موقع الصراط ... الموضوع : من وصية السيد ابن طاووس لابنه
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من وصية السيد ابن طاووس لابنه  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 17 / ربيع الثاني / 1434 هـ
     
  لقد كنا مرة يا ولدي في طريق مشهد الحسين عليه السلام وكنا متيممين فنحتاج أن نصلي بالنوافل والفرائض بحسب ما هدانا الله جل جلاله إليه فصار الرفقاء يستعجلون فقلت لهم نحن نقصد الحسين عليه السلام لأجل الله جل جلاله أو نقصد الله جل جلاله لأجل الحسين عليه السلام فقالوا بل نقصد الحسين لأجل الله تعالى. فقلت لهم فإذا ضيعنا في طريق الله جل جلاله الذي نقصد الحسين عليه السلام لأجله فكيف حالنا عند الحسين عليه السلام وبأي وجه يلقانا هو ويلقانا الله جل جلاله عند الحسين عليه السلام إذا تعرضنا لفضله.

إياك أن تخالف قوله تعالى في رسوله: (فاتبعوه واتبعوا النور الذي انزل معه) اسلك سبيل هذه الآداب، فإنها مطايا وعطايا يفتح لها أنوار سعادة الدنيا ويوم الحساب.

واعلم أن جدك وراما قدس الله روحه كان يقول لي وأنا صبي ما معناه يا ولدي مهما دخلت فيه من الأعمال المنطقة بمصلحتك لا تقنع أن تكون فيه بالدون دون أحد من أهل ذلك الحال سواء كان علما أو عملا ولا تقنع بالدون... وتأدب بما أدب الله جل جلاله من كان قبلك من الأنبياء والأوصياء والأولياء وبما قوى به من كان دونك من الضعفاء حتى جعله بفضله من الأولياء وجمع له بين سعادة دار الفناء ودار البقاء فالسابق والمسبوق من أصل واحد، لكن السابق ذا همة عالية فلم يقنع بدون السعادة الفانية والباقية وكان المسبوق ذا همة واهية فقنع بالحالة الواهية.

وإياك يا ولدي محمد طهر الله جل جلاله في تطهير سرائرك من دنس الاشتغال بغيره عنه وملأها بما يقربك عنه إذا احتجت إلى مخالطة الناس لحاجتك إليهم ولحاجتهم إليك ثم إياك ثم إياك أن تغفل عن التذكر أن الله جل جلاله مطلع عليهم وعليك وأنكم جميعا تحت قبضته وساكنون في داره ومتصرفون في نعمته وأنتم مضطرون إلى مراقبته وأنه قد توعدكم بمحاسبته وليكن حديثك لهم كأنه في المعنى له وبالإقبال عليه كما لو كنت في مجلس خليفة أو سلطان وعنده جماعة فإنك كنت تقصده بحديثك والناس الحاضرون في ضيافة حديثك له وإقبالك عليه.

واعلم يا ولدي محمد ومن بلغه كتابي هذا من ذريتي وغيرهم من الأهل والإخوان علمك الله جل جلاله وإياهم ما يريد منكم من المراقبة في السر والإعلان أن مخالطة الناس داء معضل وشغل شاغل عن الله عز وجل مذهل وقد بلغ الأمر في مخالطتهم إلى نحو ما جرى في الجاهلية من الاشتغال بالأصنام عن الجلالة الإلهية فاقلل يا ولدي من مخالطتك لهم ومخالطتهم لك بغاية الإمكان فقد جربته ورأيته تورث مرضا هائلا في الأديان فمن ذلك أنك تبتلي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكرات فإن أقمت بذلك على الصدق وأداء الأمانات صاروا أعدائك على اليقين وشغلوك بالعداوة عن رب العالمين .

ومتى اشتبه عليك شيء من نتائج العقول فالزم الصوم والخلوة والتذلل للقادر على كل مأمول فإنك تجده جل جلاله كاشفا لك ما اشتبه عليك وباعثا إلى عقلك وقلبك من أنوار هدايته ما يفتح أبواب الصواب لديك وإياك أن تستبطئ إجابته وأن تتهم رحمته فإن العبد ما يخلو من تقصير في مراقبة مولاه ويكفيه أنه يعظم ما صغر ويصغر ما عظم من دنياه وأخراه ويكفيه أنه يغضب لنفسه ولمن يعز عليه أكثر مما يغضب لله جل جلاله المحسن إليه ويكفيه أنه ما هو راض بتدبير مالكه جل جلاله بالكلية وأنه يعارضه بخاطره وقلبه وعقله معارضة المماثل أو الشريك أو العبد السيء العبودية وإذا تأخرت عنك إجابة الدعاء وبلوغ الرجاء فابك على نفسك بكاء من يعرف أن الذنب له وأنه يستحق لأكثر من ذلك الجفا فكم رأينا والله يا ولدي عند هذه المقامات من فتوح السعادات والعنايات ما أغنانا عن سؤال العباد وعن كثير من الاجتهاد.

واعلم يا ولدي محمد حفظ الله جل جلاله فيك عنايته بآبائك الطاهرين وسلفك الصالحين وسلك بهم كامل سبيلهم القوي المكين أن أصل ما أنت فيه أن تكون ذاكرا أنك بين يدي الله جل جلاله وأنه مطلع عليك، وأنك كلما تتقلب فيه من إحسانه إليك وأنه صحبك من ابتداء إنشائك من التراب وتنقلك من الآباء والأمهات كما شرحنا فيما فات أحسن الصحبة بالعنايات وصحبك في وقت وجودك بما نبهناك به عليه من السعادات وأنت محتاج إلى جميل صحبته ورحمته مع دوام بقائه بعد الممات ومن ذا يحميك منه إن أعرض عنك أو أعرضت عنه، ومن الذي يحفظ عليك إذا ضيعت نفسك وكل ما في يدك ومن الذي إذا أخرجته من قلبك تتعوض به عن ربك جل جلاله فأريد من رحمته أن يملأ قلبك من معرفته وهيبته ورحمته ويستعمل عقلك وجوارحك في خدمته وطاعته حتى يكون إن جلست فتكون ذاكرا أنك بين يديه وإن قمت تكون ذاكرا أن قوة قدرتك على المشي منه وتتأدب في المشي تأدب الماشي بحضرة ملك الملوك إليه الذي لا غناء عنه.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com