موقع الصراط ... الموضوع : الأدب الشيعي في الأندلس<br> دراسة في تجربة ابن الأبّار
 
الأحد - 21 / صفر / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الأدب الشيعي في الأندلس
دراسة في تجربة ابن الأبّار
 
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 21 / ربيع الأول / 1434 هـ
     
  بقلم الدكتور أحمد بادكوبه الهزاوة
إطلالة على تاريخ أدب التشيع في الأندلس :
سقطت الدولة الأموية عام 132هـ بيد العباسيين؛ فحكموا البلدان الشرقية للإسلام، لكن مع دخول عبد الرحمن الداخل ــ حفيد هشام بن عبد الملك ــ إلى الأندلس، استطاع الأمويّون إدارة الأندلس ثلاثة قرون، وصاروا بذلك من أشدّ المنافسين للخلافة العبـّاسية.
ولشدّة عداء الأمويين المستحكم والطويل للشيعة؛ فقد سدّوا كلّ المنافذ للحيلولة دون دخول الفكر الشيعي إلى تلك البلاد، وقد وصل الأمر بالأمويين الذين كانوا يُراقبون الأوضاع الاجتماعيّة للشيعة آنذاك، أنّهم كانوا إذا ظفروا بشيعيٍّ قتلوه.
وقد عمل الأمويّون في الأندلس على تثبيت عقائد أهل السنّة والترويج للمذهب المالكي مرفقاً ذلك بمحاربة الفكر الشيعي.
ورغم ذلك، فقد واجه الأمويّون الكثير من الحركات والثورات المختلفة ضدّهم، وكان يقود بعض تلك الثورات أحفاد الصحابة من الشيعة مثل عبد الله بن سعد بن عمار بن ياسر، ولا يخفى أنّ هذه الثورات كانت صِبـْغـَتـُها شيعيّةً اعتقادية، لكنّ جذرها يرجع إما إلى طلب الوصول للسلطة، أو أنّها كانت بسبب النزاعات القبَليـّة التي كانت بين قبيلة بني كلب وبني قيس(1). وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ ادّعاء الانتساب لأهل بيت النبوّة (ع) كان يقوّي جانب الثورة ضدّ الأمويين في الأندلس، وهو أمر طبيعي؛ فهناك ــ مثلاً ــ رجلٌ من البربر اسمه (شَنقا) خرج على الأمويين مدّعياً الانتساب إلى فاطمة الزهراء (ع)(2)، وكان يرمي من وراء هذا الادّعاء جلب أكبر عدد من البربر في الأندلس إلى جانبه؛ وقد استمرّت ثورته منذ عام 152 وحتى عام 160هـ(3). وثمّة أنموذج آخر نهض ضدّ الأمويين في مدينة اشبونة عام 332هـ كان قد ادّعى أن نـسَبَه ينتهي إلى عبد المطـّلب(4).
لم تدُم السياسة الأمويّة ضد التشيّع طويلاً؛ وذلك لوجود ثغرات في الصفّ الأموي، مثل قيام دولة الأدارسة في المغرب، والفاطميين في تونس ومصر، وكذلك ضعف وعجز الحكّام الأمويين أنفسهم، ذلك كلّه أدّى إلى نفوذ الأفكار الشيعيّة إلى تلك الديار؛ فسقوط الأمويين وتشكيل حكومة ملوك الطوائف التي كان مِن جُملتها الحمـّوديون، وكانوا أصحاب ميول شيعيّة، أدّى إلى توفير المناخ لنموّ العقائد الشيعية والأدب الشيعي في الأندلس، ومِن المحتمل أن يكون تشيّع الحمّوديين الذي تأثـّر بعقائد الشيعة الأدارسة تشيـّعاً زيديّاً.
قامت سياسة الحمّوديين على التسامح؛ فلم يجبروا أحداً من رعيّتهم على اعتـنـاق مذهب أهل البيت (ع)، وقد استمرّ حكمهم فترةً من الزمن مهيمنين فيها على قسمٍ من بلاد الأندلس؛ ومن الطبيعي أن تتأثر طبقات الرعيّة بهذه الحكومة، فقد برزت مجموعة من الأدباء الشعراء الشيعة خلال تلك الفترة من حكمهم.
وقد أنشد الشعراء قصائد كثيرة، كان منهم الشاعر ابن درّاج، الذي أنشد قصائد غرّاء للأمراء الحمّوديين، وكذلك لأهل بيت النبي (ص)؛ ويعتبر أوّل شاعر أندلسي نظـّم شعراً حزيناً في مصائب أهل البيت (ع)، يقول ابن بسّام حول قصيدة ابن درّاج الهاشميـّة: (إذا سمع دعبل الخزاعي والكميت بن زيد قصيدتَه هذه فلا يمكنهما أن ينبسا ببنت شفة)(5).
طبعاً، لا يمكن الحكم على هؤلاء الشعراء بالتشيّع؛ وذلك لأن الأوضاع المضطربة في ذلك الزمان ووجود دولة ذات ميول شيعيّة أمثال الحمّوديين، والطمع في عطايا الملوك والحكـّام؛ ذلك كلّه أدّى ببعض الشعراء إلى كتابة هكذا أشعار في مناقب ورثاء أهل البيت (ع).
وبهذه المناسبة، فقد شكّك بعض الباحثين المعاصرين في تشيّع هؤلاء الشعراء، كما شكـّكوا باعتقادهم الإثني عشري (6)، وبمرور الزمان صار الأدب الشيعي أكثر هيجاناً، وبالخصوص في عصر المرابطين والموحّدين في الأندلس.
ابن أبي خصال (465 ــ 540هـ) كاتبٌ أميرٌ سنـّيٌ من المرابطين، ويوسف بن تاشفين، أنشد قصائد في مناقب الرسول الأكرم (ص) وعترته ومصائب أهل البيت (ع) ، وكذلك صفوان بن إدريس (561 ــ 595هـ) شاعرٌ من شرق الأندلس، كان مِـن مُريدي ابن أبي الخصال؛ فقد أعرض فجأةً عن مدح الأمراء وانشغل بمدح النبي وآله (عليهم السلام)، وكتب أشعاراً حزينة مؤثــّرة في رثاء الحسين بن علي (ع)؛ أدّت إلى تهييج النـاس وبعث الحماس فيهم، وكانت مراثيه تـُقرأ في مجالس العزاء في مرسيليا والمناطق الشرقية من الأندلس، كما كانت تثير الحماسة والهمـّة في نفوس الناس(7).

ابن الأبّار والأدب الشيعي :
في هذه الأجواء، وُلد في عام 595هـ/1199م، أبو عبد الله محمّد بن عبد الله القضاعي، المعروف بابن الأبـّار، قرب بلدة بَلـَنسيه (8)، وكان ذائع الصيت في الأندلس، وبعد أن تعلـّم علوم عصره(9)، تقلـّد منصب قاضي مدينة دانية، ودخل مُعترك السياسة وهو في الثلاثين من عمره؛ حيث أدار أموراً متنوّعة وكثيرة في البلاط، من جُملتها الكتابة(10)، أي كاتب الديوان.
ولسوء حظّه، عاش أقسى أيام حياته عندما نُفي إلى شمال أفريقيا في بلدة البجاية(11)، وهناك التحق ببلاط آل حفص؛ لكن وشايةً سعى بها بعض السلطويين في البلاط أدّت إلى قتله بشكل فجيع عام 685هـ؛ حيث أحرقوا كتبه على جثـّته (12)، وصار يُلقّب فيما بعد بالشهيد المظلوم (13).
على كلّ حال، تعتبر آثار ابن الأبّار وكتاباته من المصادر المهمّة في معرفة تاريخ وثقافة وأدب الأندلس بلا تردّد(14)؛ فقد كان يشاهد العزاء الحسيني في مسقط رأسه شرق الأندلس، وقد سمع من أساتذته مراثي خامس أهل العباء الإمام الحسين (ع).
كان أحد أساتذته المسمّى أبو الربيع سليمان الكلاعي، على علاقة خاصّة وحميمة بالشاعر صفوان بن إدريس، الذي تحدّثنا عنه قبل قليل، وقد تعرّف ابن الأبّار على هذا النوع من الأدب، المعروف في الأدب العربي بأدب البكاء، على يد هذا الشاعر، ونال إجازة الرواية لبعض كتب المناقب من أساتذته، من جملتهم كتاب مناقب السبطين تأليف أستاذه أبي عبد الله محمد بن التجيني (540 ــ 610هـ) (15)؛ إذاً، فلا غرابة في اهتمام ابن الأبّار بمصائب آل بيت الرسول (ص)، وبالخصوص فاجعة كربلاء التي أولاها عنايةً خاصّة؛ فقد كان ذلك ظاهراً من خلال كتاباته وآثاره.
ومن بين آثاره كتابـَين، يُقدّمان صورةً واضحة عن ميوله الشيعيّة؛ وهما دُرر السمط في خبر السبط، والآخر معدن الـّلجين في مراثي الحسين، وهو كتاب لم يصل ــ مع الأسف ــ إلينا، لكنّ الشئ الوحيد الذي نعرفه عنه هو ما قاله ابن الأبّار نفسه في التكملة عنه(16) حيث قال: (من تأليفي).
وقد أطرى الغبريني كثيراً على هذا الكتاب، وقال: إن هذا الكتاب كافٍ لإثبات فضل ابن الأبّار في الأدب(17)، ويمكن استنتاج أنّ هذا الكتاب كان نثراً لا نظماً من كلام ابن الأبّار نفسه عنه حيث قال في (معدن اللجين): إنه من تأليفي.

ابن الأبّار والتشيّع، هل كان ابن الأبّار شيعياً؟
هل يمكن الحكم بتشيّع ابن الأبار؛ استناداً إلى ما مرّ؟
للإجابة على هذا السؤال، نرى من المناسب أن نطرح أدلـّة المخالفين والموافقين في هذا الموضوع، ثم نحكم ــ بعد ذلك ــ على تشيّعه أو عدمه، عبر دراسة أدلّة الطرفين في الموضوع؛ بغية الوصول إلى نتيجة نهائية.
من القائلين بتشيّع ابن الأبّار الذهبي (748هـ)، وكأنّه أوّل من قال بذلك، وقد استند الذهبي في قوله هذا إلى استعماله لفظ (الوصي) في حقّ عليّ بن أبي طالب (ع)، وإبراز العداوة لمعاوية وبني أميّة في كتابه دُرر السمط؛ ممّا يؤكّد تشيّعه(18).
وقد أشار المقري أيضاً في كتابه نفح الطيب(19) إلى تشيّع ابن الأبّار، وأثبته من خلال المدح والثناء على أسلوبه الأدبي في كتابه دُرر السمط، فقد أورد صاحب كتاب نفح الطيب نماذج تدلّ على تشيّع الرجل، من هنا قال كتـّاب الشيعة؛ ومن ضمنهم السيد محسن الأمين ــ بعد نقله كلام المُقرّي ــ : يمكن معرفة تشيّع ابن الأبار من خلال عباراته في كتابه دُرر السمط الواضحة، وأن ما قيل في عداء ابن الأبار للشيعة من خلال جوابه لرسالة ابن المطرّف في أنه تكلـّم ضدّ الشيعة وأظهر عداءه للشيعة، فغير واضح ومبهم ولا يمكن استنتاجه من جواب رسالته لابن المطرّف(20).
أمّا الآغا بزرك الطهراني، فذهب إلى تشيّع الرجل؛ مستفيداً ذلك من الشواهد المذكورة؛ وقد ذكر بعض آثاره في كتابه: (الذريعة)(21).
أما المخالفون لتشيّع ابن الأبّار فيقولون: رغم أنّ كتابه دُرر السمط يعظّم جلالة أهل البيت (ع) ويذمّ بني أميّة؛ لكنّ هذا لوحده لا يُثبت تشيّعه؛ لأنّ تشيّع ابن الأبّار يعني الحبّ والولاء لأهل البيت لا الاعتقاد بالأسس الفكريّة للشيعة الإمامية؛ ولهذا نلاحظ أنّ ابن الأبّار رغم أنه يقول بأن عليّاً (ع) كان وصي رسول الله (ص)، وأنّه سيد الأوصياء، لكنّه لا يعتقد بما تعتقد به الشيعة من وصايته على وزان وصاية موسى لهارون، بل يقول: إنّه آخر خليفةٍ للمسلمين، وأن معاوية أول ملكٍ بعد ظهور الإسلام، كما يرى أنّهما معاً ــ عليّ ومعاوية ــ في الجنّة(22).
ويتحدّث ابن الأبار في أحد قصائده الشعرية عن أهل السنّة بعيداً عن الرفض ــ وهو التشيّع الإثنا عشري ــ والنّصب والبغض (23). ويكتب أيضاً في رسالته إلى أبي المطرّف: (كلا، بل دانت (الأندلس) للسنّة، وكانت من البدع في أحصن جـُنـّة..) كنايةً عن بدع الشيعة الإثني عشريّة والفِرَق الأخرى(24).

الشواهد على عدم التشيع العقائدي لابن الأبّار:
ويمكن جعل الشواهد التالية مؤيّدةً لرأي المخالفين لتشيّع ابن الأبار، وهي:
أ ــ لو ألقينا نظرةً فاحصة على الأوضاع أواخر سلطة الموحّدين في الأندلس، لظهرت لنا المصائب والويلات التي جَرَت على المسلمين جرّاء سلطة المسيحيين بعد سقوط مُدن الأندلس الواحدة تلو الأخرى؛ ونتيجةً لتلك الأوضاع المؤلمة راجَت وازدهرت صناعة أدب الرثاء في الأندلس.
وقد استـَغـَلّ الشعراء هذه الفرصة وصاروا يَرْثون أهل البيت (ع) ويذكـّرون بجنايات الأمويين، لا سيما الواقعة الأليمة المُقرحة للقلوب، وهي واقعة كربلاء وشهادة الإمام الحسين (ع) وأصحابه، وكان الناس في الأندلس يعتبرون ذلك سلوى لهم ولمأساتهم، وكان النداء يصل حتى إلى غيرهم من المسلمين في البلدان الأخرى؛ وعبر ذلك كان الشعراء يحثـّون المسلمين على مقاومة المسيحيين الغزاة؛ فلم يكن الرثاء الذي قام به الشعراء سوى رثاءً للأوضاع المزرية التي مرّ بها مسلمو الأندلس، وتسليةً لخواطرهم، وكان ابن الأبار واحداً من أولئك الشعراء الذين كتبوا في هذا المجال، فلم يكن غريباً ولا بعيداً عن تلك الأجواء التي تأثر بها، وقدّم في ظلّها كتاباً أسماه دُرر السمط، والذي صار مورد تأييد وتمجيد الكثيرين، أمثال الذهبي، ذلك العالم المتعصّب ضدّ الشيعة.
ب ــ عدم التمكّن من الوصول إلى آثار ابن الأبّار أدّى إلى الحكم على عقائده عبر ما تنقله المصادر الأخرى، لا من مصنّفاته نفسها مباشرةً؛ ولم تكن تلك النقولات دقيقةً بما فيه الكفاية؛ فالسيد محسن الأمين والآغا بزرك الطهراني اعتمدا ــ فقط ــ على نقل قول صاحب نفح الطيب (المقري)، والحال أنّ كتاب دُرر السمط مطبوع، ويمكن البحث فيه كلـّه؛ للخروج بنتيجة، تؤكّد أنّ تشيـّع ابن الأبار لم يكن سوى إظهار المحبّة لآل البيت (ع)، لا تشيّعاً عقائدياً.
ومثلما كان ابن الأبـّار يبجّل أهل البيت (ع)، كان ــ أيضاً ــ يكنّ الاحترام للخليفة الأول، وكان يعظـّم الخليفة الثاني بالخصوص، ويعتقد أنّ باب الفتنة قد فُتح بعد وفاة عمر، ولو كان حيـّاً لما وقعت تلك المصائب والفتن الكبرى، سيـّما فتنة يوم الدار ــ أي يوم مقتل عثمان ــ وفاجعة كربلاء(25).
ويذكر في مكان آخر من كتابه (درر السمط) عبيد الله الشيعي، ويرفع من مكانته، وذلك عندما كان يُقارن بينه وبين عبيد الله بن زياد(26)، من هنا يمكن التنبؤ بأنّ الميول الشيعيّة في الأندلس جاءت نتيجةً لنفوذ الفاطميين في مصر آنذاك.
ج ــ استعمال كلمة (الشيعي) في آثار الذهبي لا تعني الشيعة الإثنا عشرية؛ فعندما يطلق هذه الكلمة يعني بها القائل بأفضلية علي (ع) على الخلفاء الثلاثة، حتى لو كان هذا المتحدّث سنّي المذهب، مثل: محمد بن جرير الطبري، المؤرّخ والمفسّر المشهور، والحاكم النيسابوري صاحب كتاب مستدرك الصحيحين؛ فمن وجهة نظر الذهبي كانت ميولهما شيعيّة(27)، كما يطلق الذهبي كلمة الرافضي على غيرهم من رجال الإمامية، أمثال دعبل الخزاعي، والشريف الرضي، والشيخ المفيد(28).

إطلالة إجمالية على كتاب دُرر السمط في خبر السبط لابن الأبـّار:
من خلال تصفـّح كتاب ابن الأبّار (دُرر السمط في خبر السبط)، وبإلقاء نظرةٍ عليه يمكننا أن نستبين اعتقاده ورأيه بالشخصيات والحوادث المهمة في تاريخ صدر الإسلام؛ فإذا ما قارنّا هذه الآراء والمعتقدات بآراء الشيعة الإثني عشرية ومعتقداتها أمكننا البتّ بعدم تشيّعه الإمامي.
ففي هذا الأثر (درر السمط)، استطاع ابن الأبّار، واعتماداً على قدرته الأدبية وقلمه المقتدر، أن يصوّر أحاسيسه الجيـّاشة تجاه أهل البيت (ع)، مستفيداً من أسلوب السجع كثيراً، فغدا ما كتبه محلّ ترحيب عموم الناس(29).
يحتوي كتاب دُرر السمط على مقدمة وأربعين فصلاً قصيراً، فلم يكتفِ المؤلـّف فيه بذكر شهادة الإمام الحسين (ع)، بل تحدّث عن حياة الرسول (ص)، كما تحدّث عن أهل بيته وما حلّ بهم من مصائب، وابتدأ كتابه بذكر قصّة بعثة رسول الله (ص)، مروراً بالحوادث التي وقعت في العصر الأموي، ثمّ أشار إلى سيرة السيدة خديجة الكبرى وفاطمة الزهراء (ع)، معرّجاً على مناقب علي (ع) وحروبه، وتطرّق بعدها إلى زوايا من حياة الإمام الحسن والحسين (ع)، وكيفيّة شهادتهما، وقد صوّر ــ بعد ذلك ــ الواقعة الأليمة لفاجعة كربلاء، كما تحدّث عن بداية ظلم بني أميّة وكيفية الانتقام منهم على يد أول خليفة عباسي، وهو السفـّاح.
ويُعْزي الكاتب هذا الاختلاف إلى الفِرقة بين المسلمين بعد وفاة الرسول الأكرم (ص)، فقد كان يذكر الخليفتين بخير، سيما الخليفة الثاني الذي كان يقول فيه: لو كان عمر حيـّاً لم تقع مصائبٌ مثل مصيبة يوم الدار ــ قتل عثمان ــ ومصيبة فاجعة كربلاء(30)، وقد وصفَ فضائل أهل البيت (ع) بأنها كالشمس الساطعة، رغم ما عانوه من الظلم المُستـَعر مـن جانب بني أميّة، وأنّهم كالنجوم التي يهتدي بها الناس(31)، ثم تهجّم على بني أمية ووصَفهم بعبارات تحقيريّة، كقوله: (الطلقاء)، وأنـّهم تشبّثوا بالمناصب التي اغتصبوها بغير حقّ(32).
وقد ذكـر في جانبٍ آخر من كتابه ولادة الزهراء (ع) ومقامها السامق بين نساء الدنيا، واعتبرها واحدةً من أفضل نساء الدنيا الأربع، ونعتها بنعوت سامية تليق بمقامها كأمّ أبيها وزوج وصي رسول الله (ص)(33).
ويذكر ابن الأبار بعض فضائل علي (ع) مثل فضيلة أوّل مؤمن من الذكور، والتي لم يستطع غيره من الخلفاء الوصول إليها، وقد فهم من حديث المنزلة واستنبط شيئاً يخالف تماماً ما استنبطه الشيعة الإمامية من الحديث نفسه، وقد ذكر ذلك في كتابه، فقد صرّح ابن الأبّار قائلاً: لولا هذه العبارة (لا نبيّ بعدي) في حديث المنزلة لصار اتـّباع عليّ واجباً بعد رحلة الرسول (ص)، فالاستثناء الذي جاء في ذيل الحديث (إلا أنه لا نبي بعدي..) منع من وجوب اتـّباع علي (ع)(34)، فيما الشيعة رغم اعترافهم بخاتميـّة الرسالة، لم يمنعهم ذلك من اتـّباع علي بن أبي طالب (ع).
ويذكر الكاتب أبا طالب استطراداً، ويقول ما قالته السنّة فيه من أنّه رحَلَ عن الدنيا كافراً (35)، أما الشيعة فيذهبون إلى أنه مات موحّداً مؤمناً، كما يعتبر الإمام عليّاً (ع) آخر خليفة، ومعاوية أوّل مَلِك في الإسلام، وكأنّه يقول: إنّ الإمام الحسن (ع) كان هو الخليفة الخامس، والكاتب يرى ــ رغم الفارق الكبير جداً بين علي (ع) ومعاوية ــ أنّ مأواهما جنـّة الفردوس.
ويقوم ابن الأبـّار بمقارنة جميلة بين شخصية الإمام الحسين (ع) وشخصيّة يزيد بن معاوية؛ وذلك لكي يمهـّد للإجابة عن السؤال التالي: لماذا قام الإمام الحسين (ع) بالثورة؟ فيشرع بالحديث عن ثورة الإمام الحسين (ع) ورسائل أهل الكوفة له، وحركته صوب الكوفة؛ وينقل أيضاً قصّة مسلم وهاني بن عروة في الكوفة، وكيفيّة دخول عبيد الله بن زياد متخفـّياً إليها(36). ثم يُديم الحديث بعد ذلك عن حركة الحرّ بن يزيد الرياحي نحو الحسين (ع)، ويتحدّث أيضاً عن مقتل مسلم في الكوفة.
ينقل ذلك ابن الأبّار فيقول: عندما وصل خبر مقتل مسلم بن عقيل إلى الإمام الحسين (ع) صمّم الرجوع، لكنّ أهل بيت مسلم تظـَلـّموا له وأقنعوه بوجوب الأخذ بثأر مسلم وإكمال المسير نحو الكوفة، وكم تمنّى ابن الأبّار أن يكون الحسين (ع) رجع إلى وطنه ولم يواصل المسير نحو الكوفة؛ كي لا تقع هذه الواقعة الدمويّة الفجيعة في كربلاء (37).
بعد أن حوصر الإمام الحسين (ع) مع أصحابه في كربلاء من خلال جيش عبيد الله بن زياد، خطب (ع) والأصحاب خُطباً رنـّانة ضَمـّنـَهـا ابن الأبـّار في حديثه عن الإمام (ع)، أمثال: (لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل) و(إني لا أرى الموت إلا سعادة)(38).
تعابير ابن الأبّار وقلمه السحري في وصف واقعة عاشوراء أدّى إلى أن يتألـّم مُخاطـَبوه إلى حدّ العويل والأنين على تلك المصيبة، فأخذ يتكلّم أيضاً عن هتك حرمات أولئك الأطياب وذبحهم وهتك نسائهم وأطفالهم، والغارة على مخيّم الإمام الحسين (ع)؛ وكان ابن الأبّار يشاطر أبا مخنف في التعبير عن واقعة كربلاء ومقتل الإمام الحسين (ع) القول: (إن أمّةً تقتل الإمام الحسين (ع) هل تدخل الجنـّة بشفاعة جدّه رسول الله(ص)؟!)(39).
والجميل في كلام ابن الأبار أنّه في أوج رثاء الإمام الحسين (ع) وفاجعة كربلاء كان يذكر عبيد الله بن زياد بالسوء والعار، فقد ذكـَرَ بهذه المناسبة وبكمال الدقـّة والحصافة الاسم المواطئ لاسم عبيد الله بن زياد، وهو عبيد الله الشيعي، أوّل خليفة من خلفاء الفاطميـين في مصر، وحلـّل شخصيـّته وذكره بخير، فقال: إنّ الخلفاء من بعده ــ أولاد عبيد الله ــ قاموا بتمثيل واقعة كربلاء وتجسيدها على أرض مصر(40).
ومن خلال تجليله للفاطميين، وهم من الشيعة الإسماعيليّة، يُحتمل أنّه قد مال للشيعة من خلال ذلك التأثـّر بهم، فبعد أن ذكر ابن الأبّار جرائم يزيد الأخرى مثل قتل أهل المدينة في واقعة الحرّة، ذكـر عبد الملك بن مروان الذي وصـَفـَه بأنه أعقل من يزيد، وأكثر تدبيراً، لكنـّه ــ أي ابن الأبّار ــ يصرّح بأن أبناء عبد الملك لم يدّخروا جهداً في أذيـّة أهل البيت (ع)؛ فلم يكن جزاؤهم إلا انتقام بني العباس منهم أيـّما انتقام (41)، وأخيراً، قام بمدح عمر بن عبد العزيز لما فعله مع أهل البيت (ع)، والإصلاحات التي قام بها في النظام الحكومي للأمويين(42).
أمّا الفصل الأخير من كتابه، فقام فيه بنقل مجموعة من الأدعية والابتهالات، طالباً العفو من ربّ العالمين على التقصيرات التي ربـّما صدَرَت عنه، متمنيّاً شفاعة رسول الله (ص)، كما تحدّث عن الأوضاع المترديّة والمضطربة في ذلك الوقت(43)، حيث صار المسيحيون في شمال الأندلس أقوياء، وجهـّزوا جيشاً لذلك، وأخذوا باحتلال المدن الواقعة هناك الواحدة تلو الأخرى، مشرّدين المسلمين من بلادهم؛ فالتجؤوا إلى المدن الأخرى القريبة، وعانوا ما عانوه من آلام الغربة القاسية، كما اضطرّ المسلمون الذين بقوا في مدنهم المحتلّة ــ من جانب آخر ــ للخضوع لمحاكم التفتيش العقائدية.

النتيجة:
للفكر الشيعي أو فكرة التشيّع في بلاد الأندلس مقارناً بالبلدان الشرقيـّة الأخرى مثل العراق وإيران، شكلان مختلفان؛ فالتشيّع في الأندلس قائم على المحبـّة الصـّرفة لأهل بيت رسول الله (ص) لا أكثر، فيما الشيعة الإماميـّة في العراق وإيران لديهم اعتقادهم بخلافة الأئمة (ع) بلا فصل بينهم وبين الرسول، كما يعتقدون بأنّهم الزعماء السياسيين والمعنويين لهم.
ومن خلال دراسة حال وأفكار ابن الأبار، والتي تُعتبر أنموذجاً للشعراء والكتـّاب المحبّين لأهل البيت (ع) في الأندلس، لا يمكننا الحكم عليه بالإمامية، لكن يمكننا الاعتراف بميوله الشيعية؛ أمـّا ما ظهر من الكتب التي تحكي عن ظلم بني أميـّة لأهل البيت (ع) وتحـمـِّس الناس وتبيين ذلك لهم، أمثال كتاب دُرر السمط في خبر السبط لابن الأبّار، وكذا إقامة العزاء والمراثي الحسينيّة بالخصوص في شرق الأندلس بعد أفول حكومة الأمويين، ذلك كلّه دليلٌ على وجود موجةٍ جديدة في القَرنين: الخامس والسادس الهجريين، كان فيها الشعراء والكتـّاب ببياناتهم الحماسيـّة والمُهيـّجة لمصائب أهل البيت (ع) وظلم بني أميّة، قد حاولوا ــ من جانب ــ أن يثيروا الحماسة وروح الجهاد ضدّ المسيحيين الذين هاجموا المدن التي يقطنها المُسلمون، عسى أن يستطيعوا من خلال هذه الوسيلة إيقاف الزحف المسيحي الذي طال مدن الأندلس، وأسقطها الواحدة تلو الأخرى، كما كانت ــ ومن جانب آخر ــ مصائب أهل البيت (ع) تسليةً للخواطر والقلوب المفجوعة لأهل الأندلس، الذين خاضوا الحرب مع المسيحيين الذين أسقطوا مدنهم واحتلـّوها.
وبناءً على ذلك كلّه، فإنّ الميول الشيعيـّة لأمثال ابن الأبـّار، وإقامة المراسم الشيعيـّة مثل المجالس الحسينيـّة في الأندلس لـَدليلٌ على تمايل المسلمين من أهل السنـّة نحو محبـّة أهل البيت (ع) وبُغض الأمويين.. الأمويون الذين حكموا الأندلس لقرون عديدة، وكانوا يكنّون العداء لاسم أهل البيت وأفكارهم ويحاربونها، لكن مع كلّ ذلك، وبعد مرور فترة من الزمن، تعاظم الحبّ والولاء لآل البيت (ع) في الأندلس.

الهوامش:
1ــــ مقدمة دُرر السمط: 5.
2ــــ محمد إبراهيم آيتي، الأندلس: 46 ـ 47، طهران، 1984م.
3ــــ ابن العذارى المراكشي، البيان في أخبار الأندلس والمغرب 2: 54ـ 55، بيروت، دار الثقافة، 1967م.
4ــــ المصدر نفسه 2: 211.
5ــــ علي بن بسام، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة 1: 70ـ 74؛ ابن درّاج، الديوان؛ القصيدة: 31.
6ــــ انظر: شوقي الضيف، تاريخ الأدب العربي: 54 ـ 55؛ وسعد إسماعيل شبلي، البيئة الأندلسيّة وأثرها في الشعر: 237.
7ــــ انظر: الهراس والعراب: ط ، ي؛ وحول كيفية إقامة مراسم عزاء الإمام الحسين (ع) في يوم عاشوراء شرق الأندلس، تقريرات لسان الدين ابن الخطيب في كتاب إعلام الأعلام فيمن بويع قبل الخلافة قبل الاحتلام، ومن الجدير الرجوع إلى: الأمين، دائرة المعارف الإسلاميّة 4: 24 ـ 25.
8ــــ اسمها اليوم فالينسيا، وتقع شرق إسبانيا على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسّط.
9ــــ انظر: حسين المونّس، الحلة السيراء لابن الأبار: 16، القاهرة، 1963م.
10ــــ ابن خلدون، العبر 6: 601ـ 605؛ ومحسن الأمين، أعيان الشيعة 9: 388.
11ــــ تقع أعلى ساحل المتوسّط لدولة الجزائر الحالية.
12ــــ ابن خلدون، العبر 6: 654 ـ 655.
13ــــ الذهبي، العبر 3: 292.
14ــــ للتعرّف على حياته وآثاره أكثر، عليك بمراجعة: مجلة دراسات أندلسيّة العدد: 2، 1409هـ؛ وقد طُرحت في هذا العدد الخاصّ من المجلة المذكورة دراسات كانت قد كـُتبت في المؤتمر المنعقد حول ابن الأبـّار في تونس، وقد طُبعت في مدينة (انده) في أسبانيا؛ انظر: عبد العزيز عبد المجيد، ابن الأبـّار حياته وكتبه، الرباط، 1951م؛ ودائرة المعارف الإسلاميّة الكبرى، ذيل ابن الأبـّار، وكذلك انظر المقدّمات التي كتبها المحققون على آثار ابن الأبـّار.
15ــــ أحمد المقري، نفح الطيب: 397، بيروت، 1986م.
16ــــ ابن الأبّار، التكملة لكتاب الصلة 2: 635، إشراف: عزت العطّار الحسيني، القاهرة، 1955م.
17ــــ الغبريني، عنوان الدراية: 312، إشراف: عادل نويهض، بيروت، 1969م.
18ــــ الذهبي، سير أعلام النبلاء 23: 338.
19ــــ المقري، نفح الطيب 4: 500 ـ 506.
20ــــ محسن الأمين، أعيان الشيعة 9: 385؛ والمقري، نفح الطيب 4: 496 ـ 499.
21ــــ آغا بزرك الطهراني، الذريعة 8: 124 ـ 125؛ و21: 217.
22ــــ الهراس والعراب، مقدّمة درر السمط: م، ن، ص.
23ــــ المصدر نفسه: ن.
24ــــ بل دانت الأندلس للسنّة، وكانت من البدع في أحصن جُنـّة.. راجع: المقرّي، نفح الطيب 4: 498.
25ــــ درر السمط: 6.
26ــــ المصدر نفسه: 63 ـ 65.
27ــــ الذهبي، ميزان الاعتدال 3: 498 ـ 499، 608.
28ــــ المصدر نفسه 2: 27، و3: 523، و4: 30.
29ــــ قام بتحقيق الكتاب وترجمته لأوّل مرّة عامر الغديرة للحصول على الديبلوم العالي في المطالعات من باريس، لكنّه لم يظهر للعيان بسبب عدم طبعه، وقام الكاتب بكتابة مقالة تحليلية حول كتاب دُرر السمط نشرها في مجلة الأندلس، العدد: 22، 1957م: 31 ـ 54؛ وكذلك طُبع الكتاب طبعةً مُحقّقة لأول مرّة بجهود عبد السلام الهراس وسعيد أحمد العراب في تطوان المغرب، وعُرض عام 1972م، وهذه النسخة تحتوي على 88 صفحة ومقدّمة، وقد صحّحت وقوبلت مع ثلاث نسخ خطيّة، على طريقة التصحيح التلفيقيّة، وكُتب عليها حواشي قيـّمة، كما أنّ كتاب دُرر السمط حُقـّق مرةً ثانية مِن قبل عزالدين عمر موسى، وفق نسخة خطيـّة موجودة في مكتبة الشعب العامة في المغرب، وطبع في بيروت عام 1407هـ.
30ــــ ابن الأبّار، درر السمط: 5.
31ــــ المصدر نفسه: 7.
32ــــ المصدر نفسه: 8.
33ــــ المصدر نفسه: 19 ـ 20.
34ــــ المصدر نفسه:22، (فلولا أن (لا نبي بعدي) نصّ في الامتناع، لكانت (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى) حجّةً في الاتّباع).
35ــــ المصدر نفسه: 23 (وارحْمـَتا لأبي طالب! كفل ثم كفر، ونصر وما أبصر!).
36ــــ المصدر نفسه: 42 ـ 45.
37ــــ المصدر نفسه: 50.
38ــــ المصدر نفسه: 52.
39ــــ أترجو أمـّة قتلت حسيناً * شفاعة جدّه يوم الحساب؛ انظر: المصدر نفسه: 55 ـ 56.
40ــــ المصدر نفسه: 63 ـ 65.
41ــــ المصدر نفسه: 68 ـ 70.
42ــــ المصدر نفسه: 74 ـ 76.
43ــــ المصدر نفسه: 79.

المصدر: مجلة نصوص معاصرة، العدد السابع.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com