موقع الصراط ... الموضوع : الداعية الشهيد الشيخ خزعل السوداني
 
الأربعاء - 17 / جمادي الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الداعية الشهيد الشيخ خزعل السوداني  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 15 / ربيع الثاني / 1434 هـ
     
  بقلم: صلاح البصري
الشيخ خزعل السوداني
إن الشموع التي حاول البعث الكافر أن يطفئها تحولت إلى مشاعل، وحين نتحدث عن الشهيد الغالي إحدى هذه الشموع التي أضاءت الدرب في النجف والبصرة والگريعات وخرنابات، فإنما نتحدث عن ظاهرة جديدة غزت الساحة الإسلامية منذ بداية الستينات، إنه المنهج الحقيقي لعالم الدين المجاهد الذي نذر كل شيء لخدمة دينه وعقيدته، إنه تطبيق رسالي لأطروحة المرجعية الدينية الصالحة في نشر الفكر الإسلامي الثوري في مختلف قطاعات الأمة.

البداية:
كانت البداية المثيرة حين اختاره المرجع الديني الكبير الحكيم (قدس سره) وكيلاً للمرجعية الرشيدة في منطقة الگريعات في بغداد عام 1967م، لم يكن الشهيد آنذاك قد تجاوز الخامسة والعشرين من عمره المبارك، حيث وجد نفسه في ميدان صراع فكري، وكلنا يعرف هذه المدة المميزة من حياة أمتنا الإسلامية في العراق، حيث برز التيار الإسلامي الجارف قوياً هادراً ينسف كل المعوقات الفكرية المنحرفة، التي تعشعش في أذهان شبابنا ونسائنا، وتأخذهم أسرى - من حيث لا يشعرون - إلى الشرق الملحد أو الغرب المستكبر، الأفكار الشيوعية الملحدة التي بدأت تنحسر عن الساحة السياسية في تلك السنين نتيجة لإفلاسها الفكري أمام الفكر الإسلامي العملاق، والأفكار القومية التي بدأت تنتشر تملقاً للسلطان الحاكم واستجابة للتخطيط الاستعماري الذي وجد فيها الأطروحة الفريدة في ذلك الوقت لإيقاف المد الإسلامي الخاطف.
لقد كان معظم أبناء منطقة الگريعات المجاهدة يعيشون في متاهات هذه الأفكار المتهرئة الوضيعة وقد ابتعدوا عن دينهم المتكامل وفكرهم الإسلامي الرسالي.

المنهج الرسالي الهادف:
جاء ابن المرجعية الرشيدة ليقيم أحكام الله المهملة البعيدة عن ساحة الصراع، في المسجد كانت الخطب الإسلامية الرسالية والدروس الإسلامية العامة والخاصة، وعجّت أجواء المدينة بنشاطات الشيخ الشهيد وكلماته النارية الثورية، وأفكاره الصادقة الحقة، فتناقلتها الأفواه المؤمنة كأن صاعقة نزلت في الحي في تلك الأيام، وخاصة دروسه في كتاب اقتصادنا للمفكر الإسلامي الكبير الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) التي أثارت الجميع بمختلف فئاتهم السياسية، وفتحت عيون الكثير من أبناء الإسلام على حقيقة مبادئهم الإسلامية السلمية في هذا المجال، حتى قال أحد أساتذة مادة الاقتصاد في جامعة بغداد، الذي وفقه الله لحضور هذه الدروس: (حين حضرت دروس الشيخ الشهيد عرفت أن للإسلام نظاماً اقتصادياً شاملاً).
وصنعت هذه الدروس والمحاضرات المتوالية في المسجد وفي دور المؤمنين جيلاً من الشباب الرسالي الهادف الذي حمل العقيدة في قلبه وجاهد في سبيل إعلاء كلمة الله في كل مكان يحل فيه.
لقد كانت عطاءات الشيخ الشهيد تصل بيوت الفقراء والمساكين سراً وعند حلول الظلام دون علم أحد، إنه منهج زين العابدين (ع) يسير عليه تلميذه الوفي.

الخلق الرفيع:
إن الآية: (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) شعار أزلي وأطروحة عمل في نفس الوقت، الشيخ الشهيد (رحمه الله) سعى لأن يطبق على نفسه كل شيء قبل أن يأمر الناس به، ليكون أكثر وقعاً في نفوسهم وأكثر تأثيراً.
لقد سما في خلقه وسلوكه الإسلامي المتميز، فكان تلميذاً حقاً في مدرسة أهل البيت (ع) في تواضعه لكل الناس، واحترامه للكبير والصغير، وورعه وزهده وصلابته في الحق وجهاده وتقواه.
لقد عاش طيلة عمره في بيت للإيجار في النجف ثم في الگريعات، وحين ألحَّ عليه المؤمنون بأن يشتري له داراً كان يتعذر بأعذار شتى ليصرفهم عن ذلك، وبعد أن اشتدوا في إلحاحهم وقدموا له المال اللازم صرفه في سبيل الله، وحين سألوه عن الدار، قال: اشتريت لكم داراً، وحين سألوا عن مكانها، قال: هي لكم في الجنة.
لم يكن الشهيد يملك من حطام الدنيا شيئاً، وما من شيء يربطه بهذه الحياة الفانية إلا جهاده، وحين داهمه جلاوزة الأمن وأجبروه على مغادرة الدار لم يلقَ في ذلك عسراً، بل جمع ما في الدار ورحل إلى النجف الأشرف.
أما في تعامله مع أعدائه وخصومه فقد جَسَّدَ أخلاق العقيدة، وكان يقابل الإساءة بالإحسان ويقول كلمة الحق جون خوف، فقد كان جواسيس السلطة وكلابها يترصدون حركاته ويعدون أنفاسه وكان لا يبالي، بل استمر في جهاده وكلماته الثورية، وحاولت السلطة المجرمة أن توجد بديلاً له في المنطقة واختارت العميل الشيخ أحمد المنصوري، وفشلت كل المحاولات، لقد كان المجرم يوسف العزاوي - الذي أصبح ملحقاً تجارياً في سوريا بعد اعتقال الشيخ في المرة الأولى - يخطط مع أعضاء ما يسمى بمجلس الشعب البعثي ومختار المنطقة للإيقاع بالشهيد، ففي رمضان، طرق المجرم ومختار المنطقة دار الشهيد لدعوته لمأدبة إفطار دعي إليها كبار المسؤولين البعثيين فرفض الشيخ تاركاً المجرم يكيل الشتائم والسباب ويتوعده بالانتقام، وعلى أثر ذلك كتب تقريراً اتهم فيه الشيخ بالانتماء إلى حزب إسلامي، وأشهد على ذلك مجموعة من النفعيين والسفهاء البعثيين، وقدمه إلى مديرية الأمن العامة في بغداد، حيث اعتقل رحمه الله بعد ذلك.

في النجف الأشرف:
إن جهاد الشهيد الذي دخل ساحة الصراع السياسي والاجتماعي في منطقة الگريعات لم ينتهِ بعد إجباره على مغادرة جاره، بل استمر في النجف الأشرف بصيغة أخرى.
لقد عاد الشهيد كطالب علم في الحوزة العلمية، وقد شهدت الساحة وعياً إسلامياً ثورياً بارزاً في هذه المدة، وبدأت علائم الثورة الإسلامية في إيران تتضح، مما جعل المجاهدين في العراق الجريح يبذلون جهداً استثنائياً لتوضيح أهداف الثورة وحقيقتها، وفضح المؤامرات الاستكبارية والإلحادية التي تحاك ضدها، والتي تحاول الطعن في إسلاميتها وفي شخصيات قادتها المخلصين، وكان الشهيد رمزاً للعمل الدؤوب في هذا المجال.
وفي النجف كُلِّف أحد المجرمين من كلاب السلطة المدعو خليل كاظم بمراقبة تحركات الشهيد، ونتيجة لمتابعته الواضحة لثلاثة أيام متواصلة، أحس الشهيد بذلك، وعلم بأن تحركاته في هذه المدة واتصالاته السرية مع أهالي الگريعات من رجال ونساء في النجف حين يقدمون لزيارة أمير المؤمنين (ع) باتت مكشوفة لجلاوزة الأمن، لذلك قرر مغادرة النجف لتفويت الفرصة عليهم.

في قرية خرنابات:
واختير الشهيدة مرة أخرى وكيلاً للمرجع الشهيد السيد الصدر (رحمه الله) في خرنابات، إحدى قرى محافظة ديالى، وهناك - وبعيداً عن أعين الكلاب المتلصصة - عمل الشهيد بتروٍ وعمق، فخلق جيلاً من الشباب الرسالي الثوري الذي صعد أعواد المشانق بكل شجاعة وصلابة بعد حين، دفاعاً عن عقيدته ورسالته الخالدة، حتى أصبح المد الإسلامي المتنامي واضحاً في هذه المنطقة، حين ذلك عرف المجرمون أن شبح الشيخ المخيف الذي رحل عنهم واختفى قد عاد من جديد، وبدأت القصة تعاد بكل فصولها، وازدادت مضايقتهم له، وعلم أن التحرك بات مستحيلاً، فعاد إلى النجف الأشرف من جديد.

طريق ذات الشوكة:
لقد كان الشهيد يعلم جيداً أنه سلك طريقاً صعباً أهون ما فيه أن يعذب في سجون الظالمين، في المرة الأولى التي اعتقل فيها من منطقة الگريعات، اقتيد إلى مديرية الأمن العامة في بغداد، وعذب تعذيباً وحشياً حيث علق من رجليه أربع ساعات متواصلة، وربطت يديه من الخلف وعلق بالسقف، وأحرقت لحيته وشاربه، وقلعت أظافر قدميه، وأطفئت في صدره وظهره أعقاب السكائر، وغطس رأسه في الماء عدة مرات وهو يردد قولة بلال الحبشي: (أحد.. أحد) وصعق بالكهرباء، وكان في كل مرة يشتد عليه التعذيب يغمى عليه.
نقل بعد ذلك إلى مديرية أمن الديوانية حيث عذب هناك تعذيباً أقسى وأبشع على يد أراذل خلق الله من محترفي التعذيب وسفك الدماء، ثم أعيد إلى مديرية الأمن العامة من جديد، ثم أطلق سراحه.
خرج الشهيد من السجن ليعيش سجناً آخر أكبر من سابقه، لقد أجبره جلاوزة الأمن للحضور في مديرية أمن الأعظمية مرة كل يومين، حيث السباب والشتائم والتهديد والوعيد، وكان ضابط الأمن يرغمه على تسجيل أسماء الشباب الذين يرتادون المسجد، وكان جواب الشهيد الرفض المبدئي القاطع، وأخذ هذا الجلواز المحترف يتردد كثيراً على المنطقة لمعرفة الشباب المجاهد، وأدرك الشهيد الخطر الذي يحدق بالعمل الإسلامي، ووضع لذلك علاجاً أدخل المجرمين في متاهة وضياع.

مرة أخرى في النجف الأشرف:
بعد أن غادر قرية خرنابات إلى النجف كان الشهيد مركزاً لالتقاء العاملين المجاهدين من أبناء الگريعات وخرنابات والنجف الأشرف، حيث تم تبادل الآراء حول الأساليب المثلى للعمل الإسلامي، وحول الأمور المستجدة في هذه المناطق الملتهبة التي أرعبت الطغاة وأسكنتهم في أوكار الخوف والرعب.
وعلم الجلاوزة بذلك، فأخذوا يستجوبون كل من قابل الشيخ الشهيد أو التقى به، حتى حجاج بيت الله الحرام الذين يزمعون أداء فريضة الحج، كانوا يُسألون عن علاقاتهم بالشهيد، ويهددون بالإعدام في حالة ثبوت اتصالهم به.
وانتصرت الثورة الإسلامية في إيران في 11/2/1979م وبدأت مرحلة جديدة من الجهاد، والثورة في عراقنا الجريح، وامتدَّ الوعي الإسلامي الثوري إلى قطاعات أوسع من أبناء شعبنا المغربة، وخاف الطغاة على عروشهم من السقوط، وكان صراعاً مريراً بين المجاهدين والمستكبرين اعتقل فيه الآلاف وأعدم المئات وهاجر وهجَّر الآلاف.
وحين اعتقل الشهيد الصدر (قدس سره) في رجب عام 1399هـ تحدد حجم المعارضة الإسلامية المتصاعدة لعملاء النظام ورموزه، فأطلق سراحه واتجهت الآلاف من أبناء شعبنا إلى دار الشهيد (قدس سره) لتعلن التأييد والطاعة، وكان شهيدنا الغالي في طليعة المتظاهرين حول دار المرجع الكبير (قدس سره) وبعد ذلك بدأت حملة الاعتقالات المسعورة العشوائية، واعتقل شهيدنا في 11/6/1979م.

الشهادة المباركة:
وبعد التعذيب الوحشي في مديرية الأمن العامة ببغداد، قدم الشهيد مع مجموعة كبيرة من المجاهدين إلى محكمة الثورة الصورية في أبي غريب ببغداد، فحكم عليه بالإعدام شنقاً في 30/6/1979م.
اختفت بعد ذلك أخباره عن أهله ومحبيه، وحتى بعد صدور قانون العفو العام الوهمي من قبل سلطات البعث المجرمة لامتصاص النقمة الجماهيرية المتصاعدة، لم يفرج عن الشهيد.
ثم نفذت أحكام الإعدام الظالمة في مجزرة جماعية وحشية في تموز عام 1979م، في ما يقارب الستين شهيداً من قادة الحركة الإسلامية وطلائعها الرسالية المجاهدة، في منطقة بسماية شمال بغداد، كان من ضمنهم الشهيد، وحفظت أسماء الشهداء في ملفات سرية في وكالة الأنباء العراقية، ولم تسلم جثثهم الطاهرة إلى أهلهم، ولم يسمح بإقامة مراسيم الفاتحة والعزاء على أرواحهم، وضيق الخناق على إخوانهم وأهلهم وأقاربهم.

الأرضية الصلبة:
لم يولد الشهيد من العدم الفكري الإسلامي، بل نشأ محباً للعلم والعلماء، مصاحباً لأهل العلم والفكر والجهاد في مدينة البصرة المجاهدة، وانصرف للعمل وعمره 12 عاماً في تجارة الأقمشة، وفي هذه المدة كان يتلقى دروسه الإسلامية على يد آية الله السيد مير القزويني، الذي بنى الأسس الأولى لشخصيته الجهادية العلمية، وحثه على إكمال دراسته الحوزوية في النجف الأشرف.
هنالك وعلى يد خيرة العلماء والمفكرين الإسلاميين وفي طليعتهم السيد الشهيد الصدر (قدس سره)، تلقى الشهيد دروسه الحوزوية والجهادية، وفي هذه المدة انضم إلى حزب الدعوة الإسلامية، وأصبح من أعضائها البارزين العاملين الذين ربّوا أجيالاً من الدعاة والمجاهدين في عراقنا الجريح.
وحين زار وفد أهالي الگريعات المرجع الكبير السيد محسن الحكيم (قدس سره) وطلبوا منه ممثلاً للمرجعية في منطقتهم، اختير ليكون وكيل المرجعية فيها.

الصورة الصادقة:
الشيخ السوداني، العالم المجاهد، ابن المرجعية الرشيدة، ووكيل المرجع الكبير محسن الحكيم (قدس سره)، والشهيد الرابع السيد الصدر (قدس سره) في أكثر من منطقة، والقدوة الحسنة للآلاف من المسلمين والمجاهدين في عراقنا الجريح، والثابت على الحق دون خوف أو تهاون، والصارخ في وجه الظلم والطاغوت بملء فيه، في وقت عزَّ فيه المجاهدون، هو نفسه ابن حزب الدعوة الإسلامية المجاهد الثائر، تتلمذ في خلاياه الحركية كما تتلمذ في حلقات الحوزة العلمية، وطبق مفاهيم الدعوة المباركة وبرامجها الجهادية كما طبق تعاليم المرجعية الرشيدة وبرامجها، فتعاليم الأولى وأهدافها من تعاليم الثانية وأهدافها.
وكانت الآلام والصعاب التي خاضها في طريق ذات الشوكة، سلم الشموخ إلى المجد الحقيقي، مجد الخلود الأزلي، وارتقى درجات البر حتى قتل في سبيل الله، وليس فوق ذلك بر، كما قال رسول الله (ص).
المصدر: مجلة الجهاد
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com