موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب موسى كليم الله-8
 
الخميس - 6 / جمادي الثاني / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب موسى كليم الله-8  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 17 / ربيع الثاني / 1434 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
المناظرة الحاسمة:
بعد أن رأى فرعون ما رأى من معجزات الله التي أجراها على يد موسى (ع) وأذهله الأمر، فراح يحيك المؤامرات، ويبذل كلما في وسعه من طاقات، وما أوتي من كيد وحيلة ومكر؛ ليبطل معاجز موسى (ع) وليوقف حركة التوحيد. يقول تعالى: ((فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى)) (طـه:60) وهنا نستوحي مقدار الجهد الكبير الذي بذله فرعون لجمع السحرة، وتحشيد الجماهير... ورغم ما رأى من آيات الله الكبرى إلا أنه كذب وأبى... وراح هو وملأه يركزون في أذهان الجمهور أن موسى جاء؛ ليخرجهم من أرضهم، ثم يتحدى موسى فيقول: ((فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَاناً سُوَىً)) (طـه:58) بهذا التأكيد من قبل فرعون يتحدى موسى ويلزمه بعدم إخلاف الموعد وهنا يختار موسى اليوم الذي يجتمع فيه أكبر حشد من الناس؛ ليدعوهم إلى الله؛ ويتحدى فرعون فيختار يوم تعطيل الأعمال، ويخرج الناس بزينتهم فيقول لفرعون ((مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً)) (طـه:59) وهنا في هذا الحشد العظيم تتبارى الحقيقة والوهم والحق والباطل إلا أن الباطل كان ظاهره قوي يملأ العين، ويرهب الناس، قوة فرعون، وإعداد السحرة وحشود الناس بزينتهم وليس لموسى إلا أخاه وعصاه، إلا أن الله تعالى معه، ويتوجه إليهم بكل قوة وثقة مناديا لهم: ((وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى))(طـه:61) وتقع موعظة موسى وقع الماء على الأرض العطشى فراحوا يتنازعون فيما بينهم وأسروا النجوى ليحيكوا المؤامرة ويبطلوا فيها إرادة الله تعالى بزعمهم وهنا تأكد لهم خطر موسى فقالوا: ((إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى)) (طـه:63) ثم إنهم أرادوا أن يظهروا بمظهر القوة الواحدة الصامدة المنظمة، قالوا: ((فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى)) (طـه:64) وهنا نرى الصراع بين الحقيقة الإلهية – الممثلة في خط التوحيد الذي ظهرت فيه آيات الله، وبين الكيد البشري، ثم توجهوا بكل تلك الحشود إلى موسى – وبين الوهم الذي خيَّم على عقول الناس، وسحر أنفسهم، وأراهم الحبال أفاعي ((فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى))(1) (طـه:67) ثم توجهوا بكل تلك الحشود إلى موسى قائلين: ((يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ)) (الأعراف:115) ولما لم يكن موسى (ع) يفعل فعلهم ويعمل من وراء الستار، وإنما يريد أن يبرز الحقيقة، فقال لهم ((أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ)) (يونس:80) بلا مبالاة ولا خوف، وهنا إشارة رائعة إلى استهانته بما جاءوا، وكأنه يقول: اطرحوا من ألاعيبكم ومكائدكم فإن ((مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ)) (يونس:81) ولكن السحرة قد جاءوا بسحر يتلاعب في عقول الناس بحيث أنهم من قوة سحرهم ((سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ)) (الأعراف:116 حتى قال بعض المفسرين أن عدد السحرة كان عشرات الألوف إضافة إلى الأجهزة المستعملة كانت أكثر (وحسبنا أن يقرر القرآن أنه سحر عظيم، لندرك أي سحر كان، وحسبنا أن نعلم أنهم سحروا أعين الناس وأثاروا الرهبة في قلوبهم ((وَاسْتَرْهَبُوهُمْ)) لنتصور أي سحر كان)(2) ونستوحي من ذلك مقدار الجهد الذي بذله فرعون في إعداد هؤلاء الذين وصلوا إلى حد من الحيل وأنواع التمويه والتلبيس والخداع أن يجعلوا الناس يرون غير الواقع، بحيث أن الحبال (خيل إلى الناس أنها تتحرك على ما تتحرك الحية وإنما سحروا أعين الناس؛ لأنهم اروهم شيئا لم يعرفوا حقيقته وخفي ذلك عليهم لبعده منهم)(3) ، ورغم كل ذلك التحضير والإعداد، وصرف الطاقات لخلق الحيل والمكائد لخداع الناس والتمويه عليهم، إلا أن الله تعالى أبطله على يد عبد موسى بيسر وسهولة حين أوحى إلى موسى (ع) أن ((وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى)) (طـه:69) وهنا يأتي دور المعجزة ووجوب طرحها فإنها تبرز في ساعة يصبح الدين في خطر انقلاب الحقائق، وتزيف التصورات, وإبراز الباطل بثوب الحق, وانخداع الناس به, وتعطيل قوة التفكير هنا لابد من المعجزة؛ لتنسف كل ذلك، فالإرادة الإلهية تتدخل عندما يتنفس الباطل (ويسحر العيون ويستر هب القلوب ويخيل إلى الكثيرين إنه غالب، وأنه جارف وأنه محيق! وما هو إلا أن يواجه الحق الهادئ الواثق حتى يئنفثيء كالفقاعة،وينكمش كالقنفذ, وينطفئ كشعلة الهشيم! وإذا الحق راجح الوزن،ثابت القواعد, عميق الجذور... والتعبير القرآني هنا يلق هذا الظلال وهو يصور الحق واقعا ذا ثقل((فَوَقَعَ الْحَق)) (لأعراف118)...وثبت واستقر.. وذهب ما عداه فلم يعد له وجود وبطل ما كانوا يعملون.. وغلب الباطل والمبطلون، وذلوا، وصغروا، وانكمشوا بعد الزهو الذي كان يبهر العيون ((فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ))(4) (لأعراف:119)
وهكذا ينصر الله دينه على يد عباده بعد أن يبتليهم بالشدائد والمحن والأزمات فإذا رأى الصدق، والصبر، والثبات، والاستقامة نصر الحق على أيديهم أجراه على ألسنتهم، وأرجع الناس إليهم؛ ولذا حدثت المفاجئة الكبرى بسجود السحرة وإيمانهم قائلين: ((فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ)) (لأعراف: 121-122)

((فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ)):
انقلب السحر على الساحر حين أشرقت شمس الحقيقة فطردت الظلام ومزقت خطوطه وامتدت أشعة النور إلى قلب السحرة الذين جاءوا يطلبون أجر فرعون، وما هي إلا لحظات وإذا بهم ينقلبون على فرعون ويتحدون كل جبروته...لما انكشفت لهم الحقيقة حين رأوا أن جبروت فرعون وعظمة سحرهم لا يقف أمام إرادة الله وقدرته التي تمثلت في عصا بيد عبد من عبيده هدمت كل ذلك الجهد الذي بذله فرعون في تجميعهم، وتحشيد الجمهور، وما بذله هم؛ لنيل رضاه،إنها لم تكن قضية بشرية فلابد أن تكون مع موسى قوة خارقة خارجة عن طاقة البشر إنها إرادة الله التي لا تغلب، ولا عجب أن يؤمنوا بما رأوا من معجزة عظيمة إلا أن العجب هو ثباتهم أمام جبروت فرعون، وتهديد حاكم طاغ يفعل ما يقول حيث أنهم ما أن أعلنوا إيمانهم بالله ورسوله وإذا بفرعون يصرخ بهم مهددا ومتوعداً ((قَال:َ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى)) (طـه:71) وفي آية أخرى: ((قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُون *َلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ)) (الأعراف: 123-124) و(كأنما كان عليهم أن يستأذنوه في أن تنتفض قلوبهم للحق- وهم أنفسهم لا سلطان لهم عليها- أو يستأذنوه فيه أن ترتعش وجداناتهم- وهم أنفسهم لا يملكون من أمرها شيئا - أو يستأذنوه في أن تشرق أرواحهم- وهم أنفسهم لا يمسكون مداخلها. أو كأنما كان عليهم أن يدفعوا اليقين وهو ينبت من الأعماق، أو أن يطمسوا الإيمان وهو يترقرق من الأغوار، أو يحجبوا النور وهو ينبعث من شعاب اليقين)(5) ولكن ماذا كان ردهم؟ أنه رد المؤمن الذي عاش الإيمان رسالة في حياته ونذر نفسه إليها، فأجابوه بكل ثقة،واطمئنان أمام ذلك التهديد الشديد بتقطيع أيديهم وأرجلهم، وتعليقهم على جذوع النخل،ولم يكن مزاحا أو إدعاء وإنما هو حقيقة من طاغوت ينفذ ما يقول ولكن رغم ذلك كله ولكن رغم ذلك كله أجابوه بمنطق التحدي والرفض ((قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)) (طـه:72) أحكم كلما شئت أن تحكم فحكمك في تعذيبنا وقتلنا محدود بحدود هذه الدنيا المحدودة الزائلة وما ذا تريد أن تفعل أكثر من الموت؟ والموت ينقلنا إلى عالم الأبدي والسعادة ((إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقلِبُونَ)) (الأعراف:125) ومن ينقلب إلى ربه فلا ينبغي له أن يخاف أو يحزن أو يتراجع أبدا لأنه فاز بجوار ربه ورضوانه ((إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى)) (طـه:74-75) (إنه موقف من المواقف الحاسمة في تأريخ البشرية هذا الذي بين فرعون وملئه، والمؤمنين من السحرة السابقين..
إنه موقف حاسم في تأريخ البشرية بانتصار العقيدة على الحياة وانتصار العزيمة على الألم وانتصار ((الإنسان)) على ((الشيطان))!)(6)
وهكذا يمنح الإيمان الإنسان قوة وصلابة ومقاومة واستقامة، وإلا كيف يكون رد هؤلاء على وعيد طاغوت لا يرى للدماء حرمة. ولا يمنعه مانع من ذمة أو ضمير لولا صلابة بالله واليوم الآخر، ومن منطلق الإيمان هذا تتجلى إرادة هؤلاء الذين من الله عليهم بالهداية، فهم يؤكدون في حوارهم مع فرعون أنه أكرههم على ما قاموا به من السحر، وأنهم آمنوا بالله تعالى إيمان صدق ويقين وإنهم لا ترهبهم تهديدات فرعون (إنه الموقف الرائع، والنموذج العظيم للإيمان الصامد، أما الكفر الطاغي في أروع صورة للصراع الدامي بين الكفر والطغيان وبين قوى الحق والإيمان)(7) ويسكت النص عما فعله فرعون بالسحرة، وهل نفذ وعيده الشديد أم لا؟ إلا أن بعض الروايات أكدت أن السحرة استقاموا على إيمانهم بالله، وأن فرعون نفذ تهديداته ومثل بأجسامهم، وصلبهم على جذوع النخل على مقربة من نهر النيل. وهكذا دخل هؤلاء المؤمنون التأريخ من أوسع أبوابه، باب الإيمان والصبر والاستقامة في تحدي الظالمين.

الهوامش:
(1) يقول الإمام أمير المؤمنين (ع): لم يوجس موسى (ع) خيفة على نفسه، بل أشفق من غلبة الجهال ودول الضلال. (نهج البلاغة: خطبة: 4)
(2) سيد قطب، في ظلال القرآن: 3/604 .
(3) الشيخ الطبرسي: مجمع البيان: 4/328 .
(4) سيد قطب، في ظلال القرآن: 3 / 605 .
(5) المصدر نفسه: 3/605 .
(6) المصدر نفسه: 3/607 .
(7) السيد محمد حسين فضل الله، الحوار في القرآن: 275 .

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com