موقع الصراط ... الموضوع : أخلاقية المعسكرين
 
الأربعاء - 8 / رمضان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أخلاقية المعسكرين  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 25 / ربيع الأول / 1434 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
لقد برزت في ميدان الطف، وتجلت كالشمس في رائعة النهار أخلاقيتان. أخلاقية الإسلام، وأخلاقية الجاهلية المتلبسة بثوب الإسلام، والمستترة تحت عنوانه، ومن دون شك أن الحسين (ع) أراد أن يكشف تلك الأخلاقيتين، ولأجل بيان تلك الحقيقة لابد أن ننظر في أخلاقية المعسكرين من حيث الحركة، والأهداف، والأساليب، والنتائج. وهذا يلزمنا أن نرجع إلى بداية تشكيل الجيشين:
ففي الخروج وتشكيل القوى المقاتلة : لما عزم الحسين (ع) على الخروج من المدينة إلى مكة، ثم إلى الكوفة، لم يجبر أحداً على الخروج معه، ولم يلح في ذلك مع أحدٍ، ولم يُرَغب أحداً في الدنيا، بل كل ما كان يفعله أن يدعو من يلتقيه إلى نصرته في منتهى الهدوء، والأدب، والصراحة ؛ ليثبت الحجة عليهم، فيقول مثلاً لعبيد الله بن عمر بعد حوار طويل دار بينهما حين دعاه ابن عمر إلى بيعة يزيد أو العقود في منزله.
(اتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي)
وحين خطب في مكة كشف جرائم بني أمية، وحرمة طاعتهم، وحين دعا الناس إلى نصرته قال : (ألا ومن كان فينا باذلا مهجته، وموطنا على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا، فإني راحل مصبحا إن شاء الله ...)(1)
لقد كان الحسين (ع) يحشد الناس ضد بني أمية بهذا الإسلوب الواضح الصريح لم يوعد بديناً، ولا مال، ولا جاه، ولا سلطان، وإنما ذكّر الناس بما أراد الله تعالى في نصرة الحق وإقامة دولته، وهذا ما لم نعرفه عند غيره، وغير جده وأبيه . فهو في هذا يسلك مسلك جده (ص) (ص) حين سأله الأنصار عند العقبة مالنا إن نصرناك؟ قال الجنة(2)، وكان هذا نهجه عند كل من يلتقيه، وفي كل مراحل حركته المباركة من المدينة إلى كربلاء هذه هي أخلاقية الثورة عند الحسين (ع) وأبيه وجده صلوات الله عليهما، أما أخلاقية بني أمية في تجيش الناس لمواجهة الحسين (ع) فقد اشتملت على الوعد، والوعيد، والخداع، والغدر، والمكر.... كما تجلى ذلك في استشارة يزيد لسرجون النصراني واقتراحه أن يرسل عبيد الله بن زياد والياً على الكوفة إضافة إلى البصرة لعلمه بقسوته ووحشيته وبطشه، وأخذه الناس على الظنة والتهمة، ولأنه لا يتورع عن أي جريمة مهما كانت فلذلك استجاب له فوراً وأمّر ابن زياد على الكوفة، وما أن تسلم ابن زياد أمر يزيد حتى خطب في أهل البصرة قائلاً: (أما بعد فوالله ما تقرن بي الصعبة، ولا يقعقع لي بالشنآن، وإني لنكل لمن عاداني، وسم لمن حاربني أنصف القارة من راماها، يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين ولأني الكوفة، وأنا غادٍ إليها الغداة، وقد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان، وإياكم والخلاف والإرجاف فوالذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه، ولآخذن الأدنى بالأقصى حتى تستمعوا لي، ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاق ... )(3)
وأقبل إلى الكوفة، وهنا برزت روح الخداع الخبيثة، وهو يخشى أن يسبقه الحسين إلى الكوفة فتنكر ؛ ليوهم الناس أنه الحسين (ع) فلبس ثياباً يمانية وعمامة سوداء، وتلثم ؛ ليخدع الناس فانطلت الخدعة عليهم بحيث كان لا يمر على أناس: (إلا سلموا عليه، وقالوا مرحبا بك يا ابن رسول الله قدمت خير مقدم فرأى من تباشيرهم بالحسين (ع)، ما ساءه فقال مسلم بن عمرو لما أكثروا تأخروا هذا الأمير عبيد الله بن زياد)(4)
وما أن وصل الكوفة، وسيطر على قصر الإمارة صعد المنبر وراح يرغب ويرهب قائلاً : (أما بعد فان أمير المؤمنين يزيد، ولاني مصركم وثغركم وفيئكم، وامرني بأنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدة على مريبكم وعاصيكم، وأنا متبع فيكم أمره، ومنفذ فيكم عهده، فأنا لمحسنكم ومطيعكم كالولد البر، وسوطي وسيفي على من ترك أمري، وخالف عهدي فليتق امرؤ على نفسه الصدق ينبئ عنك لا الوعيد)(5) وأخذ يشدد بعنف ويقول: (فإنه لا يصلح هذا الأمر إلا في شدة من غير عنف، ولين من غير ضعف، وان آخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب، والولي بالولي)(6)
ولم يكتفِ بهذا، بل بث العيون والجواسيس، وفتح بيت المال؛ ليبذله في شراء الضمائر لا سيما أشراف الكوفة كما وصف هذه الحالة أحدهم للحسين (ع) قائلاً : (أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم، وملئت غرائرهم، يستمال ودهم، ويستخلص به نصيحتهم فهم ألب واحد عليك)(7) وحشد أهل الكوفة بالرشوة، والغدر، والخداع كما غدر بالقائد الفذ هاني بن عروة رضي الله عنه بتلك السياسة الماكرة، والأخلاقية المنحدرة إلى الحضيض التي تمثلت بها كل أنواع الوحشية تعامل ابن زياد مع الحدث .
وإذا انتقلنا إلى الميدان الحسيني نجد أن الحسين (ع) جسد كل الخلق الإلهي في تعامله مع الحدث . فتراه يعظ القوم، ويذكرهم بالله، ويخوفهم من عقابه، ويطمعهم بثوابه ولم يكتفِ بذلك، بل تعامل مع جيش الحر - الذي جاء ليلقِ القبض عليه- بأخلاقية لا نعرف لها مثيلاً في التأريخ . حيث وصل جيش الحر إليه والعطش يعصف به، وما أن رآهم الحسين (ع) حتى أمر أصحابه أن يسقوهم، ويرشفوا الخيل ترشيفاً كما تقدم ذلك.
أرأيت قائداً يسقي جيش عدوه ! الذي جاء ليوثقه ويسوقه لجلاده أو يقتله، وبمقابل هذا يمنع ابن زياد الماء على الأطفال والنساء حتى الرضيع تلك أخلاقية، وهذه أخلاقية وشتان ما بين الخلقين . فأخلاقية الجيش الأموي تمثلت فيه أحط وأبشع أشكال الوحشية ولا عجب من ذلك إذا عرفنا أن رجال الحسين (ع) ليس فيهم إلا القراء والعلماء والفقهاء من الذين تربوا في مدرسة أهل البيت (ع) كحبيب بن مظاهر، وبرير بن خضير، ومسلم بن عوسجة، وعابس الشاكري، وأما في الجانب الأخر من الذين عاشوا في المستنقع الأموي كالشمر، وشبث بن ربعي، وحرملة بن كاهل، يقول العقاد: (وكان أعوان يزيد جلادين وكلاب طرد في صيد كبير، وكانوا في خلائقهم البدنية على المثال الذي يعهد في هذه الطغمة من الناس . ونعني به مثال المسخاء المشوهين، أولئك الذين تمتلئ صدورهم على أبناء آدم ولا سيما من كان منهم على سواء الخلق، وحسن الأحدوثة فإذا هم يفرغون حقدهم في عدائه، وإن لم ينتفعوا بأجر أو غنيمة، فإذا انتفعوا بالأجر والغنيمة فذلك هو حقد الضراوة الذي لا تعرف له حدود . وشر هؤلاء جميعاً هم شمر بن ذي الجوشن، ومسلم بن عقبة، وعبيد الله بن زياد ويلحق بزمرتهم على مثالهم عمرو بن سعد(8) )(9)
وقد أقدم هؤلاء على جرائم فضيعة، لا يمكن للإنسان أن يتصور أن الفاعل إنسان يحمل ولو ذرة من الإنسانية كمنع الماء عن الأطفال والنساء، وقتلهم، وسبيهم، ولم يسلم حتى الرضيع، وحرق الخيام، وقتل القراء، ومنع إقامة الصلاة، وقطع رؤوس الشهداء، ورفعها أمام عيون أهليهم من الأزواج والبنات والأخوات، وسحق أجساد الشهداء بمنظر من أهلها، تلك بعض أخلاقية جيش يزيد، وقد تجلى فيها المحتوى الداخلي لهؤلاء، ومدى ما يحملونه من الحقد على القيم الإسلامية والإنسانية .
وأما أخلاقية جيش الحسين (ع) فالرحمة لكل الناس حتى أعدائهم، وعدم التفريق بين شهداء معركته فكان على حد سواء يقف عند كل شهيد، ويضع خده على خده ويترحم عليه سواء كان كبيراً أو صغيراً، عبداً أو حراً تجلى لنا ذلك عندما وقف على جسد غلام تركي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، فيضع خده على خده، ويحس الغلام بالحسين إلى جانبه فيبتسم، وترتفع روحه إلى بارئها، ويتسامى الحسين (ع) فيعفو عمن حبسه وجعجع به ومنعه من الانصراف الحر الرياحي رحمه الله حين يرجع إليه طالباً العفو والتوبة، فيقول له : إن تبت تاب الله عليك؟ ومنحه وساماً عظيماً حينما قال له : أنت حر كما سمتك أمك حراً.

الهوامش:
(1) القاضي نعمان المغربي، شرح الأخبار: 3/146.
(2) الطبري، ذخائر العقبى: 189.
(3) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: 4/266.
(4) المصدر نفسه: 267.
(5) السيد محسن الأمين، لواعج الأشجان: 44.
(6) القرشي، حياة الإمام الحسين (ع): 2/360.
(7) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: 4/306.
(8) ولكن الحقيقة أن عمرو بن سعد لم يكن كما وصف العقاد قريب من مثالهم. وإنما هو أسوء منهم ؛ لأنه هو قائدهم الذي كان يصدر الأوامر لهم وهم أدوات تنفيذ .
(9) العقاد، أبو الشهداء، موسوعة العقاد: 2/ 204.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com