موقع الصراط... نهج السعادة والتقدم موقع الصراط ... الموضوع : الداعية الشهيد الشيخ عبد الجبار البصري
 
الأحد - 7 / ذي الحجة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الداعية الشهيد الشيخ عبد الجبار البصري  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 20 / ربيع الأول / 1434 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
الشيخ عبد الجبار البصري
من ألطاف الله وعنايته أن رزقني حج بيته الحرام في عام 1973م، وفي هذه الرحلة تعرفت على العالم العامل,والداعية الرائد الشيخ عبد الجبار البصري رحمه الله، لم أكن على معرفة سابقة به، فما أن التقيته في بغداد , ونحن نتحرك باتجاه الكويت حتى انجذبت نفسي إليه رغم أن مظهره الخارجي كان في غاية البساطة إلا أن هيبته تملأ القلب والعين، فقد منحه الله جذوة إيمانية مشعة ملتهبة ساطعة تتجلى لك من خلال حرارة لقائه, وصفاء نفسه، وابتسامته الدافئة التي تأخذ بمجامع القلوب، وحنوه الذي يسحر ملاقيه حيث تشعر أنك دخلت تحت شغاف قلبه؛ لتواضعه الجم، وبساطة كلامه، وصدق لهجته، وعمق فكرته وحركيتها، فما في قلبه يجري على لسانه بدون تكلف، ولا ريب ولا تردد، تجري الكلمات على لسانه مجرى البديهيات الفطرية هكذا يسر الله على لسانه آيات كتابه وأحاديث نبيه، فكان إذا تلاها تفاعل معها تفاعلاً يظهر على ملامحه، تسيل لها دموعه، وكأنه يجسدها واقعاً متحركاً أمام سامعه، وكأنه مصداق لما وصفه به الإمام الشهيد الصدر حين قال: (الإخلاص أمر باطني وفي شيخ عبد الجبار أمر ظاهري) ولذا كان له تأثير عميق في نفوس مخاطبيه بحيث إذا صعد المنبر انشد إليه السامعون من حيث يريدون أو لا يريدون.
رأيت ذلك منه في المزدلفة وهو يخطب بنا خطبة صلاة العيد، وقد صعد على صخرة مرتفعة فاحتشد آلاف الحجاج من حوله , وهو يرسل كلماته إلى مسامع قلوبهم مترسلاً تجري الآيات والأحاديث على لسانه مجرى الشلال من قمم الجبال بحرارة، بصدق، وإخلاص، فانشرحت القلوب، وسالت الدموع، وارتفعت الأصوات بالتكبير والصلوات، وجعل الحجاج يبكون على ذنوبهم، وكأنه أعاد للناس مواعظ أبي ذر, وسلمان،وعمار, ولا تحسبني مبالغاً فقد نقلت إليك ما شاهدته بعيني, وسمعته بمسامعي قلبي , ولم يذهب من نفسي رغم مضي أربعة عقود عليها.
في هذه السفرة تعرفت على هذه الشخصية المؤمنة العاملة، وعرفت تاريخ نشئتها، وتربيتها، ومعاناتها كما سيتضح ذلك فيما بعد.
ركبنا من ساحة الحرية في بغداد في سيارة كبيرة من شركة الاقتصاد آنذاك، وكانت الحملة تضم 47 حاجاً أغلبهم من المثقفين، وما أن تحركت السيارة باتجاه الكويت حتى نُصِب في مقدمتها منبر من فراش الحجاج , وجلس الشيخ متوجهاً لهم مُسَلماً، ومرحباً، وداعياً، وموجهاً، بدأ حديثه بموعظة شدنا فيها إلى الله تعالى، وراح يعمق حب الله، وخوفه، ورجاءه في القلوب، وبذلك فتح القلوب إلى الله تعالى، وهيأ أرضية النفوس؛ لغرس بذور الوعي، والإخلاص, ثم أخذ يطلق الفكاهات واللطائف والنكت الأدبية الجميلة؛ ليرفع عن النفوس الملل، ثم أخذ يشرح مناسك الحج مسألة مسألة حتى كاد يمثلها تمثيلاً حياً، وهكذا استمر على ذلك إلى أن وصلنا إلى الحدود بين السعودية والكويت في منطقة (العبدلي)، وكان السعوديون يبالغون في تفتيش حملات الحجاج بدقة، وتحرٍ لا نظير له علَّهم يعثرون على كتاب أو على (تُربة حسينية) ولذا توقفت الحركة لأكثر من اثني عشر ساعة، ولما كان الشيخ خبيراً بذلك أمر حجاج رحلتنا أن ينزلوا معهم فراشهم، وأن يفرشوه للآخرين من الحملات الأخرى، وجلس هو في صدر المجلس، وبدأ بشرح فلسفة الحج التربوية، وأحكام مناسكه، فتوافد الحجاج على مجلسه حتى بلغ المئات إن لم نقل الألوف، وهو يرحب، ويعلم، ويوجه، ويبث الوعي الرسالي، وأمر بعض حجاجنا بتهيئة الشاي، وتوزيعه في الأثناء، وكان للحاجة (أم سلمان) من الكرادة الشرقية دور فاعل في ذلك، ولا تعجب إذا قلت لك استمر الشيخ بمواعظه ودروسه مدة اثنتي عشرة ساعة بدون توقف إلا فترة الصلاة والغذاء، فوج يقوم، وآخر يجلس، وهو لم يَكِلّ , ولم يمل , بل واصل يتفجر حكمةً، وعلماً، ومعرفةً، مرشداً، ومعلماً موعياً للناس بالإسلام حتى أثار عجبنا بسعة علمه , وتنوع ثقافته مع مختلف الطبقات الاجتماعية، حيث كان يتحدث مع كل سائل ومحاور بما يقنعه، ويسره، ويهديه.
وتحرك ركبنا، وأصبح رصيد الشيخ ضخماً وسط الحجاج بمختلف مشاربهم المذهبية... ولما وصلنا إلى مكة المكرمة وأدينا العمرة، وحللنا الإحرام كان للشيخ برنامج توعية آخر لم يُسبق به، وخلاصته طلبنا منه أن نَعقد حلقة في البيت الحرام قرب ميزاب الذهب خارج المطاف الشريف، ويجلس هو لنوجه إليه الأسئلة، ويجيب هو بتوسع عنها، فكان هذا المجلس مهوى العلماء والمثقفين، واستمر طيلة مدة إقامتنا في مكة المكرمة لأكثر من عشر أيام... ومن أدبه في هذا المجلس حيث كان يتحدث بحرارة رسالية، وفي الأثناء رأيناه قد سكت , وانقطع عن الكلام، قلنا: شيخنا، لماذا سكتَّ؟ فأشار بيده إلى أحد الذين حضروا مجلسه مُرَحباً به، وقال: إذا حضر الأستاذ وجب على التلميذ أن يسكت، كان هذا الحاضر أستاذه الشيخ محمد علي التسخيري، وكان قادماً من إيران، وفعلاً حَوَّل الحديث على الشيخ بكل أدب، وهكذا استمر هذا المجلس لأحد عشر ليلة في كل يوم لأكثر من ساعتين.
وماذا بعد المجلس؟
وهنا رأيت العجب العجاب، حين التقى بصديقه الشيخ طارق الديري قادماً من البصرة فضمه إلى صدره ودموعه تسيل على خده , وانضم إلينا، وكانت لهما صولات وجولات تبليغية وحوارية مع مختلف الطبقات الاجتماعية فإذا ما انتهى مجلس الوعظ انصرف إلى الذكر والعبادة مشمراً ثوبه، عاقداً إزاره من بعد صلاة العشاء قائماً وقاعداً، ذاكراً ونادباً، قارئاً للقرآن، وداعياً , ومتوسلاً ومتضرعاً لله تعالى لم يترك لحظة واحدة في غفلة، إلا أن يوجه له سؤال من أحد الحجاج، وهكذا يستمر على ذلك إلى صلاة الفجر، فإذا ما أخذه التعب والنصب جمع يده تحت رأسه، وأخذ له سِنة من النوم.
بعد هذا أحاول أن أعود إلى بدايات حياته منذ انتمائه للحوزة العلمية في النجف الأشرف في أوائل الستينات كما حدثني عنها في مكة المكرمة.
قال: نشأت في عائلة فقيرة في البصرة، ودرست في مدارسها إلى أن أكملت الثانوية، ومن خلال احتضاني من قبل بعض المؤمنين، وتزودت في هذه الفترة بقسط لا بأس به من الثقافة الإسلامية قرآناً وسنة، ولم يشبع نهمي ذلك، ولذلك قررت أن التحق بالحوزة العلمية في النجف الأشرف، وبواسطة بعض المؤمنين وتشجيعهم لا سيما الدكتور جابر العطا، وسكنت في مدرسة البغدادي، وكانت آنذاك بعيدة عن مركز المدينة، وكانت المدرسة تضم أكثر من مائة غرفة، وقد كانت تلك الفترة بداية نشاط الحركة الإسلامية التي راحت تشجع الطلاب بالتعاون مع مرجعية السيد الحكيم آنذاك، وتوجيه الشهيد الصدر على الالتحاق بالحوزة العلمية إلا أن البرامج الدراسية في تلك الفترة كانت أشبه بالدراسة الأكاديمية، فلم تشبع نهمي، فرحت أعقد حلقات دراسية في التفسير والحديث، والسيرة في المدرسة، وانضم إليَّ هذه الحلقة عدد جيد من الطلبة، وحتى من مدارس أخرى إلا أن الأمر لم يستمر طويلاً حيث اطلع المتولي على المدرسة على هذا النشاط الحركي، فشاط غضباً، وأخرجني من المدرسة، وحرم عليَّ دخولها...
يقول: فحملت حوائجي وكتبي، وذهبت إلى مدرسة أخرى , وسكنت فيها مع الطلاب, ولما بدأت نشاطي الحركي تبين أن المتولي هو نفسه، فطردني بشدة وعنف، وهكذا إلى مدرسة أخرى، فبقيت في حيرة، فما كان لي إلا أن أسكن في مقبرة لا ماء ولا كهرباء فيها، ولكن سلوتي أن الطلاب التحقوا بي؛ لتلقي الدرس القرآني، وهكذا إلى أن اطلع الشيخ عارف البصري، فعالج الأمر، وأسكنني في أحد المدارس، وبعد معاناة مرة، وشظف من العيش لا نظير له قد لا يتحمله إلا أكابر العارفين، ورغم ذلك واصل تحصيله العلمي بجدٍ ورغبة، واجتهاد، حتى نبغ في الوسط العلمي الحركي، والتبليغي.
يقول رضوان الله عليه: وفي أحد الأيام دعاني سماحة السيد محمد باقر الحكيم، وقال لي: إن السيد الوالد يريد أن يراك، يقول: فتعجبت، وتساءلت مع نفسي: ماذا يريد مني زعيم الشيعة في العالم أجمع، وأنا الطالب الفقير، ولما حضرت بين يديه، قال لي: يا شيخ عبد الجبار، حدثوني عن نشاطك ووعيك، وأريد منك أن تذهب وكيلاً عني إلى بغداد، مدينة الطوبجي (السلام حالياً).
يقول: فقلت سيدي سمعاً وطاعة، وبعد أن عقدت العزم على الرحيل إلى بغداد كان الإمام الحكيم قدس سره عندما يرسل وكيلاً عنه يرسل ولديه السيد مهدي والسيد محمد باقر؛ لينصبوه وكيلاً للمرجعية، وليوثقوه عند الناس.
يقول رضوان الله عليه: ولما وصلنا بغداد احتشدت الجماهير بالآلاف لاستقبال وفد المرجعية، وكان متكوناً من السيد مهدي الحكيم، والسيد محمد باقر الحكيم، والسيد حسين الصدر، وأنا أمشي آخرهم، وهنا نظر مؤسس الحسينية إلى الوفد، وتساءل من هو العالم الذي جاؤوا به؟ قالوا: ذلك الشيخ، فقال: لو جاءونا بغيره سيد كهؤلاء السادة لما يتمتعون بجمال وقدسية.
يقول الشيخ: سمعته، وقلت في نفسي: سوف يأتي المنبر وأريك الجمال والقدسية، وحين قدموه لإمامة الجماعة وصعد المنبر، وراح يتفجر روحاً ملتهبةً، وأدباً جماً، وحرارةً إيمانيةً، ارتفعت الأصوات بالتكبير والصلوات، وكان بحق خطيباً مصقعاً بليغاً يلهب المشاعر، ويشد القلوب، ويثير الحماسة الإيمانية, وهكذا استقر في بغداد، وصار يمارس إمامة الجماعة والوعظ والإرشاد، وكان منبراً متحركاً، ومدرسة حركية، فلا يترك مناسبة إلا ويمد جسوره مع الناس، وينتهز كل فرصة لتوعية الناس، وكان مصداقاً للقاعدة الحركية (كل شيء بالنسبة للداعية مادة للدراسة، وكل مكان مدرسة للتوعية)، فكان يتخذ من المناسبات المختلفة كالفواتح، والمآتم، والأعراس مجالاً لتوعية الناس, وقد حاولت مجموعة دينية متحزبة أن تكسبه إلى جانبها, لتطوقه، أو تحجزه عن الناس بأسئلة ونقاشات لا طائل معها، فكانت النتيجة أن استطاع أن يوقظ ضمائرهم , ويرجعهم إلى الأصالة الإسلامية، ويضمهم إلى منهجه الدعوي,ولصدقه، وإخلاصه، وحركيته، وسموه الخلقي، وترفعه عن الجوانب المادية امتد إلى مختلف مناطق بغداد حتى صار مناراً للآخرين, ولعزة نفسه وعفافه, وترفعه عن أخذ الأموال من أحد حتى الحقوق الشرعية، اضطر أن يتعين في مدارس الإمام الجواد الأهلية التي أسسها السيد المرتضى العسكري رحمه الله؛ ليسد حاجته المادية، ولما ألغى البعثيون المدارس الأهلية نقلوه إلى محافظة ديالى، فأرادوا أن يحاصروا حركته الرسالية، فنسبوه إلى قضاء بهرز الذي يكثر فيه الطائفيون المتعصبون، وما أن دخل الثانوية حتى حوصر من جميع جوانبه، ونشر الأوغاد البعثيون حوله الإشاعات الظالمة، ولكن أنى للظلام أن يحجب النور، ورغم كل المحاولات البائسة لمحاصرته استطاع أن يؤثر في طلاب المدرسة، تأثيراً إيجابياً كبيراً، ومنها امتد إلى الوسط الاجتماعي حتى طولب من أهالي المنطقة أن يصلي بهم الجمعة إلا أن السيد الشهيد أبدى ملاحظات قيمة خشية من تحسس المتعصبين وإثارة الفتن, ولما رأى البعثيون تأثيره السلبي عليهم اضطروا أن يرجعوه إلى بغداد في منطقته، وأخضعوه للرقابة الشديدة، وكانوا بين الحين والآخر يأخذوه إلى السجن، ويتعرض لأبشع أنواع التعذيب كما سجن مع الشيخ عارف البصري، ومجموعته , وأفرج عنه بعد فترة غير قصيرة , وفي أحد المرات أطلقوا سراحه, وما أن رجع إلى منطقته أذن المؤذن لصلاة الظهر يوم الجمعة، فلم يذهب إلى بيته، وإنما دخل المسجد، وخطب خطاباً حاداً أكد فيه أن السجن والتعذيب لن يثنيه عن مواصلة جهاده في سبيل الله تعالى.
وكانت أشد المراحل شدة عليه بعد إعدام كوكبة الهدى سنة 1974م حين أعدم الشيخ عارف وصحبه، رضوان الله عليهم ، حيث اشتد الضغط عليه، ولا يمر أسبوع إذا لم يستدعَ ويهدد أو يعذب إلى سنة 1979م حيث أخذ إلى السجن، وتعرض لأشد أنواع التعذيب هو وأخوه الشيخ ناظم البصري الذي كان إمام جماعة مسجد الإيمان في الكرادة، وكانت تلك هي المرة الأخيرة التي سجن فيها وسيق إلى محكمة صورية فيما يسمى (محكمة الثورة) , وقد حدثني الشيخ حسن الحساني في المحكمة , والذي ينبئ عن ذوبان رسالته، قال له مسلم الجبوري رئيس المحكمة: عبد الجبار البصري، لماذا لم تعدم إلى اليوم؟ فأجابه بكل جرأة وتحدٍ: سوء تقدير منكم، فأني قد جعلت من المنبر دكة، ومن السماعة (غرشة)، ولم أسكت يوماً عن نصرة الإسلام، فقال له الجبوري: تعرف ما هو حكمك؟ فقال الشيخ: كلما تحكم فهو لي، إعدامنا شهادة، وسجننا عبادة، وإطلاق سراحنا قيادة، وليس في ذلك شماتة، إنما الشماتة عندما تسحب أنت, ومن أقرك إلى النار، وأذهب أنا وصحبي إلى الجنة.
تلك هي روح التحدي الإيماني الذي تحلى به الشيخ الشهيد.
وهكذا مضى داعياً إلى الله إلى ساعة شهادته، وترك لنا دروساً وعبراً لا تثمن بثمن.
وختاماً: خلف الشيخ الشهيد عدة أولاد، منهما اثنان سلكا سبيله، وهما الشيخ محمد باقر، والشيخ محمد تقي، وابنتان درستا في الحوزة العلمية أيضاً، كانتا في غاية الإيمان والعفة والذكاء.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com