موقع الصراط ... الموضوع : صفي الدين الحلي شاعر الولاء الصادق
 
الأحد - 28 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  صفي الدين الحلي شاعر الولاء الصادق  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 17 / ربيع الثاني / 1434 هـ
     
  بقلم الشيخ عبد المجيد فرج الله
أيا رب قد عودتني منك نعمةً *** أجود بها للوافدين بلا منِّ
فأقسم ما دامت عطاياك جمةً *** ونعماك لا خيبت ذا الظن بالمنِّ
إذا بخلت كفي بنعمة منعم *** فقد ساء في تكرار نعمته ظني
قد يرسم التعجب علامة كبيرة على وجوه عدد من قراء هذا العنوان، ونخـصّ منهم أولئك الـذين سمعوا وقرأوا شعر الشاعر الكبير صفي الدين الحلي، المبثوث في كتب الفكاهة والمجون والهجاء، لأنهم عرفوه من خلالِ أبيات مثل هذه:
عبث النسيم بقدِّه فتأوّدا *** وسرى الحياءُ بخدِّه فتورّدا
قمرٌ هدى أهل الضلال بوجهه *** وأضلَّ بالفرع الأثيث من اهتدى
قاسوك بالغصن الرطيب جهالةً *** تالله قد ظلم المشبّه واعتدى
حسن الغصون إذا اكتست أوراقها *** ونراك أحسن ما تكون مجرّدا
ولولا (سلي الرماحَ العوالي عن معالينا) لما عُرِفَ عن هذا الشاعر غير ذلك، ولنُسيت قصائد ومقطوعات جميلة تقطر بالولاء والاستغفار من قبيل:
يا ربِّ إني دخلت بيتك *** والداخل بيت الكريم في حَسَبِهْ
لا يختشي سُخْطَهُ عليه ولا * يحذر من مكره ولا غَضَبِهْ
فكيف يرتاع من أناخَ بك الرحلَ *** ويخشى من سوء منقلبِهْ (1)
لا يسأل العبد غير من هو *** بالعفو جدير وأنت أجدر بهِْ
بل لفاتَتْنا أبيات تُنبئُ عن إيمان راسخ، وشعور عميق بالاطمئنان والخلود إلى الرحمة الإلهية، وهي تحثُّ بذكاء أدبي على سلوك طريق الرجاء والنور، ضمن تضمين رائع للآيات الشريفة. مثال ذلك:
تُبْ وثُبْ وادعُ ذا الجلالِ بصدق *** تجد الله للدعاء سميعا
لا تَخَفْ مع رجاء ربِّك ذنبا *** إنه يغفر الذنوب جميعا
ولا عجب إذا عرفنا أن هذا الشاعر متمسك بالولاء الصادق لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، وهذا هو محور بحثنا الأصلي في شعر (عبد العزيز بن سرايا) - الاسم الحقيقي للشاعر - وقد يظن أحد أننا بقولنا هذا ندافع عن الرجل، ونبرّئ ساحته بدوافع عاطفية. كلا، ولكننا لا نريد أن نظلم أحداً، فقد يكون مقترفاً أخطاءً وذنوباً في فترة من فترات حياته ثم تاب كما تصرح بذلك أبياته:
أمسيتُ ذا ضر وفي يدك الشفا *** لمّا غدوتُ من الذنوب على شَفا
وعلمتُ أنَّ الصفحَ منكَ مؤملٌ *** والعفو مرجوٌّ لديك لمن هفا
جعلتُ عذري الاعتراف بزلتي *** إذ ما بها في طيّ علمك من خفا
فإذا انتقمت فإن ذنبي موجبٌ *** ولئن عفوتَ فإن مثلك من عفا
لكن الثابت هو الولاء الصادق الذي كان يعمر قلبه فيُغدق عليه الأمن والاطمئنان، وهو حين ينساب من قريحته فإنه يتدفق بهدوء ناعم ترى فيه الرقة والبساطة والبعد عن التكلّف والتزويق اللفظي والبديعي، وتعرف أنه شاعر يمتلك ثقافة عقيدية وتاريخية كبيرة، وقد أبدع في إدخال الجدل العقيدي إلى أشعاره دون أن يحس المتلقي بنفرة من هذا الجدل الهادئ، الذي يأتي من باب خلفي مقتحماً بوداعة هادئة القلب والعقل معاً، ليرسّخ أخيراً فكرة الشاعر في الذهن والروح بخفة وذكاء، بالإضافة إلى لوحاته الجميلة جداً، ولفتاته الإبداعية المحببة، فإن جوانبَ بلاغيةً شفافة تُريكَ مقدرة الشاعر وخفّةَ ريشته وهو يوشّي خطوطه الآسرة بلمساته البديعية الأخيرة، تلك التي اشتهر بها شعر هذا الرجل، وهي جذابة - بشرط البعد عن الإغراق والتكلّف - لكن لا مجال للحديث عنها في هذا البحث.
ودعنا نلتقط الأبيات التي ضمت بعضاً مما قلناه في قصيدته التي يمدح بها الرسول (صلى الله عليه وآله):
تشرفت الأقدامُ لمّا تتابعتْ *** إليك خطاها واستمرَّ مريرُها
وفاخرت الأفواه نورَ عيوننا *** بتربِكَ لمّا قبّلته ثغورُها
فضائلُ رامتها الرؤوس فقصّرت *** ألمْ تَرَ للتقصير جُزَّتْ شعورُها(2)
فالشفاه والعيون في مناظرة افتخار، فالعيون ترى مرقدَ الرسول، ومسجدَ الرسول، والأشياء المقدسةَ التي شمّتْ رائحةَ الرسول، ولامست بشرتَهُ الشريفة وملابسَه الطاهرة. والشفاهُ تفتخر بهذه القبل التي تطبعها على أرض المرقد المطهّر، المُوصِلِ بين حرقتها وبينَ حرارةِ جسده الموارى على مقربة من هذه اللهفة العارمة المستعرة مع الزفرات.
وتأمّلْ هذه الصورة، حيث يرسل الشاعر أمانيه الجميلة مادّةً رقابها الصافية كأنها تشكو فقدانَ شيء، فإذا بها تعود بعدما يوشّحُها الرسول الكريم بالورد والحلي والجمال:
بعثتُ الأماني عاطلات تلتبتغي *** نداك فجاءت حاليات نحورُها
ولا ينسى الشاعر أبداً أن يذكر صنو رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمفضّلَ عنده، وهو ابن عمه الإمام علي عليه السلام، فيوجّه نحوهما معاً مشاعره الصادقة، مارّاً على مناقبهم. فهذا رسول الله ينشق له القمر نصفين، ثم يلتئم مرة أخرى ليعود من جديد إلى عيون الناس الحائرة، وهو يبارك الأمة برسولها، وهذه آية من آيات نبوّته. والإمام علي رُدّت له الشمس بعد غروبها، وهاتان المعجزتان مذكورتان بالتفصيل في كتب التاريخ. فلننظر من أيةِ زاوية اختار صفي الدين الحلي صورته التي التقطها لهذين العظيمين:
مدينة علم وابن عمك بابها *** فمن غير ذاك البابِ لم يؤتَ سورُها
شموسٌ لكم في الغرب رُدَّت شموسُها *** بدورٌ لكم في الشرقِ شُقَّت بدورُها
جبالٌ إذا ما الهضب دُكَّت جبالها *** بحار إذا ما الأرض غارت بحورُها
كذلك لابدّ للحديث أن يتطرق إلى آل الرسول صلّى الله عليه وعليهم:
فآلُك خيرُ الآلِ والعترةُ التي *** محبتُها نُعمى قليلٌ شكورُها
إذا جولست للبذل ذَلَّ نضارها(3) *** وإن سوجلت في الفضل عَزَّ نظيرُها
على أن الشاعر أبا المحاسن صفي الدين ينتبه ويُنبّه إلى نقطة جوهرية مهمة، هي المحافظة والحرص على تجنّب إثارة شيء من البغضاء العمياء التي تضطرم في نفوس المغفلين من الناس، الذين ضلّلهم الإعلام الأموي والعباسي، وبقي تأثيره ممتداً حتى أيام الشاعر، بل حتى زماننا هذا.
ويا للأسف، فقد نجحوا في توظيف ذلك من أجل أن يُنفّروا الناس من كلّ شاعر يذكر أهل البيت بخير، وبالتالي يُنفّرونهم حتى من أهل البيت، ومن كلّ إشارة إليهم قريبة أو بعيدة.
ولقد تنبّه شاعرنا ونبّه إلى ذلك، واستطاع أن ينتصر لأنه كان يريد - كما نستشف ذلك من أشعاره - أن يرى المسلمين أمة واحدة لا تفرّقُها المذاهب.
وهو يقول معلناً عن ولائه الصادق لأمير المؤمنين وأبنائه عليهم السلام، ومعبراً عن فوز محبيهم ومواليهم، ومؤكداً على وجوب تولّيهم بنص حديث الغدير المتواتر:
توالَ علياً وأبناءهُ *** تَفُزْ في المعادِ وأهوالِهِ
إمامٌ له عقدُ يوم الغدير *** بنص النبيِّ وأقوالِهِ
له في التشهد بعد الصلاة *** مقام يخبّرُ عن حالِهِ
فهل بعد ذكر إله السماء *** وذكر النبي سوى آلِهِ
ويتبين ولاء شاعرنا الصادق لأهل البيت (عليهم السلام) واطلاعه على العقائد ومعرفته بمعاني الآيات والأحاديث من خلال مقطوعات عديدة منها:
يا عترة المختار يا من بهم *** يفوز عبدٌ يتولاهُمُ
أُعرف في الحشر بحبي لكم *** إذ يُعرَفُ الناسُ بسيماهُمُ
وكذلك هذه المقطوعة:
يا عترة المختار يا من بهمْ *** أرجو نجاتي من عذاب أليمْ
حديث حبّي لكم سائرٌ *** وسرُّ ودي في هواكم مُقيمْ
قد فزتُ كلَّ الفوز إذ لم يَزَلْ *** صراطُ ديني بكم مستقيمْ
فمن أتى الله بعرفانكُمْ *** فقد (أتى اللهَ بقلبٍ سليمْ)
والملاحظ على هذه المقطوعات تَميُّزُها بالسهولة والعذوبة والابتعاد عن التعقيدِ والغموض والإغراقِ في التصنّعِ والتكلّف والهالات والمحسنات البديعية، ولعلّ السبب في ذلك عائد إلى أنّ الشاعر قالها في حالات هي أقرب إلى الارتجال، أو إلى حديث النفس - بتعبير أدق - حيث تفيضُ دون سابقِ قصد واختيار طافحةً على لسانه من أغوارِ ذاتِه، حيث تتنفسُ هناك من سماء روحه، وتنبض في قطرات دمائه، لتخرج في أجلى لحظات الصفاء والصدق مع الذات، وهذا يَدُلُّ على تمكّن عقيدته بأهل البيت من نفسه ووجدانه الفيّاضين بالشعر والولاء وحب الخير والحياة النيّرة.
وللرسول الكريم مكانة خاصة في روح الشاعر، فهو يبوح له وحده بما يجيش في صدره، وهو يتوسل إلى الله أن يُنيله شفاعة رسوله الكريم، فقد أثقلت ذنوبُهُ كاهلَه، وقد جاءَ للاستغفارِ والإنابة والتوبة:
بكم يهتدي يا نبيَّ الهدى *** وليٌّ إلى حبِّكُمْ ينتسِبْ
به يكسبُ الأجرَ في بعثِهِ *** ويخلصُ من هولِ ما يكتسِبْ
وقد أمَّ نحوَك مستشفعاً *** إلى الله ممّا إليه نُسِبْ
سلِ اللهَ يجعل له مخرجاً *** (ويرزُقْه من حيث لا يحتسبْ)
وقصيدته المشهورة المسماة (الكافية البديعية في المدائح النبوية) التي جمعت أنواع المذهب البديعي في الشعر العربي وأسراره هي تُغني عن كثير من الكتب المطوّلة المؤلّفة في هذا العلم، وهي خير دليل على اتصاله الروحي برسول الله صلى الله عليه وآله. ونحن هنا لا نتناولها من جانب اشتمالها على علم البديع ودقائقه، لأن ذلك يستدعي وضع كتاب كامل لشرحها وكشف أسرارها ومخابئها، ولكننا نتناولها من زاوية اتصالها برسول الله صلى الله عليه وآله، فالشاعر نظمها بعد ما (أراد أن يؤلف كتاباً يُحيط بُجلّ أنواع البديع، فعرته علّةٌ طالت مدتها، واشتدت شدتها، فاتفق أنه رأى في منامه رسالة من النبي (صلى الله عليه وآله) يتقاضاه المدح ويعده البرء من سقمه، فعدل عن تأليف ذلك الكتاب إلى نظم قصيدة تجمع أشتات البديع، وتتطرز بمدح محتده الرفيع، فنظم قصيدة عدتها مائة وخمسة وأربعون بيتاً في بحر البسيط، تشتمل على مائة وواحد وخمسين نوعاً من محاسن البديع)(4).
والذي يُهمنا هو هذا الاتصال بين شاعرنا وبين سيده الرسول الكريم، ذلك الاتصال الذي أنتج هذه القصيدة النادرة بفنّها وأفكارها ولمساتها الإبداعية الجميلة، وهي تكشف الغطاء عن شاعرية فذّة، ومقدرة أدبية كبيرة، يتمتع بها هذا الرجل، إضافة إلى سيطرته القوية على الألفاظ، وسعة اطلاعه على الأسرار اللغوية، ودقة تصرّفه بمفرداتها.
لننتقِ أبياتاً منها، كي نستدل بها على ما نقول:
لا لقّبتني المعالي بابن بجدتها *** يومَ الفخارِ ولا برَّ التقى قسمي
إن لم أحثَّ مطايا العزم مثقلةً *** من القوافي تؤم المجد عن أممِ
فِجارُ لفظي إلى سوق القبول بها *** من لُجَّة الفكر تُهدي جوهرَ الكلمِ
من كل معربة الألفاظ معجمة *** يزينُها مدحُ خير العرب والعجمِ
محمد المصطفى الهادي النبي أجــ *** ــلّ المرسلين ابن عبد الله ذي الكرمِ
خير النبيين والبرهانُ متضحٌ *** في الحجْرِ عقلاً ونقلاً واضحُ اللقَمِ
كم بين من أقسم اللهُ العليُّ به *** وبين ما جاء باسم الله في القسمِ
أبدى العجائب فالأعمى بنفثته *** غدا بصيراً وفي الحرب البصيرُ عمي
عزيزُ جارٍ لو الليل استجار به *** من الصباح لعاش الناس في الظلم
فما أروع هذه اللوحة الفنية التي تضمّنها هذا البيت؟
عزيزُ جارٍ لو الليل استجار به *** من الصباح لعاش الناس في الظلم
ولا ينسى الشاعر آل البيت، فحبهم يُفعم قلبه، لهذا فإنه بعد أبيات كثيرة نراه يستسلم لذاك الحب قائلاً:
وآله أمناءُ اللهِ من شهدت *** لقدرهمْ سورةُ الأحزابِ بالعِظمِ
آل الرسول محلُّ العلمِ ما حكموا *** لله إلا وكانوا سادةَ الأممِ
هم النجوم بهم يُهدى الأنامُ *** وينجابُ الظلامُ ويهمي صيّبُ الديمِ
وقصيدته النونية (٥٧ بيتاً) التي قالها في ذكرى مولد الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) دليل آخر على مدى التواصل والاتصال بين شاعرنا وبين الرسول الحبيب، وقد جمعت باقة زاهرة من معاجزه وفضائله في أسلوب شعري جذاب، وإن كان قد تأثر بالمباشرة التي لا بدّ من أن تطفح على وجه قصيدة تأخذ على عاتقها إحصاء مناقب وحوادث تاريخية تحتاج وصفاً ولغةً نثرية مُضرّة بلغة الشعر الرقراقة:
خمدت لفضل ولادك النيرانُ *** وانشقَّ من فرح بك (الإيوانُ)
نُسختْ بمظهرك المظاهر بعدما *** نُسختْ بملة دينك الأديانُ
وبك استغاث الأنبياءُ جميعهم *** عند الشدائد ربِّهم ليعانوا
وبك استغاث اللهَ آدمُ عندما *** نُسب الخلافُ إليه والعصيانُ
وبك التجى نوحٌ وقد ماجتْ به *** دسر السفينة إذ طغى الطوفانُ
وبك اغتدى أيوب يسألُ ربَّه *** كشف البلاء فزالت الأحزانُ
إلى أن يقول:
فعليك من ربِّ السلام سلامه *** والفضلُ والبركاتُ والرضوانُ
وعلى صراطِ الحق آلك كلَّما *** هبَّ النسيمُ ومالتِ الأغصانُ
وأخيك في يوم الغدير وقد بدا *** نور الهدى وتآخت الأقرانُ
وعلى صحابتك الذين تتبعوا *** طرق الهدى فهداهم الرحمانُ
على أن قصيدته القافيّة (٥٠ بيتاً) فيها الكثير من الفنية والجمال، وهي تصبُّ بعد مقدمة وصفية ذكية الخطوط والألوان في غرضه الأصلي، وهو المدح الولائي للرسول وأهل بيته (صلى الله عليه وآله). وأنت تلمس منذ البيت الأول فنيتها الرائعة ودفقات ريشته الناعمة، وأنغام ظلالها الهامسة باتساق حلو، وهي تكشف عن مقدرة تصويرية كبيرة من خلال مساحات ضرباته الدقيقة التي تجود بها ريشته المبدعة على لوحات فيّاضة بالفن والسحر الحلال:
فيروزجُ الصبح أم ياقوتة الشفقِ *** بدت فهيجت الورقاء في الورَقِ
أم صارمُ الشرق لما راح مختضباً *** كما بدا السيف محمراً من العلقِ
ومالت القضبُ إذ مرَّ النسيمُ بها *** سكرى كما نُبِّه الوسنانُ من أَرَقِ
وكلّل الطلُّ أوراق الغصون ضحىً *** كما تكلّلَ خدُّ الخود بالعرقِ
والظلُّ يسرق بين الدوح خطوته *** وللمياه دبيب غير مسترق
وقد بدا الورد مفترّاً مباسمه *** والنرجسُ الغضُّ فيها شاخصُ الحدق
ففي كل بيت لوحة فنية رائعة تستحق التأمل والاستنطاق، تراها غنيةً بإشعاع الضوء وانكسارات الظلال الآسرة، كلّما أغرقْتَ في تصورها واستحضارها في خيالك. كل ذلك من أجل أن يوصلك إلى عالم الرسول الطاهر، المشرق بالنور والربيع الأخضر، وصفاء السماء الزرقاء الحبلى بقصاصات سحب بيضاء صغيرة هنا وهناك. إلى أن يقول:
وفاحَ من أرجِ الأزهار منتشراً *** نشرٌ تعطّر منه كلُّ منتشقِ
كأن ذكرَ رسول الله مرَّ بها *** فأكسبت أرجاً من نشره العبقِ
محمد المصطفى الهادي الذي اعتصمت *** به الورى فهداهم أوضح الطرقِ
ومن له أخذ اللهُ العهود على *** كلِّ النبيين من بادٍ وملتحقِ
ثمَّ يعدّد مآثره النبوية وكراماته الشريفة، وأنه كيف كان الأنبياء يتقربون إلى الله سائلين الفرج والنصر، وهم يقدمون اسم النبي الحبيب بين يدي حاجاتهم في أثناء مناجاتهم ربَّ العالمين.
وتستوقفنا أبيات وصور في أثناء رحلتنا في عالم هذه القصيدة العصماء. منها:
جودٌ تكفَّلتَ أرزاق العباد به *** فناب فيهم مناب العارض الغدقِ
لو أن جودك للطوفان حين طمت *** أمواجه ما نجا (نوحٌ) من الغرقِ
لو تجعل النقع يوم الحرب متصلاً *** بالليل ما كشفته غرة الفلق(5)
وفي إحدى قصائده يكتشف الشاعر (سرَّ النبي)، فيا ترى ما هو، أو بالأحرى من هو سرّ النبي؟
جمعت في صفاتك الأضدادُ *** فلهذا عزت لك الأندادُ
زاهد حاكم حليم شجاع *** ناسك فاتك فقير جوادُ
شيمٌ ما جمعن في بشر قط *** ولا حاز مثلهنَّ العبادُ
خلقٌ يخجل النسيم من العطف *** وبأسٌ يذوب منه الجمادُ
فلهذا تعمقت فيك أقوامٌ *** بأقوالهم فزانوا وزادوا
وغلت في صفات فضلك (ياسين) *** و(صادٌ) وآلُ ياسين وصادُ(6)
ظهرت منك للورى معجزاتٌ *** فأقرت بفضلك الحسادُ
إن يكذب بها عداك فقد كذّ *** ب من قبلُ (قومُ لوط) و(عادُ)
أنت سر النبي والصنو وابن العمـ *** ـمِ والصهرُ والأخُ المستجادُ
لو رأى غيرك النبيُّ لآخاه *** وإلا فأخطأ الانتقادُ
بكم باهلَ النبيُّ ولم يُلْفِ *** لكم خامساً – سواه – يزادُ
كنت نفساً له وعرسك وابنـ *** ـاك لديهِ النساءُ والأولادُ
جلَّ معناك أن يحيط به الشعر *** وتحصي صفاته النقادُ
إنما اللهُ عنكم أذهبَ الرجسَ *** فرُدَّتْ بغيظها الأحقادُ
ذاك مدحُ الإله فيكم فإن فُهْـ *** ـتُ بمدح فذاكَ قولٌ معادُ
وفي شعر صفي الدين الحلي أشكال وزوايا أُخرى تعبر عن ولاء هذا الشاعر وصدق عقيدته بأهل البيت عليهم السلام، من قبيل رثائه احد السادة ينتهي نسبه إلى الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وآله ـ كان قد توفي يوم العاشر من المحرم، ومن خلال قوة انفعال الشاعر مع ذكريات ملحمة الطف، خرجت القصيدة منبئة عن قلب ملتهب، فوّار الحسرة، لأنه كان يعيش تلك الذكريات بقلبه وخياله وعواطفه الملتاعة، وحينما يسمع خبر وفاة أحد أبناء الحسين فإنه يُفرّغ نفثةً في طيات قصيدته تشير إلى ذلك:
اليوم زعزع ركن المجد وانهدما *** فحُقَّ للخلقِ أن تذري الدموعَ دما
ما من وفي بكى دمعاً بغير دم *** إلا غدا في صفاء الود متهما
إلى أن يقول:
يا ابن الأئمة والقوم الذين سمَوا *** على الأنام فكانوا للهدى علما
مثواك في يوم عاشوراء يخبرنا *** بقُربِ أصلكَ من آبائك الكُرما
هذه اغلب المناحي التي ترجم فيها أبو المحاسن عبد العزيز بن سرايا من خلال قابليته الشعرية الفذة ولاءَهُ وحبَّهُ وعقيدته.
المهم أنَّ هذا الشاعر في حقيقةِ وجدانهِ، وبواطن ضميره شاعرٌ يحمل في قلبه وحناياه أماكنَ أنارتها عقيدتُهُ الإسلامية الطافحةُ بالولاءِ لله ولرسولهِ وللذينَ آمنوا، وهو شاعرُ وحدة لا بوقُ فُرقة، ما خدش شعور طائفة من المسلمين في الوقت الذي صرّح به عن مذهبه الذي طبع آثارهُ الرقيقة واضحةً على معالمِ شعرِه الشفّافة الآسرة.
ويبقى التاريخُ يشكو بمرارة أفعال كثير من المُزيّفين والمحرفين والمتطاولين على تراث امتنا العظيمة وإبداعها.

الهوامش:
(1) هكذا ورد في الديوان، وفيه خلل عروضي، وربما كان الصواب (ويخشى لسوء منقلبه).
(2) التقصير: أحد واجبات الحج وهو قص الشعر والأظافر، وكان الشاعر حاجّاً حينما قال هذه القصيدة.
(3) النضار: الذهب.
(4) مقدمة القصيدة مثبتة في الديوان بقلم الشاعر نفسه.
(5) النقع: الغبار، والضمير في (كشفته) يعود إلى الليل، أي لما كشفت الليل غرةُ الفجر.
(6) أسماء سور قرآنية نزلت آياتٌ منها في فضل الإمام علي(عليه السلام).
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com