موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب موسى كليم الله-7
 
الأحد - 12 / رمضان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب موسى كليم الله-7  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 25 / ربيع الأول / 1434 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
الدخول على فرعون:
فرعون ذلك الطاغية المتجبر الذي ادعى الربوبية فضلاً عن الملوكية والحاكمية والزعامة، فهو يعتبر نفسه فوق البشر مهما كان فالكل له عبيد مربوبون والعبد لا يحق له أن يناقش أو يعترض على سيده بحال، فهو يزهق الأرواح، ويقطع الأرزاق، ويحجز الحريات، وليس لأحد أن يقول له: لماذا؟
هكذا كان فرعون مصر وإن كان كل الفراعنة هم على شاكلة واحدة ولكن مع اختلاف في درجات الطاغوتية ولهذا كان الأمر صعباً مستصعباً أن يصل موسى (ع) إلى فرعون، وينذره بالرسالة إلا أن أمر الله تعالى فوق كل التصورات، ويتجاوز كل الحدود، فيأتي الأمر إلى موسى: ((اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)) (طـه:43) ويمتثل موسى أمر ربه، ويدخل على فرعون متحديا كل الاعتبارات الفرعونية، ويكسر كبريائه حين يقف أمامه داعيا له إلى عبادة الله تعالى، قائلا: ((يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَيَّ أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائيلَ)) (الأعراف:104-105) وفي هذه الآية نلاحظ أن موسى (ع) لم يبد لفرعون أي احترام،أو اعتبار ولم يمتثل للمراسم الفرعونية والاعتبارات السياسية والملكية التي اعتاد عليها فرعون ومخاطبته: يا ملكنا ويا ربنا، وإنما دخل عليه بهيئته العادية التي يتعامل فيه مع كل الناس؛ ليشعره بأنه لا يفرق عن الناس شيئا، وخاطبه كما يخاطب أي إنسان آخر، وأجمل بيان في وصف ذلك ما جاء عن أمير المؤمنين (ع) بقوله: (ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون على فرعون وعليهما مدارع الصوف وبأيديهما العصي فشرطا له -إن أسلم- بقاء ملكه ودوام عزه)... وهذا مما أثار عجب فرعون واستغرابه ماذا يملك هذا وأخوه حتى يخاطبونه بهذه اللغة، ويوعدونه ببقاء ملكه إن أسلم، وفنائه إن تمرد، وهو فرعون الذي يملك الحول والطول، والأمر والنهي، بل قد يتصور أنه يملك الموت والحياة فكيف يستطيع هذين الفقيرين اللذان لا يملكان شيئا أن يخاطباه بهذه اللهجة الحادة القاطعة؛ ولهذا يلتفت إلى أصحابه ويقول لهم: (ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العز وبقاء الملك وهما بما ترون من حال الفقر والذل، فهلا ألقي عليهما أساورة من ذهب)(1) ورغم ذلك الجبروت والتعالي يتقدم موسى (ع) إلى فرعون بقوة معلنا رسالته ((إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) (الزخرف:46) هذا أولا وبما أني رسول رب العالمين فلابد أن ترسل معي بني إسرائيل.
ولما رأى فرعون قوة الدعوة ورباط الجأش حاول أن يذكر موسى بإحسانه إليه وفضله عليه قائلا: ((أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ)) (الشعراء:18) هذا أولا فلابد أن تذكر لطفنا وعنايتنا ورعايتنا لك، وثانيا: ((وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ)) (الشعراء:19) وأنت يا موسى لم تكتفِ بإنكار الجميع وإنما فعلت فعلة منكرة وكفرت بنا حين قتلت أحد أتباعنا والأمر العجيب – ولا عجب في أمر الله تعالى – أن فرعون أخذ يعاتبه عتابا يستشف منه شيئا من المرونة والمداراة، فكان رد موسى (ع) عليه رد الواثق برسالته غير منكر للتهمة التي وجهها إليه فقال (ع): ((فَعَلْتُهَا))(2) ولكني لم أكن متعمداً وإنما كنت في موقع الدفاع عن المظلوم ولم أكن (أعلم أنه يؤدي إلى قتل الرجل ويؤدي ذلك إلى عاقبة وخيمة تحوجني إلى الخروج من مصر وفراري إلى مدين والتغرب عن الوطن سنين)(3) ولما علمت أنكم تآمرتم على قتلي فررت منكم؛ لأنجو بنفسي من ظلمكم،وفي هجرتي هذه،وفراري منكم ((فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ)) (الشعراء:21) والحكم الذي وهبه الله تعالى لموسى هو القدرة العملية على إدارة الأمور، وإتقان الرأي في العمل، والدليل على ذلك أن الحكم ورد في آيات أخرى، مقرونا مع الكتاب والنبوة، يقول تعالى: ((أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ)) (الأنعام:89) ((وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرائيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ)) (الجاثـية:16) ثم إن موسى (ع) لم يعترف له بما يدعيه من فيض النعم عليه، ولم يعترف له بمنته عليه، وكأنه يقول له متهكما (أتمن عليَّ بأن ربيتني مع استعبادك قومي هذه ليست بنعمة)(4)
وعلى كل حال فإن موسى قد وقف من فرعون موقف الثائر النبوي الذي يبلغ كلمة الله تعالى ولا تأخذه في الله لومة لائم بل كان يرد تهديد فرعون بالتحدي العنيف فحين قال له فرعون: ((إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً)) (الإسراء:101) أجابه علي الفور وبلا تردد بعد تأكيد عقيدته بالله تعالى ((قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً)) (الإسراء:102) وهي كلمة توحي بالتحدي الصارخ الذي لا يخاف قائلها لومة لائم مهما كانت نتائجها.
ثم استمر الحوار بين موسى وفرعون، فقال فرعون مستنكرا ًعلى موسى-والعياذ بالله- ((وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)) (الشعراء:23) أجابه موسى (ع) جواباً حاسماً قطع فيه على فرعون كلما يمكن أن يحتج به قال: ((قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ)) (الشعراء:24) وفي سورة طه تسائل فرعون عن الذات الإلهية قائلا: ((فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى)) (طـه:49-50)... وحين تسائل عن مصير القرون الأولى أجابه موسى (ع): ((عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى)) (طـه:52) وحاول فرعون أن يستعدي جلاسه على موسى فتوجه إليهم مستنكرا بسخرية لاذعة قائلا: ((لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ)) (الشعراء:25) فكان رد موسى (ع) قاطعا فقال: ((رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ)) (الشعراء:26) أي أن ربكم الله الذي خلقكم وخلق آبائكم وخلق فرعون وهنا نفي الربوبية والألوهية التي يدعيها فرعون لقومه... فأراد فرعون أن يبطل رد موسى قائلا: ((قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ)) (الشعراء:27) وتلك تهمة الطغاة للدعاة على طول خط الصراع بين التوحيد والشرك إلا أن موسى أجاب بكل هدوء وقوة: إنني لست بمجنون كما يدعي فرعون إنما أنا رسول رب العالمين ((قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)) (الشعراء:28) أي أنني جئتكم برسالة رب المشرق والمغرب وفرعون لا يملك إلا هذه البقعة التي يعيش عليها ولما رأى فرعون أن لا سبيل للتراجع في الجواب الهادئ كشر أن أنيابه وارتفع انفعاله وراح يهدد موسى بما يقدر عليه وهو السجن فقال: (( لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)) (الشعراء:29)
إنه السلاح الذي يحاول الطغاة أن يوقفوا فيه حركة الدعاة إنه السجن ليحجزه عن مواصلة دعوته... إلا أن موسى لم يرهبه تهديد رجل يملك القوة والجبروت ويفعل ما يقول فأجابه بكل برودة أعصاب قائلاً: (( أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ)) (الشعراء:30) إنه عرض عليه أمراً عقلائياً وهو أن يأتيه بالحجة والبرهان الساطع الذي يدل على صدق مدعاه وأنه يملك ما يعجز عنه فرعون ومن يحيط به، ولم يكن فرعون ليعترف بالحقيقة مهما كانت واضحة؛ لأنه إذا اعترف فإنها تسقط ملكه وتزعزع سلطانه، فقال مشككاً ومتهكماً ((فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)) (الأعراف: 106) وهنا تحدى موسى واتهمه بالكذب وشكك بقدرته إلا أن موسى فاجأه بما لم يتوقعه ((فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ)) (الأعراف:107) (وقد أحس فرعون بضخامة معجزته وقوتها، فأسرع يقاومها ويدفعها وهو يحس ضعف موقفه ويكاد يتملق القوم من حولــــه ويهيج مخاوفهم من موسى وقومه ليغطي على وقع المعجزة المزلزلة)(5) فراح يثير المحيطين به على موسى؛ لئلا يتأثروا بالمعجزة ويؤمنوا بموسى فقال لهم: ((إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ))(6) (الشعراء:34) فلا تؤمنوا به، ولا تصدقوه فإن له هدفاً آخر خارج دائرة الدين والإيمان إنه ((يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ)) (الشعراء:35) إنه خطر يداهمكم فخذوا حذركم واشتركوا في رده، والعجب مع إدعاء الربوبية يطلب من الملأ أن يأمروه بما يفعل فيقول مخاطباً للملأ: ((يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ)) (لأعراف:110)
وهنا تتدخل اليد الإلهية فتوجه حركة التوحيد بوجهة توسع فيه دائرة الدعوة فعوضاً من أن يقولوا لفرعون اسجنه أو أقتله قالوا له: أمهله، وأفسح له المجال(7),ثم أرسل رسلك إلى جميع المدن والأمصار الكبرى، واجمع السحرة؛ ليأتوه بسحر أقوى من سحره، وهنا يسكت النص ويتحدث عن فرعون الذي راح يحشد كل قواه ليجمع السحرة، ويحرك الجمهور لميقات يوم معلوم ولم يكتف بجمع أمهر السحرة، وإنما راح يحشد الناس ضد موسى (ع) فراح إعلامه يقول ((لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ)) (الشعراء:39-40) والجماهير شديدة المعاد لمثل هذه المشاهد (دون أن تفطن إلى أن حكامها الطغاة يلهون بها ويعبثون ويشغلونها بهذه المباريات والاحتفالات والتجمعات ليلهوها عما تعاني من ظلم وكبت وبؤس وهكذا تجمع المصريون ليشهدوا المبارات بين السحرة وموسى (ع))(8)

الهوامش:
(1) الشريف الرضي: نهج البلاغة: خطبة: 192.
(2) قال الشريف المرتضى قدس سره: (إن موسى (ع) لم يعتمد القتل ولا أراده، وإنما اجتاز فاستغاث به رجل من شيعته على رجل من عدوه بغي عليه وظلمه وقصد إلى قتله، فأراد موسى (ع) أن يخلصه من يده ويدفع عنه مكروهه، فأدى ذلك إلى القتل من غير قصد إليه، فكل ألم يقع على سبيل المدافعة للظالم من غير أن يكون مقصودا فهو حسن غير قبيح ولا يستحق عليه العوض به، ولا فرق بين أن تكون المدافعة من الإنسان عن نفسه وبين أن يكون عن غيره) تنزيه الأنبياء: 100.
(3) العلامة الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن: 15/262.
(4) الشيخ الطبرسي: مجمع البيان: 7/325.
(5) سيد قطب، في ظلال القرآن: 6/205 .
(6) إن هذا القول جاء على لسان ملأ فرعون في سورة الأعراف وعلى لسان فرعون في سورة الشعراء ولا منافاة بين هاتين الآيتين لأنه لا يبعد أن يكون فرعون قال هذا الكلام في البداية وحيث أن العيون كانت متوجه إليه وينتظر الملأ ما يقوله، ثم كرّر الملأ المتملق المتزلف الذي لا هدف له إلا رضى رئيسه وسيده. (راجع التفسير الأمثل: 5/134)
(7) حاول بعض المفسرين أن يفسر اقتراحهم بأنهم أرادوا أن يبطلوا معجزة موسى بأعمال خارق للعادة، ويسقطوا اعتباره بهذه الطريقة، وهذا غير بعيد عن الواقع ألا أن تدخل اليد الغيبية هي التي وجهت مسار القضية؛ لتوسع حركة الدعوة وتدخلها في دائرة أوسع من قصر فرعون.
(8) سيد قطب، في ظلال القرآن: 6/206.

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com