موقع الصراط ... الموضوع : الاستعاذة-1
 
السبت - 4 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الاستعاذة-1  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 13 / جمادي الأول / 1433 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي، تقريراً لدروس آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي
((قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس * من شر الوسواس الخناس * الذي يوسوس في صدور الناس* من الجنة والناس))

في القرآن الكريم سورتان للتعويذ، وتسمى بالمعوذتين، وكلتاهما في الاستعاذة بالله ولكن أحدهما تذكر الاستعاذة من الشرور الداخلية في النفس، والثانية تذكر الاستعاذة من الشرور الخارجية.
سورة الناس في الاستعاذة بالله من الشرور الداخلية في النفس وتنقسم إلى ثلاثة محاور:

المحور الأول: الاستعاذة:
الاستعاذة من: (العوذ هو الاعتصام، والتحرز من الشر بالالتجاء إلى من يدفعه) من شيء يخافه الإنسان على نفسه إلى شيء يطمئن إليه.
فإذن الاستعاذة تنشطر إلى شطرين: فرارُ أولاً، ولجوءٌ ثانياً، تحرز، وفرار من الشيطان من شر الوسواس الخناس، ولجوء إلى الله السلام المؤمن المهيمن فعندما يدخل الإنسان في حصن الله وحرزه يشعر بالطمأنينة والأمن.
حالة الاستعاذة ليس كلاماً، وإنما هي عمل يلجأ الإنسان به إلى الله تعالى، ثم هي حالة في القلب، وحالة في العمل، أما الحالة التي في القلب فهي: أن يطرح الإنسان نفسه بين يدي الله، ويصمم على الامتناع عن مخالفة أحكام الله،ويعزم على الالتزام بأوامره، والانتهاء عن نواهيه فهي إذن حالة شعور، وإحساس، وإدراك في داخل القلب جوهره العزم، والتصميم على امتثال أوامر الله،والانتهاء عن معاصيه بوعي وإخلاص.
وأما حالة العمل فهي فرار إلى الله، يقول تعالى: ((ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين)) (الذاريات:50)
فالاستعاذة الأولى قلبية وهي: ركون، واستسلام إلى الله، وانبعاث النفس الإنسان يستبطن الطمأنينة والسلامة، ألا بذكر الله تطمئن القلوب.
والاستعاذة العملية هي:حالة فرار إلى حصن الله، وتحرز به، ولجوء إليه تعالى، فإذا دخل الإنسان الحصن حماه الله من كيد الشيطان، فلا يستطيع أن يلاحقه فإن حصن الله ممنوع على الشيطان أن يلجه، وهذا الحصن هو حدود الله ((وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه)) (الطلاق:1) فلا سلطان للشيطان في إطار حدود الله تعالى، أما إذا كان الإنسان خارج حدود الله فإنه يصبح فريسة الشيطان لا محال، وإذا كان على الحافة فإنه يحاول أن يجره، وإذا كان داخل حدود فهو عاجز عنه ويائس منه.
فالذي خلق الشرور التكوينية خلق للإنسان معاذاً منها خلق الجراثيم، وجعل الأدوية معاذاً منها، وخلق الفقر ولكن جعل قوانين الاقتصاد حامية منه... وهكذا، وخلق لنا أعداءً ولكن جعل في قبالها قدرة العقل حامية... فإذا دخل المؤمن حدود الله فلا يخاف من الشيطان (لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن عذابي) يقول تعالى:
((وإمّا ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم)) (الأعراف:200)
((وإمّا ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم)) (فصلت:36)
((إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون)) (الأعراف:201)
هذه الآيات الكريمة تذكر أمرين:
الأول: أمر بالاستعاذة فإذا شعر الإنسان بنزغ الشيطان وجب عليه أن يستعيد بالله منه.
والنزغ هو الدخول في شيء لإفساده فالشيطان هنا كأنه يدخل إلى داخل النفس ليعبث بها ويفسدها.
الثاني: الآية الكريمة تبين معنى الاستعاذة فهي ليس قول، وإنما حقيقتها: اتقاء، وتذكر وذكر، وتبصر، وعزم، وتصميم، وتمرد على الشيطان, ولجوء إلى الله، وقد ورد عن أبي بصير أنه سأل الإمام الصادق (ع) عن هذه الآية الكريمة، فقال: (هو العبد يهم بالذنب، ثم يتذكر فيمسك فذلك قوله: ((تذكروا فإذا هم مبصرون)) )
فإذن ليس للشيطان طريق إلى داخل حدود الله فهو لا يصل إلى من تحصن بحدود الله ولذا جاء التعبير بالطائف وبالمس فإذا أصاب المؤمن منه طائف أو مس طرده بذكر الله تعالى.
فذكر الله كجهاز الإنذار المبكر الذي يوضع في أبواب المحلات التجارية؛ لحفظها من السراق، وهكذا خاصية حدود الله إن الشيطان لا يستطيع دخولها، إلا أن يعرض الإنسان عن ذكر الله، يقول تعالى: ((ومن يعشُ عن ذكر الرحمان نُقَيِّض له شيطاناً فهو له قرين)) (الزخرف:36)
وقد جاء عن رسول الله (ص): (إن أردت أن لا يصيبك شرهم، ولا يبدؤك مكرهم فقل إذا أصبحت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فان الله يعيذك من شرهم)
فالشيطان يتمكن من الإنسان، ويفترسه في حالتين حالة الغفلة، والإعراض عن ذكر الله وحالة الخروج عن حدوده تعالى فالذي يخرج عن حدود الله يكون لقمة سائغة للشيطان.
إذن حدود الله وهي أحكامه حصن أمين فعلى الإنسان أن يدخلها، ليكون في حرم آمن يعجز الشيطان عن اقتحامه، وهذا الحرم الآمن هو تقوى الله التي تحصل بالتمسك بأحكامه، يقول أمير المؤمنين (ع): (اعلموا عباد الله أن التقوى دار حصن عزيز، والفجور دار حصن ذليل لا يمنع أهله، ولا يحرز من لجأ إليه، ألا وبالتقوى تقطع حمة الخطايا، وباليقين تدرك الغاية القصوى)
فالخطايا وحمتها لسعة تؤذي، وتوجع، وتسمم، والتقوى تحصن الإنسان من سموم الخطايا، فهي إذن حصن، وليس سجن يجمد حركته، ويحجز حريته، وليس غلاً يقيد جوارحه وجوانحه، وإنما هي مفتاح يفتح به أبواب خزائن الله؛ ليفوز بالحرية، والسؤدد،والنجاة في الدنيا والآخرة كما يعبر أمير المؤمنين (ع): (تقوى الله مفتاح سداد، وذخيرة معاد، وعتق من كل ملكة، ونجاة من كل هلكة)
فهي لا تسترق الإنسان، وإنما تحفظه، وتعزه، وتجعله حراً من ربقة الشيطان، وتسويلات النفس الأمارة بالسوء، ومفاسد أتباع الهوى، وبالتالي هي أداة للتنبيه، والإيقاض، والتبصر،والذكر والتذكر، يقول أمير المؤمنين (ع): (أيقظوا بها نومكم، واقطعوا بها يومكم، وأشعروها قلوبكم وارحضوا بها ذنوبكم، وداووا بها الأسقام، وبادروا بها الحمام، واعتبروا بمن أضاعها، ولا يعتبرن بكم من أطاعها، ألا فصونوها وتصونوا بها)
يقول الشيخ الشهيد مرتضى المطهري (التقوى: وقاية لا قيود):
(واضح أن التقوى تهب للإنسان حرية معنوية، تحرره من أسر عبودية الهوى، وترفع عن رقبته حبال الحسد، والحقد، والطمع، والشهوة)
ويقول: (بل يصر نهج البلاغة على أن التقوى وثيقة تضمن للإنسان نوعاً من الأمن من الزلل والفتن، وفي نفس الوقت يلفت نظر الإنسان إلى أنه أيضاً يجب عليه أن لا يغفل لحظة عن حراسة التقوى وحفاظتها، فإن التقوى وإن كانت واقية للإنسان فمع ذلك يجب على الإنسان أيضاً أن يكون واقياً لها! وليس هذا من (الدور المُحال الباطل) بلى هو نوع المحافظة المتقابلة بين الإنسان والثياب، إذ الإنسان يحافظ عليها من التمزق والسرقة، وهي تحافظ على الإنسان من الحر والبرد،والبأس، والبؤس، ولقد عبر القرآن الكريم أيضاً عن التقوى باللباس فقال: ((ولباس التقوى ذلك خير)) (الأعراف:26) )
وعن رسول الله (ص) في حديث مشهور عند السنة والشيعة: (إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فإذا ذكر الله سبحانه خنس، وإن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com