبدل والعمر قد يتبدل، زيادة أو نقصانا. وأجَّل الشيء: جعل له أجلا، والآجل نقيض العاجل، والآجلة الآخرة والعاجلة الدنيا(20).
ومن صور التجسيم الفني لـ(الأجل) وصفه بأنَّه (قريب)، في بعض آي الذكر الحكيم، منها قوله تعالى: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلاَ أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً))(21). فقد كان المسلمون مكفوفين عن القتال وهم في مكة، أي أنَّهم لم يُؤمروا بقتال الكفار في العهد المكي. وحين كُتب عليهم القتال في العهد المدني خشي فريق منهم الموت في ساحات القتال، فاستعطفوا الله عزّ وجل في أن لا يفرض عليهم القتال حتى تحين آجالهم، إذ قالوا: ((لَوْلاَ أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ))، أي: هلا أخَّرتنا، ركونا إلى الدنيا وإيثارا لنعيمها، وليس عصيانا، بدلالة قوله تعالى الذي ختمت به الآية آنفة الذكر: ((قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً))، ومن ثمَّ عقـَّب بقوله تعالى: ((أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ))، تذكيراً لجميع الناس، ولاسيَّما أولئك الذين كرهوا الموت في ساحات القتال، بأنَّ الموت الذين يفرُّون منه آتٍ لا ريب فيه، وأنَّه سيدركهم ولو كانوا ((فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ))(22). إذن، فالمراد بـ(الأجل) ـ هنا ـ : الوقت الذي يحين فيه الموت، ووصفه بأنَّه (قريب) يُعدُّ تجسيما له، على أنَّه ليس جسما يدنو أو يقترب، وإنَّما هو زمن، بل زمنٌ غيبي مضروب في علم الله عزَّ وجل.
ومنه ـ أيضا ـ قوله تعالى: ((أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ))(23)، فهذه الآية ـ التي استهلت باستفهام وختمت باستفهام ـ تدعو المكذِّبين بآيات الله إلى التفكُّر: ((فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ))، وفي كلِّ خلق الله عزَّ وجل، وما في ذلك من دلائل بيِّنات على عظم قدرته وبديع خلقه وعجيب صنعه، قبل أن يدركهم الموت، فليس بعد القرآن من حديث أوضح دلالةً وأظهر حجة على الإيمان بالله تعالى وتوحيده(24).
وتجسيم(الأجل) ـ هنا ـ بإسناد القرب إليه، من شأنه أن يردع هؤلاء المكذبين، عسى أن يرعووا عن كفرهم وطغيانهم، ويؤمنوا بالله ورسوله وبما أنزل على رسوله من آي الذكر الحكيم، أو أن يحملهم على أن يتزوَّدوا من دنياهم بما يفيدهم في الحياة الأخرى، فيحتاطوا لدينهم وأنفسهم ممّا يصيرون إليه بعد الموت، إذ يبدو لهم (الأجل) وكأنَّه جسمٌ مخيف يدنو منهم ليؤذن بهلاكهم، وهو ما يرعبهم أكثر فأكثر كلما تقادم العهد عليهم. فضلا عن أنَّ في استعمال عبارة ((أَنْ يَكُونَ)) في هذا السياق ـ : ((وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ)) ما يوحي بأنَّ (أجلهم)، أو وقتَ موتهم قد بات قريبا منهم، أو أنَّه قد دنا منهم إلى الحد الذي يمكن أن يفجأهم في أيَّة لحظة. أمّا (عسى)، فمع أنَّها يمكن أن تفيد الرجاء، أو أنَّها تفيد وقوع الشيء، فإنَّها تخرج من معنى الشك أو التوقع إلى معنى اليقين، حين تقترن بالله عزَّ وجل، كقوله تعالى: ((عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً))(25). وهكذا تبقى نفوس هؤلاء قلقة، غير مطمئنة، تترقب أجلها بخوف وحذر شديدين، على أنَّ هذا (الأجل) أو الزمن ليس كبقية الآجال والأزمان، فمع أنَّ جميع الناس يشتركون بهذا القدر، فإنَّهم يفترقون فيما يجري لهم بعد الموت، إذ ينتظر الكافرون حسابهم وعقابهم، وينتظر المؤمنون أجرهم وثوابهم(26).
وإذا كان بعض المسلمين قد تمنَّوا أن يؤخِّر الله تعالى آجالهم، ركونا إلى الدنيا وإيثارا لنعيمها، فإنَّ الظالمين يتمنَّونَ أن يؤخِّر اللهُ تعالى عنهم عذاب يوم القيامة، وأن يرجعهم إلى الدنيا، لأجلٍ أو زمنٍ قليل، كي يجيبوا دعوته ويدركوا ما فاتهم من الإيمان برسله. وقد عبَّر الكتاب العزيز عن هذا الموقف بقوله تعالى: ((وَأَنذِرْ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعْ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ))(27)، فقد وُصف (الأجل) بأنَّه (قريب)، على سبيل التجسيم ـ أيضا ـ ، لكي يصوِّر لنا إحساس هؤلاء الظالمين بالندم على ما فاتهم والخوف ممّا يأتيهم.
أمّا الاستفهام التوبيخي: ((أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ)) فقد جاء ليزيد من خيبة أمل هؤلاء الظالمين، إذ كانوا يعتقدون، جهلا وغرورا، بأنَّهم مقيمون في هذه الدنيا، بل إنَّ جهلهم وغرورهم قد حالا بينهم وبين أن يعتبروا بما حلَّ بالذين ظلموا أنفسهم من قبل، على الرغم من أنَّهم سكنوا في مساكنهم: ((وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الأَمْثَالَ))(28). فضلا عن أنَّ تجسيم (العذاب)، بإسناد (الإتيان) إليه من شأنه أن يبثَّ الرعب في نفوس هؤلاء الظالمين، ويزيد من هول الموقف الذي ينتظرهم، على أنَّ العذاب لا يأتي إليهم وإنَّما يؤخذون به في ذلك اليوم المشهود.
أمّا أسلوب (الالتفات) من الخطاب إلى التكلم فقد جاء ليزيد من وقع هذه الصورة وشدَّة تأثيرها، إذ عبَّر عمّا يختلج في نفوس الظالمين من إحساسٍ مرير بالندم والخوف، وكأنَّهم في الآخرة، وقد انطوت الدنيا وما فيها، شاخصين، يُطلبون للحساب، ليساقوا إلى عذاب جهنَّم، وهم يقولون: ((رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ))(29).
وعلى هذا يُحمل قوله تعالى: ((وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ))(30)، فليس ثمةَ صورةٌ أرهبُ من رؤية الموت إذ يأتي طالبا من حان أجله. و (من) ـ هنا ـ تفيد التبعيض، أي أنفقوا بعض ما رزقكم الله عزَّ وجل، من قبل أن ينزل على أحدكم سلطان الموت فيضيق به الخناق ويتعذر عليه الإنفاق ويفوت وقت القبول، فيتحسّر على المنع، ويعضُّ أنامله على فَقد ما كان متمكنا منه، على أنَّ بعد الموت لا تقبل توبةٌ ولا ينفع عمل(31). ويرى الطبرْسي (548هـ): أنَّ في هذه الآية من الزجر عن التفريط في حقوق الله ما ليس في غيرها من آي الذكر الحكيم(32). وفي هذا حثٌّ على الإنفاق في سبيل الله عزَّ وجل . ولعلَّ ما يؤكد ندم هؤلاء المانعين وتمنِّيهم أن يرجعهم الله عزَّ وجل زمنا قليلا، كي يتصدَّقوا ويعملوا صالحا، هو أنَّ الكتاب العزيز قد عبَّر ـ بلسان حالهم ـ عن تأخير (الأجل) بأسلوب التحضيض، إذ استعمل (لولا) التي تفيد العرض والتحضيض والتمنِّي والطلب الحثيث، فضلا عمّا توحي به من الإحساس بالندم. ثمَّ يأتي الفعل ـ بعد (لولا) ـ ماضيا، ليزيد من قوة هذا الإحساس، وكأنَّ الدعوة إلى تأخير الأجل قد تحققت لهم. ونظير ذلك قوله تعالى: ((أَتَى أَمْرُ اللَّهِ))(33)، مع أنَّه لم يأتِ بعد، بيدَ أنَّه ورد بصيغة الماضي على أنَّه آتٍ لا ريبَ فيه. ومع هذا فقد جاء الردُّ مخيِّبا لآمال هؤلاء المانعين ومحبطا لأمانيهم، إذ ختم الله عزَّ وجل هذه السورة (المنافقون) بقوله تعالى: ((وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ))(34)، إذ أسند إليه المجيء، على أنَّ عُمْر الإنسان ديْنٌ، ولابدَّ من أن يَردَّ هذا الديْن حين يحلُّ أجلُ أو زمنُ الوفاء به. وفي هذا تجسيمٌ لـ(الأجل) ـ أيضا ـ، إذ أسند إليه المجيء. ومنه قوله تعالى: ((وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ))(35)، أي أنَّ لكلِّ جماعة أو أهل عصر زمنا أو وقتا محدَّدا، فإذا حلَّ أجلُهم فإنَّهم لا يتأخرون (ساعة) عنه، ولا يتقدمون (ساعة) عليه. وفي هذا إنذارٌ ووعيدٌ لجميع الأمم، بأنَّ هذا الوقت قريب، بدليل استعمال لفظة (الساعة) التي يكثر استعمالها للتعبير عن أقصر وقت وأقربه، كأن يقول المستعجل لصاحبه: في ساعة، وهو لا يريد بذلك (الساعة) بمعناها الزمني المحدَّد المعروف، وإنَّما يريد: أقصر الأوقات وأقربها. والمراد بمجيء الأجل ـ هنا ـ : اقترابه، مثلما يقال: جاء الصيف إذا اقترب وقته(36).
وهنا يبدو(الأجل) مصيدةً، ليس لأحدٍ أن يُفلت منها، بل ليس بمقدور أحدٍ أن يخرج عن هذا الطوق الذي ضرب على جميع الخلق، أو أن يتجاوزه خطوة واحدة إلى الأمام أو الوراء: ((لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)). من هنا فقد جرى هذا التعبير مجرى المثل، لكلِّ ما لا يمكن تجاوزه أو التخلص منه.

الخاتمة:
إذا كان لكلِّ مفهوم من المفاهيم الفنية أو الأدبية أو العلمية معنيان، أحدهما لغوي والآخر اصطلاحي، فإنَّ للتجسيم معنى ثالثا، يتمثل في المعنى الفكري الذي قام على بعض التصورات الخاطئة في وصف الباري عزَّ وجل، إذ اعتقدت بعض الفرق المنقرضة، ومنها: المشبِّهة أو المجسِّمة بأنَّ لله تعالى يدا ووجها وعينا، إلى غير ذلك من جوارح أخر، أو أنَّ له جسما محدودا يمكن أن يستوي أو يجلس في مكان ما، بعد أن ابتعدوا عن الواقع اللغوي الذي ينتمي إليه النصُّ القرآني في تفسيرهم لبعض آي الذكر الحكيم، ومنها قوله تعالى: (﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾)(37) وقوله تعالى: (﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ)﴾(38) وقوله تعالى: (﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا)﴾(39) وقوله تعالى: ﴿(الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)﴾(40)، ذلك بأنَّ التعبير القرآني قد جاء على وفق الأساليب العربية المعروفة عند العرب وقت المبعث، لذا إنَّ الذين ابتعدوا عن المعنى الحقيقي لهذا التعبير ولم يدركوا جماله هم أولئك الذين لم يكن لهم حظٌّ وافرٌ من العربية الصحيحة، ومعرفة أساليبها وطرائق تعبيرها، ولاسيّما الأوجه البيانية، كالتشبيه والاستعارة والمجاز والكناية، ذلك بأنَّ الإعجاز البياني يعدُّ الوجه الأول من وجوه الإعجاز القرآني.
وكان علماء العربية ـ كابن جنِّي وعبد القاهر الجرجاني والراغب الأصبهاني ـ قد فطنوا إلى المعنى الفني للتجسيم في أثناء حديثهم عن أساليب الأداء البياني، وإن لم يشيروا إليه صراحة، مثلما هي حال كثير من المصطلحات النقدية والبلاغية التي لم تنضج وتستقر إلا في زمن متأخر عن بداية النقد المنهجي عند العرب، مع مطلع القرن الثالث الهجري.
أمّا التجسيم، أسلوبا من أساليب التصوير الفني في التعبير القرآني، فمع أنَّه أطلَّ علينا بثلاثة أوجه: عقلي ونفسي وزماني، فإنَّ الوجه الزماني كان أكثر هذه الوجوه حضورا وأوفرها حظا، لما للزمان من أثر كبير في حياة الإنسان، ولشدة وطأته عليه، فضلا عن أنَّ العقل العربي ـ ولاسيّما وقت المبعث ـ يحتفظ بصورة مرعبة عن الزمان وما يمكن أن يُحدثه فيه، حتّى أنَّ بعض الناس ـ كالدهرية ـ نسبوا إليه ما يحدث فيه من نوازل وأحداث، بل اعتقدوا بأنَّ الدهر هو الذي يُحيي ويُميت، بمرور الليالي والأيام....، لذا جاءت أغلب الصور التجسيمية التي وردت في الكتاب العزيز لتجسِّم ما يدلُّ على الزمان من ألفاظ، مثل: الساعة، واليوم، والشهر، والسنة، والحين، والدهر، أو الليل والنهار، إلى غير ذلك من ألفاظ الزمان التي أختصَّ كلٌّ منها بمعنى معين، وإن بدا أنَّ بعض هذه الألفاظ ذات معان ٍ مترادفة أو متقاربة، أي أنَّ لفظتي (الزمان والزمن) لم تردا في النصُّ القرآني، وإنّما عبر عنهما بما يدلُّ عليهما من الألفاظ آنفة الذكر.
ولعلَّ من اللافت للنظر أنَّ الكتاب العزيز قد جسم من المعاني العقلية بمقدار ما جسم من المعاني النفسية، إذ جسّم: الشك والفتنة والكيد واليقين والحق والهدى تجسيما عقليا، وجسّم: الرعب والصبر والسكينة والذلة والمسكنة والوزر تجسيما نفسيا، وأنَّ أغلب هذه الصور التجسيمية العقلية والنفسية قد جاءت لتحذر اليهود والمنافقين والمكذبين بآيات الله عزَّ وجل من عذاب يومٍ ثقيل، وأنَّ عليهم أن يتدبُّروا هذه الآيات ويتأملوا فيها ويعتبروا بها، لكي لا يحلَّ بهم ما حلَّ بمن كذبوا من قبل.
وجاءت الصور التجسيمية التي تقوم على تجسيم (الساعة) و(اليوم) لتعرض لنا مشاهد الهول، في أثناء البعث والحشر والحساب، إذ أريد بهما: اليوم الآخر. لذا لم يستعمل الكتاب العزيز (الفجأة) مع قيام الساعة، وإنَّما استعمل (البغتة)، لأنَّ الفجأة قد تحمل معها السعادة، أمّا البغتة فلا تحمل إلا الخوف والألم. وهنا تجدر الإشارة إلى أنَّ لفظة (الساعة) قد وردت في القرآن الكريم في ثمانية وأربعين موضعا، فجاءت معرَّفة بـ(الألف واللام) في أربعين موضعا، إذ قُصدَ بها (ساعة الآخرة)، أو(يوم القيامة)، وجاءت نكرةً في ثمانية مواضع، لتدلَّ على جزء من الزمان، سواءٌ أكان هذا الزمان محدودا أم غير محدود. أما (اليوم الآخر) فقد وصف بأنَّه: ثقيل وكبير ومحيط، على سبيل التجسيم، لعظم ما يجري فيه من أحداث وشدّة ما يقع على الكافرين من عذاب. وكذلك حال (اليوم) ـ بمعناه الزمني المحدود ـ ، إذ وصف بالعاصف تارة والعصيب تارة أخرى، وهو وصفٌ لم يرد في القرآن الكريم إلا في قوله تعالى: ((وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ))، وذلك لبيان شدَّة الحرج والألم والهمِّ الذي كان يشعر به لوط (ع) في ذلك اليوم، خوفا من أن يُخزيَه قومه في أضيافه.
ومثل هذا يمكن أن يقال في الأشهر والسنين، إذ وصفها الكتاب العزيز بصفة ما يجري فيها، في صور بيانية، لها دلالاتها الفنية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية الموحية والمؤثرة، مثلما جاء في قوله تعالى: ((قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ))، ذلك بأنَّ وصف سنوات القحط والجدب بـ(الشداد) وإسناد الأكل إليها لا يمكن أن يؤديه أيُّ تعبيرٍ حقيقي، ولاسيَّما ما يوحي به الفعل (تأكل) من دلالات الفناء، لكي تحملَ الناس على الجهد والاجتهاد في الزراعة والاقتصاد، بأن لا يأكلوا ممّا يزرعون إلا قليلا، في سنوات الخصب والنماء، ادخارا لسنوات القحط والجدب التي ستحلُّ بهم.
ولعلَّ أبرز ما في تجسيم (الليل والنهار) تصويرهما على أنَّهما يمثلان ظاهرة من الظواهر الطبيعية المحسوسة التي تدلُّ على قدرة الله الواحد الأحد على خلق الكون، على وفق هذا النظام الدقيق المعجز الذي يدعو ذوي العقول إلى التدبُّر فيه والتأمل في ظواهره. ومن اللافت للنظر ـ أيضا ـ أنَّ الكتاب العزيز قدَّم الليل على النهار في جميع الآيات التي اقترن فيها ذكر الليل بالنهار.
أمّا الصور التجسيمية للزمان غير المحدود، مثل: الحين والدهر والأجل، فقد جاءت لتستفزَّ العقل الإنساني وتثير فيه أسئلة كثيرة عن هذا الوجود وعمَّن أوجده أو أبدعه، وتذكر الناس بآجالهم التي يفرُّون منها إليها، لكي يُقدِّموا في دنياهم ما ينفعهم في آخرتهم.
وبعد، فإنَّ أغلب هذه الصور التجسيمية كانت صورا حسيَّة، تتناسب وطبيعة البيئة العربية والمتلقي العربي وقت المبعث، لكي تحقق أغراضها الفنية والدينية في أوان واحد، على أنَّ التعبير القرآني تعبير فنيٌّ مقصود يُراد به التأثير في متلقيه، فتلك نتيجة علمية لا نملُّ من تكرارها، عسى أن ينتفع بها أولئك الذين مازالوا يُنطقون النص القرآني بما هم فيه، ويُخضعونه إلى ُقوانين ليست له، فيُوقعون أنفسهم ـ ومن يتأثر بهم ـ بالوهم، مثلما توهّم المجسِّمة من قبل.

الهوامش:
(1) أنظر: المفردات، ولسان العرب، مادة (شهر).
(2) البقرة:194.
(3) أنظر: كتاب الصناعتين:413.
(4) أنظر: الكشاف:1/237، ومجمع البيان:2/287، 288.
(5) يس:37.
(6) التوبة:5 .
(7) أنظر: المفردات، ولسان العرب، مادة (سلخ).
(8) أنظر: جامع البيان:10/78، ومجمع البيان:5/6، 7، ومفاتيح الغيب، بـ(التفسير الكبير):15/224، 225، ومفتاح العلوم:176، والتحرير والتنوير:10/114، 115، والإبداع البياني في القرآن العظيم:112 .
(9) أنظر: فروق اللغات في التمييز بين مفاد الكلمات:148، ولسان العرب، مادة (حول) و(سنا) و(عوم).
(10) يوسف:47، 48 .
(11) يوسف:46 .
(12) أنظر: جامع البيان:10/78، ومجمع البيان:5/238، والتحرير والتنوير:10/114، 115، وقصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار: 184، والإبداع البياني في القرآن العظيم:146 .
(13) أنظر: لسان العرب، مادة (حين).
(14) الإنسان:1.
(15) أنظر: مجمع البيان:10/406، والمفردات، ولسان العرب، مادة (مشج) و(نطف).
(16) أنظر: المفردات، ولسان العرب، مادة (دهر).
(17) الجاثية:24 .
(18) أنظر: الكشاف:4/291، ومجمع البيان:9/78، والزمن عند الشعراء العرب قبل الإسلام، د. عبد الإله الصائغ:170.
(19) أنظر: أسرار البلاغة:355 .
(20) أنظر: المفردات، مادة (أجل) ، وفروق اللغات في التمييز بين مفاد الكلمات:34،33 ولسان العرب، مادة (أجل).
(21) النساء:77.
(22) أنظر: جامع البيان:5/170، ومجمع البيان:3/77، وروح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، لأبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الآلوسي:5/87،86.
(23) الأعراف:185.
(24) أنظر: مجمع البيان:4/405، 505.
(25) النساء:84 .
(26) أنظر: جامع البيان:9/136، والكشاف:2/33، والتحرير والتنوير:8/197، وفي ظلال القرآن، سيّد قطب:2/725 .
(27) إبراهيم:44 .
(28) إبراهيم:45، وانظر: جامع البيان: 13/241، ومجمع البيان:6/321، ومفاتيح الغيب، بـ(التفسير الكبير):19/143، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل، البيضاوي:1/522، والميزان في تفسير القرآن، السيد محمد حسين الطباطبائي:13/85، وفي ظلال القرآن:4/2112 .
(29) أنظر: المصدر نفسه:4/2112 .
(30) المنافقون:10 .
(31) أنظر: الكشاف:1/544.
(32) أنظر: مجمع البيان:10/296.
(33) النحل:1.
(34) المنافقون:11 .
(35) الأعراف:34.
(36) أنظر: الكشاف: ومجمع البيان:4/414، 415، والتحرير والتنوير:8/105 .
(37) الفتح: 10.
(38) الإنسان: 9.
(39) القمر: 14.
(40) طه: 5.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com